موقع أنصار الله . تقرير وديع العبسي
لن يستغرب أحد، كما لن يتحرك أحد تجاه فعل التجاوز الجديد الذي يرتكبه أعداء الإسلام بحق مقدسات المسلمين. المرشحة الأمريكية لعضوية الكونجرس فالنتينا جوميز تتجرأ على إحراق القرآن الكريم، متجردة من أي شعور بالمسؤولية تجاه ما يمكن أن يسفر عنه مثل هذا التصرف الطائش.
يتساءل البعض: أين هذا السلوك من شعارات التعايش والحرية التي تتبجح بها أمريكا وقادتها وباقي الأنفار من حثالة الغرب المعادين للإسلام والمسلمين؟ كثيرا ما ردد هؤلاء عنوان "حرية المعتقد"، وأقاموا الدنيا ولم يُقعدوها بدعوى جريمة الازدراء والكراهية، وذهبوا بهذا المفهوم إلى اعتبار "الكفر والإيمان" من حقوق الإنسان تحت عنوان الحريات، ثم إذا بهؤلاء أنفسهم يلجأون إلى ممارسات فوقية تظهر سيطرة المرض النفسي على كثير منهم.
في سلوكهم كل تعابير "الانفصام"، واليوم تتصدر هذه المعتوهة الأمريكية "ترند" المنحرفين، بلجوئها إلى إحراق المصحف الشريف، كتاب ملياري مسلم، يقرؤونه كل يوم، ويستمدون منه التعاليم الناظمة لحياتهم السياسية والعسكرية والاجتماعية. فما الذي يجعل الأعداء يلجؤون لمثل هذه الأفعال القبيحة؟
إنه -بلا شك- العداء للإسلام، والكراهية للمسلمين، وهذه مسألة ثابتة، وإنكارها ليس إلا تواطؤاً، فمنذ ظهور الإسلام على يد سيد الإنسانية محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، والمؤامرات تحاك لإنهاء وجوده، قد تكون نجحت بتحويله -في كثير من الأمة الإسلامية- إلى مجرد طقوس لا تأثير لها على النفوس، إلا أنه -رغم كل ذلك الاستهداف الممتد- ظل ثابتا في نفوس من أدركوا قيمة ما يعنيه من عزة وكرامة وإباء للمنتمين إليه.
الكثير في هذا الزمن صار ينتمي للإسلام بالهوية، وليس بصدق الإيمان، والعمل بما يفترضه هذا الإيمان من ترجمة حقيقية لقواعده الداعية إلى نشر العدل والمحبة والرحمة والسلام بين الناس. وفي الحاضر زادت الحركة الصهيونية من الاشتغال على صرف الأمة الإسلامية عن دينها، لقناعتها بأن بقاء الإسلام في نفوس الناس، كما جاء به خير البرية محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، يعني استعادة روح الإقدام، لنشره على كل الأرض، وأخذ المكانة التي أرادها الله سبحانه له على كل الكرة الأرضية.
الحركة الصهيونية -وعملا على أساس المخاوف من انتشار الإسلام لكونه يمثل خطرا على مشاريعها الاستعمارية السالبة لإرادة الأمم والناهبة لثرواتها ومقدراتها- جندت الكثير من الشخصيات البارزة للعمل ضمن المخطط، فلم تكتفِ بما نجحت فيه بتدجين الأنظمة وكثير من الشعوب، وجعل التمسك بالدين من مظاهر الرجعية، وإنما زادت بتجنيد هذه الشخصيات، والظهور كل فترة بسلوك عدائي كظاهرة حرق أو تمزيق المصحف الشريف.
اليوم، لم يعد هدف هذا السلوك العدائي قياس حجم رد فعل المسلمين لمعرفة مستوى ما حققته عملية الاستهداف، وإنما ترويض النفوس على مثل هكذا فعل، وصولا إلى قتل قدسية كل ما يتعلق بالدين في نفوس المسلمين.
قيام الأمريكية فالنتينا جوميز بإحراق المصحف ليست هي المرة الأولى، ولا يبدو أنها ستكون الأخيرة في ظل ما صارت عليه الأمة التي اْثَّاقلت إلى الأرض، لكنها تبدو الأكثر كشفا لموت الحميّة والشعور بالغيرة على الدين في نفوس المسلمين، إذ يكاد يمر هذا الفعل دون أدنى تحرك، أو رفض لهذا الإسفاف الأمريكي بمقدسات ملياري مسلم.
وليس بالمبالغ فيه القول بأن أمريكا -المدفوعة من الحركة الصهيونية- تقود هذه الهجمة، وتوظف كل الإمكانيات من أجل فصل المسلمين عن الإسلام، بحيث يصير إسلامهم شكلياً، أو متلبسا لصيغة "حداثية" ترسم واشنطن تفاصيلها، حتى يصبح مفرغا من مضامينه الداعية إلى الثبات على الإيمان وإعلاء قيمة الإنسان. ونجاح أمريكا في هذا الأمر يعني إسقاط واحدة من أهم مثيرات الخوف والقلق لديها ولدى العدو الصهيوني، من أي تحرك ضد مشاريعهم وخططهم في المنطقة.
لم يحرك المسلمون ساكناً ضد إبادة الشعب الفلسطيني المسلم، ولم يحركوا ساكنا ضد عربدة الصهاينة داخل الأماكن المقدسة في فلسطين، كما لم يتبنوا موقفاً رادعا تجاه حديث قادة الاحتلال عما يسمى بـ"اسرائيل الكبرى"، وكلها مؤشرات لحالة التدجين الذي عمل عليه الصهاينة منذ عقود، ويبلغ ذروته اليوم بهذه السلبية في التعاطي من التجرؤ الأمريكي السافر في الإساءة إلى أقدس المقدسات "القرآن الكريم".
تدرك القوى الإمبريالية أن الإسلام وكتاب الله هو مصدر القوة للمسلمين، وهو الدين الحامل لخير البشرية، ولأن هذه القوى التي تتزعمها أمريكا و"إسرائيل" تنظران إلى الحياة من منظور المنفعة، وتغيب لديهما مظاهر الدين، إلا من خرافات متوارثة، فإنهما عمِلاْ منذ وقت مبكر على استهداف الدين الإسلامي بأشكال الإساءة السافرة، فأساؤوا إلى الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله بأشكال مختلفة، كما انتهكوا قدسية المصحف الشريف غير مرة.
منذ العام 2005، كانت هناك رعاية منظَّمة لعمليات إحراق أو تمزيق المصحف في عدة دول، تركزت في الغرب، ما يؤكد شذوذهم عن قيم وقواعد التعايش، وارتكابهم لأسوأ مظاهر الكراهية، بينما يتهمون المسلمين بذلك، وقد بدأتها رائدة الإجرام أمريكا، وتذكر المصادر أن قاعدة غوانتانامو الأمريكية سيئة الذكر شهدت وقوع عمليات تدنيس للمصحف الشريف، وذكرت ذلك اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
تلت أمريكا بريطانيا في 10 ابريل 2011 عندما قام السياسي "ساين أوينز" يصب الكيروسين على المصحف ويشعل فيه النار في حديقة منزله، وظهر ذلك في فيديو مصور. وبعده قام جندي بريطاني يدعى "أندرو رايان" في 18 من ذات الشهر بإضرام النار في المصحف الشريف في مركز مدينة "كارلايل" بإنجلترا. لتعود أمريكا في 22 مارس 2011 لارتكاب جريمة الانتهاك، إذ أشرف القس الأمريكي "تيري جونز" على حرق نسخة من المصحف في كنيسة صغيرة في فلوريدا، بعد "تحميل المصحف الكريم مسؤولية وقوع عدد كبير من الجرائم". وفي 28 أبريل 2012 قام القس الأمريكي نفسه "تيري جونز" بحرق نسخة من المصحف، وبث المشهد عبر الإنترنت. وفي 27 ديسمبر 2014 قام شاب بريطاني بتمزيق نسخة مترجمة للإنجليزية من القرآن الكريم، ووضعها في "التواليت" ومن ثم حرقها، بحسب موقع "بيزنس إنسايدر". العام 2015 شهد (حادثتين) في الدنمارك وفرنسا. وفي 2019 (ثلاث حوادث) في الدنمارك، المانيا، والنرويج. في عام 2023 (ثلاث حوادث) شهدتها السويد، النرويج. في العام 2023، حادثتان شهدتهما السويد.
هناك اتفاق كبير اليوم على أن ما يشجع الاستمرار والتمادي في تكرار هذا الجُرم، الثقة بأن ردود فعل المسلمين وتحديدا الأنظمة، لن تتجاوز -إن وُجدت- الكلماتِ الفارغةَ التي تشجب وتندد، وفي بعض الأحيان تتشنج في التذكير بـ"حقوق المعتقد الديني واحترام حقوق الإنسان" وعبارات جاهزة لا تردع ولا تؤثر بقدر ما تزيد من تكريس الشعور بالضعف والوهن لدى الأمة الاسلامية، فضلا عن تأطير هذه الأمة لدى الأعداء بأنها غثاء كغثاء السيل، خانعة وليس بمقدورها الدفاع عن دينها ومقدساتها، بينما العدو الصهيوني في الجوار منها لا يدافع فقط عن معتقده، وإنما أيضا يتطلع إلى فرض واقع خرافي للتلمود الذي يزعم أنه من تعاليم (التوراة)، والمتمثل بما تسمى "اسرائيل الكبرى".