موقع أنصار الله . تحليل | أنس القاضي
لم تكن معركة الاستقلال مع بريطانيا مواجهةً عسكرية فحسب، بل صراعاً سياسياً واسعاً حاولت فيه لندن – عبر المؤتمرات الدستورية، وقرارات الأمم المتحدة، والمبادرات الشكلية – أن تُعيد إنتاج وجودها في الجنوب بصيغة جديدة، وذلك من خلال إنشاء حكومات عميلة، وإعادة السلاطين المنفيين، وتمرير صيغ انتقالية تُبقي النفوذ الاستعماري في صورة اتحادات وصيغ ائتلافية مفخخة.
فعلى امتداد عامي 1966–1967 كثّفت بريطانيا مناوراتها: أعادت إحياء اللجنة الدستورية المرفوضة شعبياً، رتّبت لقاءات خارجية لرصّ صف القوى الموالية لها، عملت على تصنيع “تمثيل سياسي بديل”، وسعت إلى استصدار شرعية دولية للحكومة الاتحادية التي أنشأتها، بل حاولت استغلال الأمم المتحدة لتمرير مشاريع انتقالية لا تُفضي إلى استقلال حقيقي.
وفي موازاة ذلك، كانت الجبهة القومية تواجه خطةً أشمل تستهدف اقتطاع الأرض وتجزئة الجنوب، من تدويل جزيرة ميون إلى منح حضرموت والمهرة حق الانضمام لدول مجاورة، مروراً بمحاولات توريط الجيش في ترتيبات سياسية تضمن استمرار نفوذ الاستعمار. ومع تصاعد الثورة المسلحة وإسقاط المناطق وتساقط السلطنات واحدةً بعد أخرى، دخلت بريطانيا في سباق يائس بين تسريع مؤامراتها السياسية من جهة، وانهيار مشروعها الميداني من جهة أخرى، وصولاً إلى اللحظة التي بدا فيها واضحاً أن طريق الاستقلال سيمر أولاً عبر إحباط تلك المناورات والتسويات المزيفة قبل حسم المعركة في الميدان.
واجهت الثورة تحديات سياسية هي امتداد للمؤتمرات الدستورية ومحاولة الالتفاف على قرارات الأمم المتحدة، وفي جوهرها تسليم السلطة إلى حكومة عميلة والانتقال من الاستعمار القديم إلى الاستعمار الجديد.
في العام 1966م نقل المندوب البريطاني في الأمم المتحدة رسالة بتاريخ 25 فبراير إلى سكرتير عام الأمم المتحدة مذيَّلة باسم وتوقيع ما كان يسمى حينها "بوزير خارجية حكومة الاتحاد" تتضمن الترحيب بعودة اللجنة الدستورية البريطانية التي رفضتها القوى الوطنية في المرة السابقة، وفي نفس الشهر عين المندوب السامي البريطاني مجموعة من عملائه من مدينة عدن أعضاء في المجلس الاتحادي لشغل المقاعد المخصصة لمدينة عدن.
في شهر مارس من نفس العام 1966م أصدر البريطاني مراسيم داخلية تقضي برفع الحظر عن عودة بقية السياسيين والسلاطين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم منفيين في الخارج، وبعد ذلك أعلن المندوب السامي البريطاني المقترحات الدستورية التي اقترحتها بريطانيا، ترافق مع هذا الإعلان في شهر أبريل من عام 1966م أن قامت "رابطة الجنوب العربي" بتنظيم لقاء في مدينة أسمرا الإريتيرية، ضم عناصر من قيادتها ومجموعة من السلاطين وبعض السياسيين بما فيهم حسين سالم باوزير قيادي جبهة التحرير، تمخض هذا اللقاء عن إنشاء تجمع باسم "قيادة القوى الوطنية في الجنوب العربي".
وفي أبريل من عام 1966م بذلت محاولة أخرى لتنظيم القوى السياسية الموالية للاستعمار من خلال ترتيب اجتماع في بيروت بهدف الخروج بتكتل سياسي يحظى بدعم لاستلام السلطنة وفق المقترحات الدستورية التي أعدها البريطانيون، غير أن التطورات مع التصعيد للأعمال العسكرية والفدائية في مدينة عدن قد أدى إلى إفشال هذه المحاولة.
في إطار المناورات السياسية التي كانت تلعبها الحكومة البريطانية، أدلى وزير الدولة البريطاني للشئون الخارجية (مايكل إستيوارد) في شهر مايو من عام 1966م ببيان أمام مجلس العموم البريطاني أكد فيه موافقة حكومة بلاده على القبول بأي حل للمسألة الدستورية في ما أسموه "الجنوب العربي"، كما أماط اللثام عن جهود يبذلها بمساعدة "حكومة الاتحاد" على عقد مؤتمر يحضره ممثلو الشعب في الجنوب، وقد علقت لجنة الأمم المتحدة على محتوى هذا البيان أنها لم تجد فيه أي قبول واضح بقرارات الأمم المتحدة، ثم استمر المندوب البريطاني الدائم يستجدي الأمين العام للأمم المتحدة في تعيين مراقب لحضور مؤتمر تنوي "حكومة الاتحاد الفيدرالي" عقده في شهر أغسطس من عام 1966م لبحث ما يمكن عمله لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة، ولم تفلح.
عند حضور اللجنة الخاصة للأمم المتحدة إلى القاهرة في شهر يونيو من عام 1966م قدم مندوب الجبهة القومية إلى اللجنة مذكرة تشرح فيها الجبهة وجهة نظرها حول الأوضاع والتطورات الجارية على أرض الجنوب اليمني المحتل، وحددت مرامي الثورة المسلحة وأهدافها في جلاء الاستعمار جلاءً تاماً، وتصفية كل ما يرتبط بوجوده الاستعماري من كيانات سياسية، وأن قرارات الأمم المتحدة يجب أن تستوعب كافة المطالب المقدمة من القوى الوطنية التي تخوض النضال السياسي والعسكري في الداخل، ولا تقبل المساومة مع أية تسويات تجري على أساس الاحتفاظ بكيانات سياسية "ائتلافية" تضم السلاطين والمستوزرين والسياسيين العملاء.
كان موقف الجبهة القومية أن الشعب يرى أن كفاحه المسلح هو الأساس، وأن دور الأمم المتحدة وقراراتها هو دور مساعد، أما إذا تمكن الاستعمار من تضليل الأمم المتحدة فإن الشعب سيستمر في حمل السلاح، وعلى هذا ترفض الجبهة القومية الاتصال بالبعثة وترفض كل نتائجها، ودعت الشعب إلى الإضراب عند حضورها إلى عدن، ونجح الإضراب فعلاً.
في القاهرة في مارس 1967م تمت المقابلة بين وفد حزب الرابطة وبعثة الأمم المتحدة الذي اقترح فيها وفد الرابطة قيام مؤتمر يضم كل الأحزاب والقوى المعنية في الجنوب لإعداد دستور موقت وإقامة حكومة انتقالية تعد للانتخابات وقيام جمعية تأسيسية منتخبة، وأن يحدد المؤتمر فترة الانتقال قبل بدء الانتخابات، وتصبح الحكومة الانتقالية هي السلطة الوحيدة في الجنوب، وهذا التصور لحزب الرابطة يخدم التصور البريطاني ويتيح للحكام التقليديين المشاركة مع الآخرين والاحتفاظ لهم بمكان في الدولة الجديدة، إلا أن التصعيد العسكري والسياسي الذي انتهجته الجبهة القومية -وكذلك جبهة التحرير حتى لا تُسحب الحصيرة من تحت أقدامها- أدى إلى رفض الجبهة مقابلة البعثة الخاصة للأمم المتحدة.
بدأ الوزير البريطاني شاكلتون (ما هي صفته) زيارته إلى عدن لمؤامرة جديدة وذلك في 12 إبريل 1967م وأدلى بتصريح بعد وصوله بساعتين أنه في مهمة لبحث وسائل الاجتماع بجبهة التحرير في أي مكان يتم الاتفاق عليه لإيجاد حل لمشكلة جنوب اليمن المحتل، يقوم على أساس قرارات الأمم المتحدة.
يتضح من الوقائع الواردة في وثيقة المؤتمر الصحفي أن زيارة "شاكلتون" قد تمت قبل وصول المكّاوي (ما هي صفته) إلى تعز بأربعة أيام، وأن المكاوي قد حضر من القاهرة وهو يعرف مهمة الوزير البريطاني شاكلتون ومقاصد تحركاته في المنطقة، ولم تكن زيارة المكاوي إلى تعز محض مصادفة، بدليل أنه عقد المؤتمر الصحفي يوم 16 إبريل 1967م، وفي معرض رده على أحد الأسئلة قال إن هناك طرفين لا ثالث لهما هما بريطانيا بوصفها السلطة الحاكمة، وجبهة التحرير "الممثلة الشرعية الوحيدة للشعب في المنطقة"، وعلى ذلك فليس أمام بريطانيا إلا أن تعترف بجبهة التحرير، وتجري مفاوضات مباشرة معها وحدها لبحث وسائل تنفيذ قرارات الأمم المتحدة.
في 21 أبريل 1967م حاولت بريطانيا انتزاع اعتراف من بعثة الأمم المتحدة بوجود الحكومة الاتحادية المزيفة، إلا أن البعثة وجهت صفعة قوية بقطعها رحلتها، وكشفت حقيقة ما هدفت إليه بريطانيا من جراء قبولها مجيء البعثة إلى عدن.
انتقلت الثورة إلى استراتيجية جديدة أربكت تحركات الاستعمار، وتمثلت في إسقاط المناطق، ابتداء من منطقة الضالع التي تحررت من الاحتلال على أيدي الثوار في 22 يونيو من عام 1967م، ثم تلاها منطقة الشعيب التي تحررت في 25 يونيو من عام 1967م، وتوالت الانتصارات بتحرير منطقة المفلحي في 12 أغسطس، ثم منطقة لحج ومنطقة دثينة في 13 أغسطس، ومنطقة العواذل في 27 أغسطس، ثم تحرير منطقة زنجبار في 28 أغسطس، ثم منطقة يافع السفلى في 28 أغسطس، ويافع العليا في 2 سبتمبر، ثم تحرير مشيخة العقربي بتاريخ 2 سبتمبر 1967م، ومناطق أحور والمحفد، والعوالق السفلى في 9 سبتمبر، وحضرموت الساحل في 16 سبتمبر، تلاها منطقة بيحان في 18 سبتمبر، ثم حضرموت الداخل في 2 أكتوبر من ذات العام 1967م.
بعد أن كانت بريطانيا في الأمس تسعى إلى تسوية سياسية تحافظ في إطارها على القوى والأطراف السياسية التي تنسجم مع سياستها، لجأت -في ظل التطورات الجديدة- إلى دعوة جبهة التحرير للتفاوض معها من أجل قيام ائتلاف يسمح للجبهة القومية بالمشاركة معها إلى جانب جبهة التحرير والرابطة.
أعلن وزير الخارجية البريطاني يوم 19 يونيو 1967م الترتيبات الخاصة بالمنطقة وحدد ميعاد الاستقلال بيوم 9 يناير عام 1968م ووعد الوزير بدعم جيش حكومة الاتحاد وقواته الجوية والبحرية، كما وعد باستمرار وجود قوة عسكرية بحرية بالقرب من شواطئ الجنوب لحمايته..
أوقفت المحاكمات ضد المعتقلين السياسيين، بالإضافة إلى موافقة بريطانيا على رفع الحظر عن الجبهة القومية التي سبق أن تعاملت معها على أنها "منظمة إرهابية محظور الانتماء إليها أو التعامل معها" دون أن يشمل جبهة التحرير التي لم تكن محظورة.
كانت بريطانيا -وهي تضع مثل هذه المقترحات- تراهن على الانقسام بين الجبهتين، مع الاعتماد على جيش الاتحاد الذي ربما - من وجهة النظر البريطانية - سوف يمرر ترتيباتها السياسية في وضع النظام البديل الذي يحل محلها عند انسحابها من المنطقة كلها، وأن يكون قوة عسكرية ضاربة حتى تتمكن من التصدي بقوة للتحركات الشعبية والجبهات الوطنية، لذلك انصب اهتمام الحكومة البريطانية في السنتين الأخيرتين من الاحتلال على إعطاء اهتمام أكبر لبناء الجيش الاتحادي، وتطويره من حيث التدريب والتسليح. هذا التوجه البريطاني كان يعززه اليقين لدى الحكومة البريطانية وعملائها من الحكام المحليين في ولاء الجيش الاتحادي لها، ولم تتوقع السلطات البريطانية وطنية منتسبي الجيش الاتحادي، وإذا ما استثني أبناء السلاطين والأمراء الذين كانوا على قمة الجيش، فإن السلطات البريطانية قد أصابها الذهول أكثر عندما تفاجأت بالانتفاضات داخل الجيش تعبيراً عن موقف وطني، وأكبرها انتفاضة 20 يونيو 1967م .
كانت قيادة الجبهة القومية من ميادين المعركة في الداخل تتابع التحركات البريطانية السعودية التي أخذت تكرس ادعاء "التمثيل الشعبي" لغير الجبهة القومية في الجنوب اليمني، واتجهت بنشاطاتها نحو أروقة الجامعة العربية وكواليس الأمم المتحدة، وإلى جانب ذلك كانت الجبهة القومية تتابع المؤامرات الجيوسياسية الهادفة لاقتطاع الأرض.
المندوب السامي البريطاني في أحد ردوده على البعثة الدولية عبّر عن أن بلاده لا تملك سلطة إرغام الولايات الشرقية (القعيطي، والكثيري، والمهرة) على الانضمام إلى الجنوب العربي، لكونها لم تدخل في إطار "حكومة اتحاد الجنوب العربي"، كان التوجه البريطاني أن يعطي الخيار للإمارات الشرقية (حضرموت والمهرة) الانضمام إلى المملكة السعودية أو الإمارات الخليجية.
كان السيد (براون) وزير الخارجية البريطاني قد أعلن في مجلس العموم البريطاني يوم 19 يونيو 1967م عن تحديد يوم 19 يناير 1968م موعدا للاستقلال، وأن حكومته تفكر في تدويل جزيرة (ميون) التي تقع على مضيق باب المندب لما تمثله هذه الجزيرة من اهمية إستراتيجية على هذا الممر الدولي، ويناقض التصريح بتدويل جزيرة ميون ما اتخذته الأمم المتحدة من قرارات تعتبر جزيرة ميون جزءاً من أراضي الجنوب اليمني المحتل، وكان ذلك بضغط من الكيان الصهيوني الذي توسل بريطانيا قبل الاستقلال أن لا تنسحب من الجزير وتبقى فيها حتى تصل إليها قوات دولية، إلا أن الجبهة القومية أحبطت هذه المشاريع الغربية الصهيونية عبر انتفاضة شعبية في الجزيرة.
ثم أتت التصريحات البريطانية المعبرة عن نوايا الاستعمار بفصل بعض الجزر وتدويلها، وبدأت على إثر ذلك باتخاذ خطوات عملية عن طريق القيام باتصالات دبلوماسية مع مختلف الدول في الأمم المتحدة لتسليم الأمم المتحدة إدارة جزيرة (بريم) ميون، غير أن الشعب أحبط مؤامرة تدويل الجزيرة، بعد أن تحركت الجماهير في هذه الجزيرة لإفشال المخطط البريطاني، حين قامت بمظاهرات وأسقطت الحاكم المحلي والضابط البريطاني.
اشتد عود الثورة واستمر فضحها للمناورات البريطانية وإحباط مخططاتها من مؤتمرات لندن التي كان يهرع إليها السلاطين والوزراء والسياسيون المناهضون للكفاح المسلح، منها المحاولة الأخيرة للمندوب السامي السِّير (ترنبول) الذي أراد أن يورط بعثة الأمم المتحدة الثلاثية الخاصة بعدن مع وزراء "الاتحاد" بهدف تمييع وضرب القرارات الدولية التي لا تعترف بأي جهاز حكومي أنشأته السلطات الاستعمارية.
إزاء هذه التطورات وجد المندوب السامي البريطاني الجديد "تريغليان" أن إنقاذ الموقف يأتي عبر تظاهر وزراء حكومة الاتحاد المحروقة شعبياً بالاستقالة منها، من أجل إعادة تفعيلهم في أطر جديدة.
سعت بريطانيا إلى الترويج لفكرة "الجهاز الإداري" برئاسة حسين البيومي، وكان بداية هذا التحرك باجتماع عقد بمدينة الاتحاد في 5 يوليو 1967م حضره جميع وزراء الاتحاد عدا وزير الداخلية، وفي هذا الاجتماع قرر المجلس الاتحادي -من حيث المبدأ- أن ينشئ منصب رئيس الوزراء وأن يكلف حسين علي البيومي بتشكيل جهاز إداري مؤقت، يمثل الأحزاب السياسية ومؤتمر عدن للنقابات وقوات الجنوب العربي المسلحة وولايات الجنوب العربي.
هدف هذا التحرك إلى أن يطمئن الوزراء والسلاطين المذعورين من ناحية، وأن يتمكن من إظهار بوادر المساومة مع الحركة الوطنية وبعثة الأمم المتحدة من الناحية الأخرى، ليظهر أمامهم أنه أقدم على إلغاء حكومة الاتحاد وأوجد جهازاً يضم أوسع قطاعات الشعب كما نصت قرارات الأمم المتحدة.
أراد البريطاني أن يجرب حظه في محاولة أخيرة إلى أي مدى يمكن أن تنجح فكرة مشاركة الهيئات السياسية ومؤتمر عدن للنقابات في جهازه الإداري الجديد، فإذا نجح في اجتذاب بعض العناصر إلى عضوية هذا الجهاز يمكنه بعد ذلك أن يقفز إلى الخطوة التالية في الجمع بين هذه الهيئات والمؤتمر العمالي وبعض السلاطين، كما أن القرار كان واضحاً في صيغته حين أبرز دور الجيش ضمن هذه الهيئات السياسية كمحاولة من الحكومة البريطانية أن تزج به في المعترك السياسي لتحطيمه والإيقاع به وبين الطرف الثوري في الحركة الوطنية، وتحرك أعضاء الجبهة لإحباط هذا المشروع الاستعماري.
ظلت الحكومة البريطانية تراهن على دور الأمم المتحدة في إنقاذ سياستها الرامية إلى تسليم السلطة للعملاء، وذلك حين وصلت البعثة إلى عدن في 2 إبريل 1966م ومحاولتها الاتصال بالسكان المحليين والاستماع إلى آرائهم، وأثناء تواجد اللجنة في مدينة عدن لم تلق التعاون المطلوب من السلطات البريطانية.
قيد المندوب السامي البريطاني تحركات اللجنة إذ حصرها في الاتصال بحكومة الاتحاد والسلاطين، فرفضت اللجنة أن تستقبل أي شخص يمثل هذه الحكومة المزيفة.
في 21 يوليو 1967م أذاعت الجبهة القومية موقفها من المشاورات التي تدور في نيويورك بين بعثة الأمم المتحدة الخاصة وجبهة التحرير وممثل الحكومة البريطانية في الأمم المتحدة، إذ أشارت الجبهة القومية إلى أنها بعثت ببرقية إلى رئيس لجنة تصفية الاستعمار تضمنت:
- رفض الجبهة القومية للمحاولة الاستعمارية التي تمثلت بتكليف "حسين بيومي" بتشكيل حكومة ائتلاف الهدف منها تجاوز قرارات الأمم المتحدة وإبقاء مصالح الاستعمار والعملاء.
- الجبهة القومية سوف تواصل نضالها لتحطيم أي مشروع تتقدم به الحكومة البريطانية حتى تسلم بريطانيا بالتفاوض مع الأطراف التي تقود الكفاح المسلح في البلد.
- اعتذار الجبهة القومية عن إرسال وفد يمثلها إلى الأمم المتحدة بسبب الاحتجاز الذي طال مجموعة من قياديي الجبهة القومية في القاهرة.
- ادعاء السيد عبد القوي مكاوي اعتبار جبهة التحرير وطنية وبأنها الممثلة الوحيدة لشعب الجنوب اليمني هو ادعاء لا يمت بأية صلة إلى الواقع.
لقاء القوى العميلة
وقعت البعثة الأممية في المحذور، حين قبلت أن تلتقي في جنيف في النصف الثاني من شهر أغسطس 1967م بعدد من السلاطين و"الوزراء" الذين ادعوا أنهم يمثلون قطاعات من الشعب وهم ("الحزب الوطني الاتحادي"، وفود تمثل السلطنات في المحميات الغربية، "المجلس القبلي لولاية المهرة"، والسلطنتان في الإمارتين "القعيطي والكثيري"). وعبرت الجبهة القومية عن رفضها التعاطي مع البعثة الدولية في ظل ما تمارسه الحكومة البريطانية من تضليل لبعثة الأمم المتحدة ومحاولاتها تمييع مضامين النصوص الواضحة لقرارات الأمم المتحدة ومهمة اللجنة المكلفة بتنفيذها.
شهد النصف الثاني من عام 1967م صعود النضال المسلح، فأنهى آمال المندوب السامي وحكومته في الاعتماد على الأنظمة السلاطينية التي أخذت تنهار تحت ضربات الحركة الوطنية المسلحة، وأن ما كانت تعول عليه من جيش صنعته لحماية هذه الأنظمة قد نخرته القوى الوطنية حين بدأت تؤسس في أوساطه خلاياها التنظيمية منذ أن بدأت الثورة المسلحة أو ما قبلها، بل وفاجأ الجيشُ الحكومةَ البريطانية وعملاءها المحليين بموقفه الوطني المعاضد للثورة حين رفض أن يتولى السلطة لحماية العملاء والمصالح البريطانية، وقد برهن الجيش على موقفه الوطني في البيان الذي أصدره يوم 28 أغسطس 1967م.
بعد حسم الجبهة القومية المعركة في عدن وسقوط آخر رهانات بريطانيا على تفجير صراع داخلي بين الجبهة القومية وجبهة التحرير، ومع انكشاف محاولة لندن تمرير مشاريعها عبر الإيحاء بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة، اضطرت بريطانيا للإعلان عن استعدادها لتسليم السلطة لممثلي الشعب. وردّت الجبهة القومية برسالة واضحة إلى وزير الخارجية البريطاني جورج براون، تؤكد فيها أنها السلطة الشعبية المسيطرة على الجنوب اليمني المحتل، والممثل الشرعي الوحيد المخوّل بالتفاوض حول السيادة والاستقلال. ثم خاطبت الأمم المتحدة موضحة نجاح الثورة المسلحة في تصفية الوجود الاستعماري من عدن والمحميات، ومعلنة انتقال زمام المبادرة إلى إرادة الشعب.
عقب ذلك شكّلت الجبهة القومية وفدها التفاوضي برئاسة قحطان الشعبي وعضوية أبرز قادتها الثوريين، لكن الوفد فوجئ في جنيف بأن بريطانيا استحضرت وفداً سعودياً برئاسة كمال أدهم، في محاولة لربط مستقبل الجمهورية الوليدة بالمملكة كما رُبطت جمهورية الشمال سابقاً. رفض وفد الجبهة هذا الابتزاز الدبلوماسي وأي حوار قبل اعتراف صريح بالدولة المستقلة، رغم وجود سلاطين هاربين داخل السعودية وحشود مرتزقة على الحدود. قاد الوفدُ معركة تفاوضية شرسة، انسحب حين كان الانسحاب ضرورة، وعاد حين كانت العودة تكتيكاً، متمسكاً بكل مرتكزات الاستقلال دون تردد.
وقد برزت وثيقة الاستقلال كأحد أنقى إرث ثوري في تاريخ المنطقة؛ إذ رفضت الجبهة القومية الانضمام للكومنولث، أو توقيع أي اتفاق عسكري أو دفاعي مع بريطانيا، ورفضت التعويضات المشروطة بوجود بعثة عسكرية بريطانية واسعة الصلاحيات. كما أسقطت محاولات تدويل جزيرة ميون وباب المندب – التي كان يقف خلفها الجانب الصهيوني – وتمسكت بالسيادة على كل الجزر اليمنية، بما فيها ما أثارته بريطانيا من قضية جزر "كوريا موريا" التي سلّمتها لسلطنة مسقط رغم اعتراض الأمم المتحدة وبقائها في الوثائق اليمنية حتى ما بعد الوحدة. وألغت الجبهة القومية جميع الاتفاقيات التي وقعتها بريطانيا مع السلطنات، ورفضت أي صيغة تبقي نفوذاً استعمارياً أو وصاية من أي نوع.
ورغم تعنت بريطانيا في ملف كوريا موريا ورفضها دفع التعويضات دون شروط تنتقص من السيادة، نجحت ثورة 14 أكتوبر في انتزاع استقلال وطني ناجز في 30 نوفمبر 1967م، أدار ظهره كلياً لحقبة الاستعمار، وأعلن ميلاد دولة بِهوية يمنية وحدوية واضحة. وعندما وصل وفد الجبهة القومية إلى الأمم المتحدة لتسجيل الدولة الجديدة والوقوف على منصة العالم، وقف ممثلو الدول يحيّون مناضلي الجنوب، في لحظة تُجسِّد معنى الكفاح الوطني وبداية كتابة فصل جديد من التاريخ اليمني الحديث.