أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.

الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.

أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:

السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛

في القصص القرآني، يقول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" عنه: {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}[القصص:3]، هو لا يقدِّمه لنا لننظر إليه كمجرَّد أحداثٍ من التاريخ مضت وانقضت وانتهت، أو للتسلية، بل يقدِّمه في إطار هدايته لنا؛ لنستفيد منه إيمانياً: في ثقتنا بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وفي وعينا، وفي بصيرتنا، في فهمنا للسنن الإلهية، التي ينبغي أن نعيها جيداً، وأن نتحرَّك على أساسها في مسيرة حياتنا، وفي مواقفنا.

{لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}[القصص:3]، فتكون ثمرة إيمانهم: ثقتهم القوية الراسخة بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وبوعده الحق، وثباتهم، وصمودهم حتَّى في أحلك الظروف، وأصعب المراحل.

نحن كأمةٍ مسلمة، في هذه المرحلة من تاريخنا، في ظروفٍ معروفة، في حالةٍ من الاستضعاف والاستهداف، ونرى قوى الطاغوت المستكبرة، الظلامية، المجرمة، وهي تتحرَّك بكل وضوحٍ في أهدافها العدوانية، وبممارساتها الإجرامية الظالمة، وقد تبدَّلت الأدوار، فالذين كانوا من المستضعفين، عندما نقرأ قصة نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، وصراعه مع فرعون، أولئك الذين كانوا من المستضعفين في تلك المرحلة، هم في عصرنا، وفي زمننا، هم الطغاة، الذين حلُّوا محل فرعون في طغيانه، وفاقوه في إجرامه، وفي عتوه، وعلوه، واستكباره، والله قدَّم لنا الدروس من تاريخهم؛ حتَّى نوقن أنَّ بالإمكان أن تتغير الأحوال، وحتَّى تتعزَّز ثقتنا بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

الأعداء بالرغم من الخطوات التي يعتمدون عليها في الخداع والتضليل، مثل: [مجلس ترامب]، الذي يسمُّونه بـ [مجلس السَّلام]! وما يأتي في إطاره من عناوين، وكلمات برَّاقة ومخادعة، إلَّا أنهم واضحون على المستوى العملي بالجرائم اليومية، في اعتداءاتهم ضد الشعب الفلسطيني، واستهدافهم المتصاعد للمقدِّسات الإسلامية، للمسجد الأقصى في المقدِّمة، وقد أضافوا المزيد من القيود والعوائق والحواجز، التي تضيِّق على المصلِّين فيه، وتحدّ من وصول المصلين إلى المسجد الأقصى، بل وجعلوا سقفاً معيناً، ورقماً محدداً للعدد المسموح به للصلاة في المسجد الأقصى، وهذه هي خطوة خطيرة جداً، خطوة عدائية بكل ما تعنيه الكلمة، وهي في مسار تصاعدي لاستهداف المسجد الأقصى؛ باعتباره من أهمِّ المقدَّسات الإسلامية، وباعتبار أنَّ من أهداف اليهود الرئيسية هي- في نهاية المطاف- التدمير للمسجد الأقصى، وإنهائه كمَعْلَمٍ إسلاميٍ مقدَّسٍ عظيم، واستبداله بهيكلهم المزعوم، وهم يسيرون إلى ذلك وفق خطوات ترويضية متدرجة، يقتلون فيها رد الفعل من جانب المسلمين، ومستوى التفاعل، ويحاولون أن يصلوا بهذه الأُمَّة إلى أن تكون أُمَّة لا مبالية، تتغاضى عن كل ما يصنعون، حتَّى يحدث ما هو خطيرٌ جداً، وفي نفس الوقت يستمرون في جانبٍ آخر: في تمديد الفترات للمغتصبين اليهود الصهاينة، في اقتحاماتهم للمسجد الأقصى، في تدنيسهم له.

جرائم القتل اليومية في غزَّة لم تتوقَّف، جرائم النسف للمباني لم تتوقَّف، حالة التضييق، والتجويع، والحصار على غزَّة مستمرة، الانتهاكات الجسيمة في الضِّفَّة الغربية مستمرة، الاعتداءات المكثَّفة بالغارات الجوية وغيرها من أشكال الاعتداءات مستمرة على لبنان، وكل هذا مع ما سبق من: اتِّفاقيات، وضمناء، والتزامات، ينكث بها العدو الإسرائيلي، وضمينه الأمريكي، الذي هو شريكٌ له في كلِّ جرائمه وعدوانه، وشريكٌ له في أهدافه، في أهدافه ومؤامراته.

من آخر ما سمعناه: تصريحات السفير الأمريكي لدى اليهود الصهاينة، وهو يقول بكل وضوح- وهو مسؤول أمريكي، يعبِّر عن سياسات بلده، عن توجهات إدارته- يقول: [أنَّ من الجيِّد إذا سيطرت إسرائيل على الشرق الأوسط، فلها حقٌّ توراتي فيه من النيل إلى الفرات]، هكذا بكل صراحة، وله تصريحات كثيرة جداً يؤكِّد فيها هذه المسألة: الموقف الأمريكي الداعم للعدو الإسرائيلي، في مسعاه للسيطرة على هذه المنطقة، وعلى شعوبها، وبلدانها، وثرواتها، فيما يعبِّرون عنه بـ [السيطرة على الشرق الأوسط]، وفيما يعبِّرون عنه بـ [إسرائيل الكبرى].

ولذلك يجب أن نعي جيداً أننا أُمَّة مستهدفة، وأننا أُمَّة تواجه هذا الطغيان الإسرائيلي الأمريكي اليهودي المخادع من جهة، والذي أيضاً اتجاهه الإجرامي مكشوفٌ وواضح، وكذلك عناوينه المعبِّرة عن أهدافه صريحة وواضحة.

فإذاً نحن بحاجة إلى سبيل الخلاص، وسبيل الخلاص واضح، الأمل الوحيد لهذه الأُمَّة وطريق النجاة لها، هو: باعتصامها بالله، {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[آل عمران:101].

المسارات الأخرى هي مسارات استهلاكية، واستنزافية، ومضيعةٌ للوقت، ومضيعةٌ للجهود، حينما تراهن عليها الأُمَّة، حينما تعلِّق عليها كل آمالها، هي سرابٌ {بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا}[النور:39]، والتجارب تثبت ذلك على مدى عقود من الزمن مضت، حتَّى لما يسمَّى بـ [السلطة الفلسطينية]، وما علَّقت عليه آمالها من اتِّفاقيات (أوسلو) وما بعدها، ما الذي يجري في الضِّفَّة الغربية؟ في كل يوم أفظع الانتهاكات، من: تهجير، وتدمير، ونهب، وقتل... ومختلف الجرائم، وسيطرة واغتصاب للأراضي بشكلٍ مستمر، وفي نفس الوقت توسيع دائرة الاستيطان على المغتصبات من تلك الأراضي، وفي تلك البقاع... وغير ذلك من الإجراءات العدوانية التي يمارسها العدو الإسرائيلي.

هذا عدوٌ ليس للأُمَّة من مناص إلَّا مواجهته، إلَّا السعي للتخلُّص منه، ولكن كيف؟ كما قلنا: على أساس الاعتصام بالله، والرجوع إلى هديه، إلى نوره المبارك، في نوره المبارك، في هديه العظيم في القرآن الكريم، يقدِّم الله لنا صورةً متكاملة عن أعدائنا، من هم؟ وكيف هم؟ وتشخيصاً دقيقاً حتَّى لنفسياتهم، لسلوكياتهم، لدوافعهم، لأهدافهم، وحتَّى عن سلوكياتهم الإجرامية. ونرى المصاديق لذلك، والشواهد الواضحة في أرض الواقع بشكلٍ يومي.

ولهذا نحن معنيون بالرجوع إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، الرجوع الصادق، والرجوع الواعي، والرجوع العملي؛ لنتحرَّك على أساس هديه المبارك، حتَّى القصص القرآني هو يقدِّمه لنا في سياق هدايته لنا، ويرسِّخ لدينا الحقائق الكبرى، في مقدِّمتها: أنَّ الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" رحيمٌ بعباده، لا يريد لهم أن يظلموا، بل إنَّه يقدِّم لهم في هدايته ما يقيهم ابتداءً من الظلم، من أن يظلموا، هو القائل: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ}[آل عمران:108]، {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ}[غافر:31]، بشكلٍ عام، فما بالك بأوليائه! ما بالك بمن ينتمون إلى دينه! للعالمين بشكلٍ عام لا يريد لهم أن يظلموا، ثم حتَّى في حالة أن أصبحوا في وضعية الاستضعاف والقهر، أُمَّة مظلومة، مقهورة، مسحوقة، يقدِّم لهم أيضاً سبيل الخلاص من الوضعية التي هم فيها، والحالة التي هم عليها.

والله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" هو العزيز، الحكيم، القوي، الجبار، من عِزَّته أنَّه لا يترك المجال للطغاة دون أن يقدِّم للمستضعفين سبيل الخلاص والإنقاذ من طغيان الطغاة، واستكبار المستكبرين، الظلم والطغيان قد يصل حينما يتعاظم إلى مرحلةٍ معينة، ولكن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" هو الذي قال عن نفسه: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}[الفجر:14]، وقدَّم الأمثلة والشواهد: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}[الفجر:6-14]، فرعون بطغيانه، بجبروته، أهلكه الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وأنقذ المستضعفين منه، وكيف كان ذلك؟ في دروس مهمة جداً.

التدبير الإلهي لخلاص المستضعفين، كما شرحنا على ضوء الآيات المباركة في قصة نبي الله موسى، يأتي إلى واقع الناس، وعلى أيديهم، وفي إطار سنَّة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، في أن يهيِّئ لهم من يكون على يده الخلاص، من أوليائه الهداة، السائرين على هديه، ووفق تعليماته، وبطريقةٍ عملية، يعني: لم تكن الطريقة لإنقاذ المستضعفين من فرعون، أنَّه في ليلةٍ من الليالي نام أولئك المستضعفون، ثم استيقظوا صباحاً وقد هلك فرعون وجنوده ووزراؤه وأعوانه، وانتهت المشكلة! لم تكن المسألة على هذا النحو، بأنهم- مثلاً- دعوا على فرعون، وأعوانه، وجنوده بأن يهلكهم الله وينتهي الأشكال، ويأتي الخلاص والفرج، كانت المسألة مساراً عملياً، وتدبير يأتي إلى الواقع العملي، وهيأ الله من يكون على يده الخلاص؛ وبالتالي وفق تعليمات من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وهداية، ومسار عملي طويل.

ويأتي ذلك أيضاً في إطار المهام المقدَّسة والعظيمة في حمل رسالة الله تعالى، يعني: يتحرك المستضعفون وهم يحملون مشروعاً إلهياً مقدَّساً وعظيماً، لإقامة القسط والعدل، ولإقامة الحق؛ لأن الباطل والطغيان يستند إلى رؤية باطلة، وينتج عنها ممارسات إجرامية؛ ولذلك يقابلها في مقام الصراع: الحق الذي به صلاح الحياة، واستقامة حياة الناس، وفي مقابل ما يمارسه الطغاة من ظلمٍ وإجرام، يقابل ذلك: العدل، فهناك في مقام الصراع ما يسمَّى بـالمعتقدات، والأسس، والثقافات، والأفكار، التي يتحرك عليها كل طرف.

أتى الخلاص للمستضعفين، الذين استضعفهم فرعون بطغيانه، على يد نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، في إطار مهمته الرسالية المقدَّسة، التي كان من أبرز العناوين والمهام فيها: إنقاذهم، وإقامة الحُجَّة على فرعون وقومه، وتقديم الهدى إليهم، يعني: قدَّم الهدى، وعرض طريق الخلاص والصلاح والفلاح حتَّى على فرعون نفسه، ثم العمل على التَّحَرُّك بأولئك المستضعفين كمؤمنين بتلك الرسالة، وما عليهم في ذلك من التزامات عملية، ومسؤوليات مقدَّسة، ليست المسألة مجرَّد صراع ليس له عناوين، ليس له دور، لا يرتبط به قضية، أولئك المستضعفون قدِّمت لهم قضية مقدَّسة، قضية مهمة، قضية عظيمة، يتحرَّكون من خلالها، وفي نفس الوقت يكون بذلك خلاصهم، والفرج لهم، وتلك القضية هي رسالة يحملونها، ومسؤوليات مقدِّسة، وعرض القرآن كيف كان وضعهم، وحتَّى فيما بعد الخلاص، كيف كان مستوى الالتزام بتلك الرسالة، بعد أن أنقذهم الله من حالة الاستضعاف والاضطهاد والظلم، وكيف كانت مسيرتهم كأتباع لتلك الرسالة، وما حظوا به من رعايةٍ إلهية، ثم في حالات الانحراف، ما حلَّ بهم من العقوبات والنقمات، كل ذلك تحدثت عنه الآيات القرآنية في سورٍ متفرقة، مما فيه العبرة والدروس المهمة لأُمَّتنا الإسلامية؛ وبذلك عرض الله لنا- كأمةٍ مسلمة- تجربةً كاملةً طويلةً لأُمَّة في مختلف الوضعيات والمراحل.

وعودةً إلى قصة نبي الله موسى، كنا تحدثنا في آخر المحاضرة بالأمس، على ضوء الآية القرآنية المباركة: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}[القصص:7]، وكيف كان التدبير الإلهي الذي تجاوز كل الإجراءات الاحترازية التي كان قد قام بها فرعون وجنوده، نشاطهم الهادف إلى منع قدوم هذا المولود، وما يرتكبونه في سبيل ذلك من جرائم رهيبة جداً.

تأتي الرعاية الإلهية لأم موسى نفسها، وتأتيها من الله التعليمات، التي يكون من خلالها نجاة هذا المولود، وهذا الطفل، وهي كانت في أمسِّ الحاجة إلى هذه التعليمات من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وأتت هذه التعليمات عن طريق الوحي، حتَّى تتحرَّك فيها أمُّ وموسى بكل ثقة وبكل اطمئنان؛ لأن الخطوة المطلوبة منها عملياً، وهي أم تحمل مشاعر الأمومة، وحنان الأمومة، وعطف الأمومة، فيحتاج ما يراد منها من إلقائه في اليم، {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ}[القصص:7]، يحتاج إلى أن تنطلق لتنفيذ هذه المهمة بهذا الشكل تجاه طفلها ومولودها الرضيع، تحتاج إلى تعليمات واضحة، تثق بها، وتطمئن إليها، فأتى الوحي.

تحدثنا بالأمس عن الإشكال الذي لدى بعض المفسِّرين: [كيف يمكن الوحي إليها وهي ليست نبيَّة، ولم يكن هناك أنبياء من النساء؟]، وتحدثنا عن محيط الأنبياء، وفي إطار المهمة الرسالية نفسها، حدث فيه مثل ذلك، وذكرنا قصة الصديقة الطاهرة مريم "عَلَيْهَا السَّلَامُ"، كيف أوحى الله إليها وحياً صريحاً واضحاً، ونادتها الملائكة، وخاطبتها بنص القرآن الكريم: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ}[آل عمران:42]، كذلك البشارة لها بنبي الله عيسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، بابنها، وكذلك الآية في ذلك صريحة وواضحة: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}[آل عمران:45]، وفي (سورة مريم) تفاصيل كذلك دقيقة فيما يتعلَّق بهذا الموضوع.

فهي كانت بحاجة إلى تعليمات تثق بها، وتطمئن إليها؛ نظراً لصعوبة الخطوة التنفيذية التي تريد (أو يطلب منها) القيام بها، وهذا أيضاً يحتاج إلى إيمان، إلى إيمان، وهي كانت مؤمنة، وإلَّا فالإقدام على مثل هذه الخطوة: في أن تضع طفلها الرضيع الصغير في تابوتٍ خشبي، وتلقيه في اليم، تتقاذفه الأمواج، مع مخاطر الغرق، ومخاطر دواب البحر، ثم تكون المسألة أيضاً أن الأمواج ستتقاذفه وصولاً إلى الساحل، ليأخذه من؟ ليأخذه العدو، الذي يسعى لقتله، والقضاء عليه، هذه المسألة تحتاج إلى إيمان، الإيمان مهم جداً، الإيمان بوعد الله الحق مهم جداً في تجاوز المخاطر، وفي القيام بالخطوات العملية الحسَّاسة والصعبة في الظروف والمراحل الصعبة.

ولهذا كلما ترسَّخ الإيمان لدى الإنسان، في ثقته بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وإيمانه بوعده الحق؛ يمكن أن يقوم بمهام كبيرة، مهام عظيمة، وهي مهمة كبيرة نفَّذتها، ولاسيَّما من موقعها كأم، يصعب على الأم كثيراً الإقدام على مثل هذه الخطوة، مع ما تمتلكه من حنان وقلق على مولودها الرضيع، فهي نفَّذت هذه المهمة: مهمة أن تذهب بابنها بعد أن تتجاوز مرحلة معيَّنة من الإرضاع له، والاهتمام به.

ونجد هنا أيضاً الرعاية بهذا المولود، الرعاية بأمه، وكيف تأتيها التعليمات من الله، تأتيها البشارة، تأتيها الطمأنة، وتأتيها كذلك طريقة الخلاص والسَّلامة له، وفي نفس الوقت الرعاية بهذا المولود، وهو في تلك الحالة من الضعف: مولود رضيع، طفل صغير، لا يستطيع أن يفعل لنفسه شيئاً، نجد في هذا الدرس المهم والمفيد.

الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" يقول لها: {أَنْ أَرْضِعِيهِ}[القصص:7]؛ ليحظى بالرضاعة بالقدر الذي يوفر احتياجه الغذائي اللازم، وليتحمَّل أثناء المرحلة التي تُنَفَّذ فيها الخطة، لا تذهب به إلى البحر وهو في حالة جوعٍ وعطش، يحتاج إلى الرضاعة، بل تعتني به في مسألة إرضاعه حتَّى يرتوي؛ عند الخطر، والشعور عليه بالخطر، تذهب به لتنفيذ هذه المهمة، فهذه التعليمات من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" لكي يحظى هذا المولود بالغذاء، والحماية، ورعاية الأمومة.

ولهذا هناك ملاحظة على ما ينقله بعض المؤرخين في السيرة النبوية، فيما يتعلَّق برسول الله محمد "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم"، وأنه واجه أزمة في توفُّر الرضاعة، وعانى في سبيل ذلك معاناة كبيرة جداً، وبقيت هذه المعاناة لفترة طويلة، لربما هناك مبالغات في مثل هذا النقل، وإضافات غير صحيحة.

ثم يقول: {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ}[القصص:7]، وهي سعت لإخفائه مع العناية به وإرضاعه، لكن مع شدة الرقابة، والرصد الاستخباراتي الفرعوني، تحس بالخطر، خطر انكشاف أمره؛ وبالتالي تتَّجه لتنفيذ التعليمات، وكانت هذه الطريقة العجيبة جداً في تدبير الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" لنجاة ذلك المولود الرضيع من خطر العدو، باجتياز خطرين كبيرين، يعني: الذهاب إلى الخطر نفسه، لكن بطريقة فيها رعاية من الله، رعاية عجيبة جداً؛ ولهذا عندما قال الله هو يكلم موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" فيما بعد بعثته: {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ}[طه:38-39]، تابوت خشبي صغير، أعدَّته له، ووضعته فيه، {فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}[طه:39]، فهكذا كانت الطريقة العجيبة جداً في نجاته من خطر العدو، عبر اجتياز هذا الخطر: خطر البحر، والغرق، وهوام ودواب البحر، وكذلك الوصول إلى العدو في نفس الوقت، ثم السلامة مع كل ذلك، فهذه التعليمات أتت معها طمأنة من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وبشارةٌ عظيمةٌ وكبيرة ومهمة، فالله قال لها: {وَلَا تَخَافِي}[القصص:7]، لا تخافي عليه من الغرق، ولا تخافي عليه من دواب البحر، ولا تخافي عليه من العدو، الذي سيصل به البحر إليه، ستتقاذفه الأمواج لتصل به إلى الساحل، ليأخذه ذلك العدو، ولكن كوني مطمئنةً عليه، {وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ}[القصص:7]، وهذه بشارة عظيمة لها، {وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}[القصص:7]، وهذه بشارة كبيرة وعظيمة.

والمفسِّرون يقولون عن هذه الآية القرآنية أنها احتوت على: أمرين، ونهيين، وخبرين، وبشارتين، مع إيجازٍ ووضوحٍ وبيان، فهي كذلك من الآيات القرآنية المباركة، التي تضمَّنت تلخيصاً لأشياء كثيرة جداً، مع إيجاز وبيان واضح، من بلاغة القرآن الكريم وإعجازه.

نجد هنا فيما يتعلَّق بالبحر، في بداية الصراع مع فرعون ما بين موسى وفرعون، وفي نهاية الصراع، للبحر حكايته، واقترنت المسألة بالبحر في نجاة موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" في البداية، وفي هلاك فرعون وجنوده في النهاية، وانتصار موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، هذا يذكِّرنا بقدرة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وبأنه "جَلَّ شَأنُهُ" في تدبيره الواسع، يهيئ لصالح عباده المستضعفين حينما يستجيبون له، المتغيرات العجيبة، وبيده "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" السيطرة التَّامَّة على كل ما في هذا الكون: على البحار، على الرياح، على الجبال... على كل شيءٍ في هذا الكون؛ إذاً فبه نثق، وعليه فلنتوكَّل، وإياه فلنرجو، وإليه نلتجأ، إيَّاه نستعين، والذي بيده ملكوت كل شيء، وهو المهيمن على كل هذا الكون بما فيه.

فنبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" كان يواجه خطر الغرق في البحر، وخطر فرعون، {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ}[طه:39]، ولكن رعاية الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" ضمنت له السلامة من كل تلك المخاطر.

اتَّجهت أم موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" لتؤدِّي دورها، ولتنفِّذ المهمة من موقع الأمومة والإيمان، تنفِّذ بنفسها تلك المهمة الصعبة، وهذا يدل على إيمانها وثقتها بالله، وأنها توكَّلت على الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ وإلَّا فالمشهد لأمٍ حنونٍ، مؤمنةٍ، صالحةٍ، راشدة، تذهب إلى طرف البحر بابنها الرضيع، والأم أكثر ما تكون إشفاقاً وحناناً وعطفاً على ابنها في مرحلة الرضاعة، ثم تلقيه في البحر في تابوتٍ صغير، تتقاذفه الأمواج، ولا تدري لولا وعد الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" كيف سيكون مصيره، لكن ثقتها بالله، بوعد الله الحق، واطمئنانها إلى ذلك، وإيمانها، والتوفيق الإلهي، والتهيئة الإلهية، هي التي نتج عنها أن تتمكَّن من تنفيذ هذه المهمة، وذهبت وبالتأكيد أنها اختارت الوقت المناسب لتنفيذ تلك المهمة، دون أن ينتبه إليها جنود فرعون، ولا جهازه الاستخباراتي، ولا غيرهم من الناس، الذين يمكن أن يشوا بها، ونفَّذت المهمة، وألقت تابوت ابنها في البحر، وشاهدت المشهد حتَّى غاب عن ناظرها في البحر.

ووصل موسى في تابوته إلى الساحل، وبمحاذاة قصر فرعون، واجتاز خطر الغرق في البحر، ووصل إلى الخطر الآخر: خطر القتل من جهة فرعون وآل فرعون.

نكتفي بهذا المقدار.

وَنَسْألُ اللَّهَ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.

وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛