موقع أنصار الله . تقرير | هاشم أبوطالب
قصة الحاملة الأمريكية «هاري إس. ترومان» في البحر الأحمر خرجت من إطار كونها مجرّد فصل عابر في سجل العمليات البحرية الأمريكية في "الشرق الأوسط" لتصبح رمزاً للفشل الأمريكي، فالتقارير والتحقيقات الرسمية التي أصدرتها البحرية الأمريكية في الرابع من ديسمبر 2025 ونشرت في موقع أخبار المعهد البحري الأمريكي، والمتعلقة بأربع حوادث وقعت بين ديسمبر 2024 ومايو 2025 كشفت صورةً مغايرة تمامًا لما حاولت واشنطن روايته طوال عامين من الحرب المفتوحة ضد اليمن.
الحكاية لم تعد تتعلق بقوة عظمى تتقدم في البحر الأحمر لتعيد فرض الهيمنة كما تقول واشنطن، والضربات اليومية التي نفذتها الحاملة وجناحها الجوي لم تعد عملاً قتالياً مهيمناً، وإنما تحوّلت الصورة -من خلال التحقيقات نفسها- إلى سجلّ اضطرابات وضغط وانهيارات وتآكل منظومات وتصدّع بشري، لم تشهد البحرية الأمريكية مثيلًا لها منذ كارثتي «فيتزجيرالد» و«جون مكّين» سنة 2017.
وهكذا -وبقلم ضباط كبار في البحرية الأمريكية "الأدميرال كافون حكيم زاده"، الأدميرال تود ويلن، نائب الأدميرال جون غامبلتون، واللواء البحري شون بيلي- تحوّلت وثائق التحقيق إلى شهادة تظهر أن اليمن -بأسلحته الباليستية والمضادة للسفن ومسيّراته الهجومية- وضع واحدة من أكبر حاملات الطائرات الأمريكية على حافة الانهيار.
ما ورد في التحقيق الأمريكي كان كله عباراتٍ تدل على مدى الفشل الأمريكي: "أربع حوادث ثقيلة"، وعبارة واحدة تتكرر خلال تلك الفترة: خسرت البحرية الأمريكية ثلاث مقاتلات F/A-18 سوبر هورنت (واحدة بسبب النيران الصديقة، واثنتان بسبب فشل ميكانيكي وتنظيمي)، اصطدمت الحاملة بسفينة تجارية قرب بورسعيد، شهدت انهيارًا في منظومة إيقاف الطائرات على سطحها، وتلقت ضربات ضغط قتالي امتدت 52 يومًا متواصلة ضمن عملية سمتها البحرية «روخ رايدر"، وجاءت الجملة القاتلة المتكررة في كل تحقيق "كان يمكن منع هذا الحادث". لكن السؤال الأكبر هنا لماذا لم تُمنع هذه الحوادث؟ ولماذا تكرر الفشل في أربع وقائع مختلفة؟
الجواب يأتي في نهاية كل تحقيق، وفي ثنايا كل شهادة، ليؤكد أن الضغط العملياتي الخانق الناتج عن الحرب مع اليمن - وليس مجرد خطأ بشري - هو العامل الحاسم الذي فكك تماسك التشكيل البحري الأمريكي.
في التقرير أنه في 22 ديسمبر أسقط الطرّاد «غيتزبيرغ» طائرة الحاملة، ويعَد هذا الحادث الأكثر رمزية والأكثر دلالة على هشاشة الأداء الأمريكي في البحر الأحمر، ففي الساعات الأولى من 22 ديسمبر 2024 بعد يوم طويل من الضربات الجوية الأمريكية على اليمن كانت مجموعة الحاملة تواجه ما وصفه التقرير بـرد يمني مبكر أكثر من المتوقع: مسيّرات انتحارية وصواريخ مضادة للسفن، فرضت رفع طلعات الدفاع الجوي من 6 إلى 14 طلعة خلال 4 ساعات. هذه الأرقام هي دليل واضح على أن الجيش اليمني كان يفرض على البحرية الأمريكية حالة استنفار مستمر.
في هذه اللحظة المشبعة بالتهديدات، كان الطراد «يو إس إس غيتزبيرغ» يؤدي دور قائد الدفاع الجوي، لكن التحقيق يكشف أن الطراد لم يكن مدمجًا فعليًا مع مجموعة الحاملة: من أصل 45 يومًا سبقت الحادث، لم يعمل مع المجموعة سوى 7 أيام فقط. كذلك: التمرين التكاملـي المخطط لعشرة أيام اختُصر إلى يومين، وأنظمة تعريف الصديق/العدو (IFF) كانت معطلة أو مطفأة، والطاقم لم يعرف خطة الضربة ولا توقيت عودة الطائرات، ولكن، عند الساعة 1:40 فجراً أطلق الطراد صاروخين SM-2 على طائرتين أمريكيتين من طراز سوبر هورنت ظنًا منه أنهما صواريخ كروز معادية، فسقطت الطائرة الأولى بعد أن قفز طاقمها، ونجت الثانية بمناورة معجزة.
وكتب المحققون: كان يمكن منع هذا الحادث بالتخطيط الفعّال والتنفيذ في الوقت المناسب، إلا أن المتأمل يتأكد أن هذا القصور في حاملة الطائرات التي راهنت عليها واشنطن هو في حد ذاته فشل كبير يكشف عن عيوب جوهرية في البحرية الأمريكية، يعود الفضل في كشفها لزخم النيران اليمنية ودقتها، فالصواريخ والمسيّرات اليمنية وضعت التشكيل تحت ضغط يكشف نقاط ضعفه، خاصة وأن البحرية الأمريكية -بعد الحادث- أنفقت أكثر من 55 مليون دولار لتعديل برمجيات منظومة Aegis كي لا "تُكرر الخطأ"، وهذا اعتراف ضمني بثغرة تقنية.
أورد التقرير حادثة الفشل الثانية لحاملة الطائرات الأمريكية، ففي 12 فبراير حدث اصطدام لحاملة الطائرات "ترومان" في بورسعيد، التقرير يكشف أنه وبعد أقل من شهرين من حادثة إسقاط الطائرة الأمريكية بنيران صديقة، وفي 12 فبراير 2025 بالتحديد كانت "هاري ترومان" تعبر نحو قناة السويس بسرعة 19 عقدة، من دون بث AIS، وتحت إشراف غير مباشر من قائدها الذي غادر الجسر قبل ساعة من الاقتراب الحرج.
التحقيق وصف ما جرى بأنه سوء مهارة ملاحية، وتخلٍّ عن المسؤولية، ونقص في التدريب، وتواصل ضعيف على الجسر. لكن ذكر لاحقاً أن هذا كان بفعل التأثر وحالة الفزع عقب المعركة مع الجيش اليمني، فيؤكد التقرير أن الحاملة اصطدمت بالسفينة التجارية MV Besiktas-M، ولولا أمر اللحظة الأخيرة "دفة يمين حادة" لكان الاصطدام قد قتل 120 بحّارًا كانوا نائمين تحت منطقة الاصطدام المحتملة.
ورد في التقرير أنه في تلك الليلة غادر القائد الكابتن ديف سنودن الجسر قبل نحو ساعة من الاصطدام، تاركًا مهمة القيادة لضابط الدفة والملاح، خلافًاً للوائح البحرية التي تلزمه بالتحكم المباشر أثناء الاقتراب من ممر حرج كقناة السويس. يسجل التحقيق أن سنودن «تخلّى عن مسؤوليته عن الملاحة الآمنة»، وأن الملاح بدوره «تخلّى عن مسؤوليته»، بينما كانت السفينة تقترب من منطقة كثيفة الحركة. على الجسر، سادت حالة من التواصل الضعيف: سجلات سطح غير دقيقة، تردد في الإبلاغ عن المخاطر، وتقدير خاطئ لمسار الناقلة التجارية.
قبل دقيقتين من الاصطدام استُدعي القائد إلى الجسر، وبعد دقيقة أُمرت «دفة يسار حادة»، ثم أصدر سنودن أمرًا معاكسًا بـ«دفة يمين حادة» عندما أدرك أن الاصطدام أصبح حتميًا، ما قلّل زاوية الارتطام وأجّل لحظة الاصطدام، وحال –كما يقول التقرير– دون «أضرار أكثر خطورة وخسائر محتملة في الأرواح».
ورغم أن الأضرار اقتصرت على ثقب فوق خط الماء وشطب في السِندي الخلفي للمصعد الأيمن، بتكلفة إصلاح بلغت 685 ألف دولار، فإن التحقيق يقارن بين ما حدث وما جرى للمدمرتين «فيتزجيرالد» و«جون مكّين» عام 2017، ويكتب جملة ينبغي التوقف عندها: «كان الفرق بين الحياة والموت بضع أقدام أو بضع ثوانٍ». لو وقع الاصطدام على بعد مائة قدم إلى الأمام، لكان الأثر اخترق حجرة نوم تضم 120 بحارًا نائمين. ولو كان مصعد الطائرات الثالث في وضع منخفض، «لكانت هاري إس. ترومان قد عانت من تدهور كبير في عمليات سطح الطيران».
الأهم من الأضرار المادية أن التحقيق يعود ليشير إلى البيئة البشرية على متن الحاملة: رؤساء أقسام يتحدثون عن مناخ «فقط أَنجِز المهمة»، إرهاق ونقص نوم، وضغط لإنجاز المهام مهما كان الثمن. وعندما سُئل مسؤول رفيع في البحرية عن تشابه هذه النتائج مع ما جرى في 2017، لم ينكر: «لدينا 18 ألف فجوة في البحر»، في إقرار بأن النقص الحاد في الأفراد بات معطىً ملازمًا للعمليات، حتى لو أصرت القيادة على القول: إن السفن لا تُنشر إلا وهي «مكوَّنة ومدرَّبة ومجهّزة».
التقرير لم يكشف فقط الثغرات التقنية، وإنما أيضاً سوءَ الإدارة وقلة الجهوزية، فقد أورد نموذجاً ثالثاً للفشل الأمريكي في معركة البحر الأحمر، وتدور وقائع النموذج الثالث في 18 أبريل والمتمثل في أن الصاروخ اليمني أسقط طائرة من الحظيرة دون أن يلمسها، فلم يكن على اليمن أن يصيب الحاملة بصواريخه؛ فقد كانت المناورة الدفاعية وحدها كفيلة بإسقاط الطائرة.
يقول التقرير: إنه في 18 أبريل، أعلن الجسر اقتراب صاروخ بالستي يمني متوسط المدى، وأُعطيت الأوامر للحاملة بزيادة السرعة إلى 30 عقدة مع التفاف إلى الميمنة وتنفيذ مناورة مراوغة قياسية، لكنْ في الحظيرة رقم 3 كانت الطائرة المكلفة بالسحب قد أزيلت عنها العوّاقات وسلاسل التثبيت في التوقيت الخطأ تمامًا. مضيفاً أن ميلان الحاملة 15 درجة فجأة جعل المقاتلة والجرّافة تتدحرجان نحو الحافة، فسقطتا في البحر.
التحقيق الذي قاده الكابتن دوغلاس إيفاناك خلص إلى أن السبب الرئيس كان فشلًا في الالتزام بالإجراءات والعمليات المعمول بها، مع عطل محتمل في نظام الفرامل، وضعف في الاتصال بين الجسر وفرق الحظيرة، إلى درجة أن قسمي السيطرة على سطح الطيران والحظيرة لم يسمعا أو يصدّقا إعلان الجسر عن المناورة. نائب الأدميرال جون غامبلتون -في مصادقته النهائية- كتب بوضوح لافت أن خسارة الطائرة «كانت ستحدث حتى لو كانت الأرضية غير منزلقة والإطارات جديدة»، لأن المسألتين الجوهريتين هما: إزالة التثبيت في لحظة غير آمنة، وغياب التواصل الكافي قبل تنفيذ المناورة.
في المحصلة: صاروخ يمني يفرض على الحاملة أن تهرب، لكن الهروب نفسه يتحول إلى سبب مباشر لخسارة طائرة تقدر قيمتها بعشرات الملايين من الدولارات، لأن الإجراءات الأساسية للسلامة لم تُحترم، ولأن الضغط العملياتي جعل التنسيق بين الجسر والحظيرة هشًا.
النموذج الرابع من الفشل الأمريكي الذي استعرضه التقرير تضمن أن قطعة معدنية فقط كانت كفيلة بإغراق طائرة أمريكية، وحسب التقرير فالواقعة حدثت في 6 مايو: قطعة معدنية مفقودة أسقطت طائرة بقيمة 60 مليون دولار، حيث كانت «هاري ترومان» في يومها الثاني والخمسين من العمليات الجوية المتواصلة، وفي تلك الليلة أمسك خطاف طائرة F/A-18F بالسلك الرابع كما يجب، لكن النظام انهار بشكل كارثي فدخل غرفة مخمّد البكرة، قُذف رأس المخمّد ودار بعنف كـ«الشيطان التسماني»، كما وصف التقرير، والمشكلة كانت أن غسّالة معدنية صغيرة لم تُركّب في مكانها، فتحرك الدبوس تدريجيًا، وتكسر، ومعه انهار النظام بأكمله وسقطت الطائرة في البحر.
الشهود على سطح الطيران سمعوا «دويًا شديدًا»، ورأوا شررًا ولهبًا، بينما استمرت الطائرة في الاندفاع خارج الحافة وسقطت في البحر، قبل أن يقفز طاقمها إلى الماء وينجو. في الأسفل، داخل غرفة مخمّد البكرة رقم 4، سمع العاملون انفجارًا قويًا، ورأوا رأس المخمّد الهيدروليكي (crosshead) يندفع للخارج ويُقذف من مؤخرة الأسطوانة وهو يدور «مثل الشيطان التسماني» كما وصفه التقرير، قبل أن يرتطم بلوحة شحن مجمّع الضغط رقم 5. المشغّل الذي فتح قبل لحظات «قفص الأمان» خلافًاً للإجراءات أصيب بجرح طفيف في العنق واقتُلعت سماعة رأسه.
التحقيق الفني وجد أن السبب المباشر هو غياب غسّالة (washer) صغيرة كان يجب أن توضع بين الصامولة المسننة ودبوس الربط في نقطة حرجة من منظومة مخمّد البكرة. غياب هذه القطعة سمح للدبوس بأن يتحرك تدريجيًا خارج موضعه، ثم ينقصم مع الوقت قبل الحادث بأيام أو أسابيع، ما أدى في النهاية إلى فشل كامل في المنظومة، وانهيار القدرة على امتصاص طاقة الكابل عند التقاط الطائرة. الأسوأ أن هذا الخلل لم يُكتشف رغم وجود أعمال صيانة في 5 مايو، وفحص قبل التشغيل في يوم الحادث، مع أن ضوء الإنذار الخاص بالمخمّد كان يومض باللونين الأصفر والأخضر، في إشارة «جاهز/غير جاهز»، لكن المشغّل المسؤول عن إعلان “Foul Deck” حاول أن «يجرّب» بدل أن يوقف الهبوط كما تفرض الإجراءات.
من زاوية بشرية وتنظيمية، يذكر التقرير أن قسم معدات الإيقاف (V2) كان يضم 34 بحارًا فقط –بينهم عشرة في مهمة مؤقتة– بدل خمسين بحارًا في بداية الانتشار، وأن واحدًا فقط من ثلاثة مناصبِ ضمانِ جودةٍ كان مشغولاً، وأن مشرف ضمان الجودة لم يكن يراقب أو يراجع تدريب الفنيين كما ينبغي.
في مصادقته على التحقيق، كتب اللواء البحري شون بيلي جملة ثقيلة الدلالة: «كان من الممكن منع هذا الحادث بالكامل لو أن القائد وقسم الطيران على متن يو إس إس هاري إس ترومان امتثلوا ببساطة لمتطلبات برنامج صيانة معدات إطلاق واستعادة الطائرات (ALREMP)... الحقيقة القاسية هي أن عدة أشخاص على مختلف مستويات القيادة كانوا مشاركين في السماح لبرنامج صيانة ALRE بالتدهور إلى مستوى الفشل التام». النتيجة النهائية: طائرة بقيمة 60 مليون دولار في قاع البحر، وأكثر من 207 آلاف دولار كلفة إصلاحات لنظام الإيقاف والمحرك، إضافة إلى إصابات طفيفة في صفوف الطاقم.
بالمعنى العسكري والسياسي فقد تحولت التحقيقات الأمريكية إلى شهادة مكتوبة بانتصار اليمن، فعند جمع هذه المعطيات الأربع يظهر خطٌّ ناظم واضح لا يحتاج إلى كثير من التأويل:
أولاً: أن اليمن فرض معادلة جديدة في البحر الأحمر، وأن الصواريخ الباليستية اليمنية، والصواريخ المضادة للسفن، والمسيّرات، أجبرت الحاملة على مضاعفة طلعات الدفاع الجوي وتنفيذ مناورات طارئة وتغيير خطط الهجوم والعمل في بيئة عالية الوتيرة لمدة 52 يومًا، وبهذا لم تعد الحاملة "قوة لا تُمس"، بل قوة تطارَد ويُضغط عليها وتُنهَك.
ثانياً: من المدلولات الأخرى للفشل الأمريكي فإن الضغط اليمني كشف عيوباً بنيوية في البحرية الأمريكية، فالتقارير كشفت نقصَ 18 ألف بحّار، وتدهورَ برامج الصيانة، وأن الضغط العملياتي حرم الطواقم من النوم، وكشف أيضا انهيار التنسيق بين الجسر والحظيرة، وأن التدريب التكاملي اختُصر بفعل الضغط من 10 أيام إلى يومين، كذلك وجود أعطال في نظام التعارف IFF، وضعف التكامل بين الوحدات. أي أن كل حادث كان مرآة تَضخَّم خلالها الضغط اليمني، وأظهر هشاشة العمود الفقري للعمليات الأمريكية.
ثالثاً: الكلفة الأمريكية الحقيقية لم تقتصر على الصواريخ، وإنما شملت انكشاف تهالك المنظومة، فالخسائر الأمريكية لم تحسب فقط بثمن الطائرات أو الإصلاحات، بل في انهيار سمعة الحاملة وتعرية نقاط الضعف أمام الخصوم، وظهور الولايات المتحدة أنها قوة مرهَقة أكثر مما هي قوة متماسكة، واضطرار البحرية إلى تعديل برامج كاملة (Aegis, ALRE) واهتزاز الثقة الداخلية داخل المؤسسة البحرية. وبذلك، فإن اليمن بقدرات غير تقليدية حقق ما لم تستطع دول كبرى تحقيقه في تاريخ المواجهة مع حاملات الطائرات، وأجبرها على الاعتراف المكتوب بأنها تعثرت تحت ضغطه.
عندما يكتب الأمريكيون اعترافهم يكتب اليمن انتصاره، فلم يكن مطلوبًا من اليمن أن يُغرِق حاملة الطائرات الأمريكية "هاري ترومان"، ولم يكن بحاجة لإصابة برجها أو مدرجها، فقد فعل ما هو أعمق حين أجبر البحرية الأمريكية على كتابة وثيقة اعتراف بيده.
في هذه التحقيقات، يظهر أن حاملة طائرات خسرت مقاتلتين بسبب قطع معدنية وإجراءات متدهورة، وأن طرّاداً أسقط طائرة صديقة لأنه لم يتحمل ضغط الصواريخ اليمنية، والحاملة اصطدمت بسفينة تجارية في لحظة تشبه كارثة 2017. وهجومًا يمنيًا بالستيًا أدى إلى سقوط طائرة من الحظيرة دون إطلاق صاروخ مباشر عليها.
وبهذا الشكل، أصبحت التحقيقات شهادة إجبارية على أن اليمن لم يخض معركة إشغالية مع البحرية الأمريكية في البحر الأحمر؛ وإنما دخل المعركة لاعباً استراتيجيا قادراً على تغيير معادلة اشتباك عمرها عقود، فـ"هاري ترومان" دخلت إلى البحر الأحمر كرمز للهيمنة وخرجت منه مثقلة بوثائق رسمية تحكي خوفًاً، وإرهاقًاً، وارتباكًا، وانهيارًا في التواصل، وخسارة تلو خسارة، ليس بيد الخصم وحده، بل أيضاً بيدها هي.
وهكذا، دون أي دعاية، وبدون أن يرفع اليمن صوته، قالت التحقيقات الأمريكية ما يكفي: "اليمن انتصر في الميدان وفي الوثيقة، في الاشتباك وفي السردية، وفي السماء وعلى صفحات التحقيقات نفسها".