الشهيد القائد: منارة هدى في عصر التحديات
يحيى الربيعي
تحل علينا الذكرى السنوية لاستشهاد القائد المؤسس، السيد حسين بدر الدين الحوثي، رضوان الله عليه، لتعيد التذكير برجلٍ استثنائي، وهب حياته لإحياء قيم الإسلام الأصيل، ومواجهة التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية. لقد كان الشهيد القائد منارة هدى في عصرٍ مضطرب، كشف فيه زيف المفاهيم المغلوطة عن الدين، ودعا إلى العودة الصادقة إلى القرآن الكريم، بوصفه المنهاج القويم لحياة العزة والكرامة.
تمر علينا اليوم ذكرى استشهاده، سلام الله عليه، تأتي هذه المناسبة التي تُجدد في نفوسنا قيم العدالة والكرامة، وتُعيد إلى الأذهان تضحيات ذلك القائد العظيم الذي أرسى دعائم المشروع القرآني. لتذكرنا بحقيقة أن ما مضى عليه الشهيد القائد، “رضوان الله عليه”، هو النور الذي لايزال يُضيء لنا الدروب المعتمة، حين نبأ ألهمنا بمحورية فلسطين، وخطورة التفريط فيها على حاضر ومستقبل الأمة، مشددا على حقيقة أن الدفاع عن القضايا العادلة هو في جوهره دفاع عن النفس، ليؤكد أن انحدار المسلمين تحت وطأة الضلالة، يجر الأمة إلى مستنقعات الارتماء بين أحضان من كتب الله عليهم الهوان والذلة، وبيّن أن هذا الانحدار جاء نتيجة لعقائد غير صحيحة وثقافات أدخلت عليهم من خارج الثقلين، مرشدا الأمة إلى طريق العودة إلى مصاف العزة التي أرادها الله لها “كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ”.
الشهد القائد، كان قائد وعلم هدى، وضع منهجًا شاملاً للأمة الإسلامية في مختلف المجالات. ورغم المعوقات الكبيرة التي واجهها، إلا أن خطواته أثمرت عن تحولات كبيرة في حياة يمن الإيمان والحكمة.
لقد أثبت شهيد القرآن أن للكلمة الحق قوة لا تُقهر، وأن ما يقوم به الأعداء لا يمكن أن يُفشِل من يُمضون حياتهم في خدمة الحق والتضحية من أجل الأمة.
الشهيـد القائد سعى لنشر الثقافة القرآنية ليُفنّد بها أدعياء العلم وقوى الشر. وصرخ “الموت لأمريكا” و”الموت لإسرائيل” ليمثل صدىً للكلمة التي تنسف كل مخططات الاستكبار.
وفي تشخيص دقيق لأمراض الأمة، وضع الشهيد القائد يده على الجرح ، حين شخّص بدقة أسباب تدهور أوضاع المسلمين، ووقوعهم تحت وطأة الذلة والمسكنة. لقد أرجع ذلك إلى أسباب جوهرية، من بينها:
– العقائد الباطلة والثقافات المغلوطة: التي تسربت إلى الأمة من خارج الثقلين، أي القرآن الكريم وأهل البيت عليهم السلام.
– ضعف الثقة بالله: الناتج عن ضعف المعرفة الحقيقية بالله سبحانه وتعالى، والتي تنبع من التدبر في القرآن الكريم. ولذلك، قدم الشهيد القائد 15 محاضرة قيّمة عن معرفة الله، تُعتبر منارةً في هذا المجال.
لقد قدم الشهيد القائد القرآن الكريم بصورة حية، تُلامس واقع الناس، وتُجيب على تساؤلاتهم، وتُعالج مشاكلهم. لقد جعل القرآن حاضراً في كل جوانب الحياة، بوصفه منهاجاً شاملاً يُنظم حياة الفرد والمجتمع. لقد كان مصداقاً لقوله تعالى: “أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا”.
لقد أعاد الشهيد القائد إحياء وترسيخ ركائز المشروع القرآني على أرض الواقع، ودعا المسلمين إلى العودة الصادقة إلى القرآن، ونبذ التعصب المذهبي، والتوحد على كلمة الحق.
لقد قدم في محاضراته منطلقات هذا المشروع القرآني العظيم، الذي يمثل مساراً لحياة الكرامة والعزة، بكل تفاصيلها التي حددها القرآن الكريم.
لقد وضع الشهيد القائد للأمة العربية والإسلامية منهجاً شاملاً، لو سارت عليه لحققت العزة والكرامة والفوز في الدنيا والآخرة. لقد وضع منهجه في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي كل مجالات الحياة. وقد رأينا كيف أثمر هذا المنهج في الواقع اليمني، وكيف ارتقى اليمن من حالة الوقوع تحت الوصاية الخارجية إلى درجة التصنيع الحربي، من الرصاصة مرورا بصناعة الطائرات بدون طيار، والمدافع، والقذائف، والصواريخ والزواق البحرية، وصولا إلى الصواريخ فرط صوتية.
لقد كان الشهيد القائد علماً من أعلام الهدى؛ مدرسة ربانية للمتعلمين، وقدوة للمقتدين. لقد كان يهتم بأمر الأمة، ووقف وحيداً ليصرخ في وجه الظلم والطغيان الأمريكي في عام 2000م، وبدأت الحرب ضده، في وقتٍ لم يستنكر فيه أحد ما يجري ضده من قبل السلطة آنذاك بتعليمات أمريكية.
لقد كان الشهيد القائد، سلام الله عليه، شاهداً على عصر مضطرب، جسد فيه أسمى معاني التوكل على الله والثقة به، والالتجاء إليه في أصعب الظروف. ولعل موقفه الشهير حين حوصر جبل مران، حين قال له رفقائه: “إنهم قد حاصروا الجبل” فرد عليهم بقوة إيمان راسخة: “وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ “، خير دليل.
لقد كسر الشهيد القائد حاجز الصمت، وصرخ في وجه قوى الاستكبار العالمي، وترك بصماته على مرحلة دقيقة وحساسة في تاريخ الإسلام. لقد بنى مشروعاً قرآنياً عظيماً، هو “مشروع العودة الصادقة إلى الله”، وعلم الناس ما معنى الثقة بالله، وألقى عليهم حجة باقية إلى يوم القيامة، عنوانها “لا عذر للجميع أمام الله”.
لقد قدم الشهيد القائد للأمة القرآن بالشكل الذي قدمه النبي صلى الله عليه وآله عن ربه، وحمل الأمة على “سفينة النجاة” من غضب الله في الدنيا والآخرة، لترسو بهم على شاطئ العزة والكرامة، واستعادة القيمة الإنسانية، والوصول إلى مرسى الأمان، مرسى محمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
لقد تعمق الشهيد القائد في فهم القرآن الكريم، وكان من الراسخين في العلم به، ومن الربانيين بعظيم ارتباطه بربه. لم يأبه لتهديدات النظام آنذاك، ولم يخضع لجبروت المستكبرين، بل وقف وقفة الإمام علي عليه السلام بوجه بني أمية، حين أرادوا له الذل والخنوع، والصمت عن باطل معاوية. وحين قيل له: “علينا ضغوط من واشنطن”، أجاب: “ونحن علينا ضغوط من الله”.
في ذكرى استشهاده، نستلهم من الشهيد القائد دروس العزة والكرامة، والثبات على الحق، والعودة الصادقة إلى القرآن الكريم، لنُحيي به حياتنا، ونُحقق به عزتنا وكرامتنا في الدنيا والآخرة.
إن الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي، قدس الله روحه، باق فينا، يمثل أنموذجًا يُحتذى به في زمن ضاعت فيه البوصلة، ويجسد لنا كيف أن العودة إلى قيم القرآن تُعيد للأمة مجدها وعزتها. ترك لنا بصمةً لن تُمحى في تاريخ الإسلام، وشدد على أهمية العلم والثقة بالله في مواجهة الباطل. إن إحياء ذكراه هو واجب علينا جميعًا لتجديد العهد بالمضيّ في طريق الحق والالتزام بقيم القرآن، وقدسية البذل والعطاء في سبيل المصالح العليا للأمة.