أنصار الله.  حوار: يحيى الربيعي

تستمد الرؤية الاقتصادية اليمنية الحديثة مشروعيتها وقوتها من الموجهات السيادية للسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، الذي أرسى في خطاباته قواعد معركة الاستقلال الشاملة، مؤكداً أن تحرير الرغيف والقرار الاقتصادي هو المتمم الحتمي لتحرير الأرض من دنس الطغيان العالمي؛ إذ تبرز توجيهاته السديدة كركيزة بنيوية لهذا التوجه حين شدد على أن المسار العملي في الإنتاج الداخلي والاهتمام بالزراعة والصناعة هو ضرورة دينية ووطنية، والسبيل الوحيد لكسر القيود التي يفرضها الأعداء لتركيع شعبنا العزيز، وهي المقولة التي تبلورت اليوم إلى نصوص قانونية وبرامج عمل ميدانية تستهدف اقتلاع جذور الارتهان للخارج.
وفي سياق الربط المصيري بين السيادة والبناء، لطالما حذر السيد القائد من أن الأمة التي تأكل مما لا تزرع وتلبس مما لا تصنع تظل رهينة لقرار أعدائها، مشيراً بوضوح إلى الدور التخريبي الممنهج الذي مارسته السياسات الصهيو-أمريكية لتحويل اليمن إلى مجرد سوق استهلاكية تابعة وفاقدة للإرادة.
 ومن هذا المنطلق، جاء صدور قانون الاستثمار رقم (3) لسنة 1446هـ - 2025م ليترجم هذه الرؤية إلى استراتيجية اشتباك تنموية، محولاً مشروع الشهيد الرئيس صالح الصماد "يد تحمي ويد تبني" من إطار نظري إلى واقع تشريعي صلب، يحصن المنتج الوطني ويمنح الاقتصاد المقاوم كافة الحوافز لانتزاع السيادة الاقتصادية من براثن الهيمنة.
هذا التلاحم الوثيق بين الخطاب الثوري والمنظومة التشريعية يكشف عن العمق الاستراتيجي لوزارة الاقتصاد والاستثمار، حيث لم يعد القانون نصوصاً إدارية باردة، بل جبهة اقتصادية متقدمة؛ فبناء النهضة في فكر القيادة لا يقوم على استجداء المعونات أو الارتهان للقروض الدولية المكبلة، بل على تفجير الطاقات والقدرات المحلية والابداع والاعتماد المطلق على الذات، وهو ما جعل من عام 2025م نقطة الانعطاف التاريخي نحو اقتصاد إنتاجي مستقل يرفض الوصاية ويؤسس لسيادة كاملة لا تقبل التجزئة.

قانون الاستثمار نقطة تحول جوهرية في مسار التحرر

يمثل تدشين قانون الاستثمار الجديد في قلب العاصمة صنعاء نقطة تحول جوهرية في المسار التاريخي للجمهورية اليمنية، حيث يأتي هذا التشريع كأحد أهم المخرجات الاستراتيجية لبرنامج التحفيز الاقتصادي الذي أقرته "حكومة التغيير والبناء". 
وتحت شعار "الاستثمار في اليمن.. رؤيةٌ جديدة"، انطلقت هذه الثورة التشريعية لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، منتقلةً بها من مربع البيروقراطية المعطِّلة إلى رحاب الشراكة الواعية والشفافية المطلقة، بما يخدم المصلحة الوطنية العليا.
وقد جاءت الصيغة النهائية للقانون بعد مخاض فكري وتشاوري عميق شمل 16 مرحلة من النقاش والتمحيص بمشاركة فاعلة من ممثلي القطاع الخاص، لتأتي نصوصه مستوعبةً لكافة التطلعات ومحصنةً بضمانات رئاسية وحكومية، كما أكد رئيس مجلس الوزراء الشهيد أحمد غالب الرهوي في إشادته بهذا المنجز الوطني.
وتتجلى الفلسفة الثورية لهذا القانون في تبني نهج "إدارة سلاسل القيمة"، وهي رؤية ديناميكية تهدف إلى ردم الفجوة بين المنتج المحلي والصناعات التحويلية، ما يضمن تجفيف منابع استنزاف العملة الصعبة التي أهدرت المليارات خلال عقود الوصاية الماضية.
 إن دعوة الحكومة للقطاع الخاص اليوم للعمل كشريك حقيقي، هي دعوة للتحصن بقوة القانون في وجه محاولات التغريب الاقتصادي، مع المضي قدماً في خطة زمنية مدروسة لخفض الارتهان للمستوردات وتصعيد وتيرة الإنتاج المحلي، وصولاً إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي والاقتحام الواثق لمضمار المنافسة الدولية عبر التصدير، وفرض الهوية اليمنية كقوة إنتاجية لا يمكن تجاوزها.

قانون الاستثمار.. يد تبني في مواجهة التدمير

في قلب المعركة التي يخوضها اليمن ضد قوى الاستكبار العالمي، تبرز "الجبهة الاقتصادية" كواحد من أعقد الميادين التي يسعى من خلالها العدو الأمريكي البريطاني، وأدواته في المنطقة (النظامين السعودي والإماراتي)، إلى تركيع الشعب اليمني عبر حرب التجويع والإغراق السلعي. وبينما يواجه المقاتل اليمني أحدث الترسانات العسكرية في الجبهات، يكشف الخبير الاقتصادي سليم الجعدبي عن أرقام مهولة تعكس حجم "الاحتلال الاستهلاكي" الذي تم فرضه على اليمن طوال عقود من التبعية.
تشير البيانات الصادمة إلى أن فاتورة الاستيراد اليمنية قفزت من 3 مليارات دولار قبل عقود التبعية، لتتجاوز اليوم حاجز الـ 12 مليار دولار سنويًا. هذا الرقم هو استنزاف مباشر للعملة الصعبة وضغط متعمد على استقرار الصرف، حيث يتم ضخ هذه المليارات لتغذية أسواق العدو.
ومن أكثر النماذج فجاجة، ما كشف عنه الجعدبي حول قطاع العصائر والمشروبات؛ حيث يستورد اليمن عصائر بقيمة 130 مليون دولار، يأتي ما قيمته أكثر من 50 إلى 70 مليون دولار منها من السعودية والإمارات. والمفارقة الدراماتيكية تكمن في أن اليمن يصدر أجود أنواع فاكهة المانجو بـ 2 إلى 2.5 دولار للكيلو، ليتم استيراد "مخلفات" وعصائر لا تتجاوز نسبة الفاكهة فيها 10% (والباقي ماء وسكر) بسعر يصل إلى 7 دولارات للتر الواحد حال تحويله لمركز. إنها عملية نهب ممنهجة للموارد، حيث يُباع "القشر" والماء لليمنيين بأسعار خيالية، بينما تُهدر ثرواتهم الزراعية في قنوات تصدير غير عادلة.
تحت شعار "يد تحمي ويد تبني" جاء قانون الاستثمار الجديد الذي دُشن في يناير كخطوة استراتيجية لكسر الأغلال الاقتصادية. وبحسب "الجعدبي"، فإن القانون يقدم حوافز "خيالية" لا توجد حتى في الدول المستقرة، فما بالك ببلد يواجه عدواناً عالميا، منها الإعفاءات الجمركية والضريبية التي تصل إلى 100%، ومنح أراضٍ مجانية للمشاريع الاستثمارية (علماً أن الأراضي كانت تمثل من 50 إلى 60% من تكلفة أي مشروع). بالإضافة إلى تسهيلات عبر "النافذة الواحدة" في الهيئة العامة للاستثمار لقطع الطريق على البيروقراطية والابتزاز.
هذه الامتيازات -علاوة على التحركات الرسمية، والتي كان آخرها اجتماع القائم بأعمال رئيس الوزراء العلامة محمد مفتاح مع القطاع التجاري- تضع التجار أمام "مرحلة تمحيص" وطنية؛ فإما الانحياز للشعب والتحول إلى "تجار مقاومين"، أو الاستمرار في التبعية للبيوت التجارية البريطانية والأمريكية التي تدار من الخارج.
يرى الجعدبي أن الحل يكمن في "التكامل الأفقي" بين التجار، بحيث تتحول المنافسة على الاستيراد إلى شراكة في التصنيع. فبدلاً من استيراد ملابس بقيمة 800 مليون دولار سنويًا (بعد أن كانت الفاتورة 89 مليون دولار فقط)، يمكن إعادة تدوير الملابس المحلية أو تفعيل مصانع الغزل والنسيج المعطلة التي كانت تصدر قديماً بـ 18 مليون دولار.
منوها إلى أن المعركة اليوم ليست مجرد توفير سلع، بل هي معركة "أمن غذائي ودوائي". فمن يملك غذاءه يملك قراره، وما يقدمه اليمن اليوم من امتيازات قانونية هو بمثابة "طوق نجاة" للرأسمال الوطني ليتحرر من هيمنة الدولار ومنتجات العدوان التي تغرق الأسواق بالكماليات (مثل التمريات التي تستنزف 13 مليون دولار) بينما يمكن إنتاجها في أبسط المعامل المنزلية.

آفاق "التصنيع والسيادة"

لا تزال أروقة الاقتصاد اليمني تخفي خلف ركام الحرب فرصاً استثمارية هائلة، يكشف تحليل لغة الأرقام التي ساقها الخبير الاقتصادي سليم الجعدبي عن كونها "مناجم ذهب" لم تُستغل بعد، ففي الوقت الذي تعمد فيه العدوان الأمريكي السعودي إغراق السوق بمنتجات "كمالية" لإحداث نزيف حاد في العملة الصعبة، تبرز قطاعات حيوية تمثل فرصاً ذهبية للمستثمرين الذين يبحثون عن أرباح مضمونة وقيمة وطنية في آن واحد.
ففي قطاع الملابس والمنسوجات، يوضح الجعدبي أن التتبع التاريخي لهذا القطاع يكشف عن فجوة مرعبة؛ فبعد أن كانت اليمن تصدّر منسوجات بقيمة 18 مليون دولار، تحول الحال إلى استيراد ملبوسات وأقمشة بقيمة مهولة تصل إلى 800 مليون دولار سنوياً، تُضخ معظمها نحو الأسواق الصينية والهندية. لافتاً إلى أن الفرصة هنا لا تتوقف عند التصنيع الجديد، بل تمتد إلى "إعادة التدوير"؛ حيث تشير التقديرات إلى وجود مخزون من الملابس المستخدمة داخل البيوت اليمنية يتجاوز 8 مليارات دولار تراكمت خلال السنوات العشر الأخيرة. هذه "الثروة الميتة" تمثل مادة خام لصناعات تحويلية ضخمة، على غرار التجربة التركية التي غزت العالم عبر إعادة تدوير المنسوجات، ما يجعل الاستثمار في مصانع التدوير والنسيج المحلي ضرورة اقتصادية قصوى لخفض فاتورة الاستيراد بنسبة 40% بكل سهولة.
أما عن قطاع "التعدين" -البديل الاستراتيجي لهيمنة النفط والدولار- يؤكد الجعدبي أنه -وبينما يرهن العالم قراره ببرميل النفط- يمتلك اليمن "ثروة صامتة" تتجاوز في قيمتها الاحتياطيات النفطية المعلنة (3 مليارات برميل). إن الاستثمار في معدن "الزيولايت" الذي يمتد على مساحات شاسعة تمتد من ذمار إلى تعز، ويمتلك استخدامات طبية وزراعية هائلة، تعادل قيمته ثروة النفط بأكملها.
علاوة على ذلك، فإن التحول نحو استخراج الذهب والفضة ثروات تاريخية كانت اليمن تصدرها للعالم، واليوم يسعى العدو لتعطيل استخراجها ليبقى اليمن رهينة لـ "مساعدات" البنك الدولي المشروطة منذ عام 1995 يمثل المدخل الحقيقي لكسر هيمنة الدولار الأمريكي؛ إذ إن العودة إلى "النقد الحقيقي" القائم على المعادن النفيسة سيوفر حماية ذاتية للاقتصاد اليمني من الهزات النقدية المفتعلة، وهي الفرصة التي تتطلب اليوم إنشاء معاهد متوسطة متخصصة لتأهيل الكوادر البشرية اليمنية التي تمثل 50% من فئات الشعب الجاهزة للعمل.
أما عن القطاع الصحي والدوائي، فيشير الجعدبي إلى أن قطاع الدواء يمثل جرحاً نازفاً في جسد الاقتصاد، حيث تكتظ الأسواق بالأدوية المستوردة من الهند ودول أخرى، بينما تقبع الشركة اليمنية لصناعة وتجارة الأدوية تحت وطأة الاستهداف الممنهج الذي كشفته اعترافات الجواسيس مؤخراً. لافتا إلى أن الاستثمار في تصنيع الدواء محلياً ليس مجرد مشروع تجاري، بل هو استرداد لسيادة وطنية مفقودة، خاصة وأن اليمن يمتلك القدرة على تصدير الدواء إلى القرن الأفريقي كما كان يفعل سابقاً. يضاف إلى ذلك فاتورة "العلاج في الخارج" التي تستنزف مبالغ طائلة نحو مصر والهند والأردن، ما يجعل إنشاء مدن طبية تخصصية في الداخل فرصة استثمارية ذات عوائد اجتماعية واقتصادية فائقة.
وفي ما يتعلق بالصناعات التحويلية الصغيرة، يؤكد الجعدبي أن الطريق نحو الاكتفاء الذاتي لا يمر -بالضرورة- عبر المصانع العملاقة، بل عبر "المعامل الصغيرة" التي لا تتطلب رؤوس أموال ضخمة، كقطاع المنظفات الذي يمكن تغطيته بالكامل عبر معامل إنتاج محلية ومنع استيراده نهائياً. وهناك إعادة تدوير البطاريات والإضاءة، وهي صناعات قائمة في دول مثل باكستان، حيث يتم تدوير بطاريات السيارات واللمبات المحترقة بدلاً من استيرادها بشكل دوري. أضف إلى ذلك الصناعات الغذائية (التعليب والتجفيف)،والتي من خلالها يمكننا مواجهة مواسم "الكساد" التي تضرب محاصيل كالطماطم والبطاطس، حيث يمكن تحويل الفائض إلى منتجات معلبة أو مجففة، بدلاً من بقاء اليمن رهينة لاستيراد "صلصة الطماطم" بـ 40 مليون دولار سنوياً، بينما لا تتجاوز تكلفة معمل تصنيعها 150 ألف دولار.
ويشدد الجعدبي على أن الكرة الآن في ملعب القطاع الخاص اليمني، فالمزايا التي منحها قانون الاستثمار الجديد، وتوجه الهيئة العامة للزكاة نحو مشاريع "التمكين الاقتصادي"، ترسم طريقاً واضحاً نحو "يمن مشرق ومكتفٍ ذاتياً".
لم يعد التاجر اليمني مجرد "وسيط" لجلب بضائع الخارج، بل هو اليوم "جندي" في جبهة البناء، مطالباً بتحويل "فاتورة الاستيراد" إلى "خطوط إنتاج" تمنح فرص العمل لآلاف الشباب بدلاً من دفعهم نحو الهجرة والاغتراب.

ما بين قانون 2010م وقانون 2025م؟

في قراءة نقدية للمسارات التشريعية، أوضح الصحفي والباحث في الشأن الاقتصادي رشيد الحداد أن قانون الاستثمار الجديد رقم (3) لسنة 2025 الصادر في صنعاء، يمثل تحولاً مهماً في فلسفة التشريعات الاقتصادية، وينقل الاستثمار إلى أداة حقيقية لدعم الإنتاج الوطني والتنمية الاقتصادية، خاصة وأنه يضع في أولوياته توطين الصناعات، والهدف المراد منه تشغيل المزيد من الأيادي العاملة، والاستخدام الأمثل للمواد الخام الوطنية، وتقليل فاتورة الاستيراد؛ الأمر الذي سيحقق المزيد من الاستقرار الاقتصادي.
وأكد الحداد أن القانون الجديد يختلف جوهرياً عن قانون الاستثمار السابق؛ حيث لم يعد يكتفي بجذب رؤوس الأموال، بل يربط الحوافز والإعفاءات بطبيعة المشروع ومدى إسهامه في توطين الصناعة، وتشغيل الأيدي العاملة اليمنية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
وأشار إلى أن من أبرز ما تضمنه القانون: توسيع الحوافز للمشاريع الصناعية والزراعية والإنتاجية، وتبسيط الإجراءات عبر اعتماد مبدأ النافذة الواحدة وتمديد مدة السجل التجاري إلى خمس سنوات، يضاف إلى ذلك دمج السجل التجاري مع السجل الصناعي بما يخفف الأعباء الإدارية، ووضع آليات رقابة واضحة تتيح سحب الامتيازات من المشاريع غير الجادة أو الوهمية.
ولفت الحداد إلى أن الفرق بين القانون الجديد والسابق يعكس رؤية اقتصادية قائمة على الاستثمارات المحلية، أولاً بحسبها تعد الركيزة الأساسية للاستثمار والنمو الاقتصادي، وجاءت بناءً على توجه حكومي مهم يهدف إلى رفع مستويات الإنتاج وتحسين الخدمات العامة وإشراك القطاع الخاص اليمني في التنمية. 
واستدرك الخبير الحداد "هنا لا نقلل من أهمية قانون الاستثمار السابق رقم 15 لسنة 2010، فالقانون كان حينذاك أحد أهم القوانين التي تقدم امتيازات وحوافز وإعفاءات للاستثمار الأجنبي، إلا أنه غيب الاهتمام بالمستثمر المحلي وهو الأساس في البناء والتنمية؛ مشدداً على أن المشكلة قد لا تكون في القوانين بقدر ما تكون في بيئة الاستثمار الحقيقية، التي من خلالها يمكن جذب الاستثمارات أكانت محلية أو أجنبية. 
ونوه الحداد إلى أن اليمن بالإضافة إلى كونها، بكل تأكيد بلد بكر بالاستثمارات، وغنية بالعروض الاستثمارية وفي مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية، فهي مغرية لأي مستثمر محلي أو أجنبي. وأكد أن ما قدمه قانون الاستثمار الجديد من امتيازات وحوافز وإعفاءات للمستثمرين كان أيضاً مغرياً للمستثمرين، داعياً أصحاب رؤوس الأموال التوجه نحو الاستثمارات في مختلف المجالات وفق دراسات جدوى، وكذلك دراسات لمعرفة مدى احتياج الأسواق المحلية للسلع والمنتجات والخدمات التي يمكن تقديمها من قبل المستثمرين.

نحو نهضة تنموية شاملة

في التفاتة ختامية تلخص ملامح التحول الجذري وتستشرف آفاق المستقبل، يضع الخبير الاقتصادي سليم الجعدبي خارطة طريق لفك الارتباط بتبعية التمويل الدولي، مشدداً على أن تفعيل العملية الاستثمارية يمر حتماً عبر بوابة "شركات المساهمة" التي دعت إليها القيادة الثورية والسياسية كركيزة للانتقال نحو "الاقتصاد الشعبي المقاوم". 
هذا النموذج المقترح يسعى لتكريس السيادة الوطنية من خلال إنشاء صندوق استثماري سيادي يمنح أبناء الشعب اليمني كافةً حقَّ المشاركة والملكية، في خطوة تهدف إلى تجفيف منابع الاعتماد على القروض التمويلية الربوية التي كبلت المصانع والشركات المحلية، وهو ما يؤكد معه الجعدبي ضرورة التخلص الكامل من "الحرب مع الله" واستعادة البركة في الاقتصاد الوطني.
وتتجاوز هذه الرؤية الهيكلة المالية لتصل إلى عمق العملية التعليمية، حيث يبرز الجعدبي حتمية مواءمة المناهج مع النهضة الاستثمارية الشاملة عبر تفعيل المعاهد المهنية القادرة على رفد القطاعات الإنتاجية بالخبرات الوطنية المؤهلة، بالتوازي مع إعادة الروح لمؤسسات الدولة الاستراتيجية المعطلة. وفي هذا السياق، يبرز مصنع الغزل والنسيج ومنشآت المؤسسة الاقتصادية العسكرية كشواهد حية على حقبة التدمير الممنهج التي قادها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي؛ تلك الأدوات الاستعمارية التي استهدفت البنية الإنتاجية لليمن تحت لافتات "الإصلاح الاقتصادي الشامل" المرفوعة منذ عام 1995، والتي لم تكن في جوهرها سوى غطاء لتفكيك الدولة اليمنية وتجريدها من عناصر قوتها الاقتصادية المستقلة.
كما يرى الجعدبي أن ملامح هذه المرحلة تتجسد في ترسيخ "الثقة السيادية المتبادلة" عبر علاقة شفافة ومؤتمتة بالكامل مع الهيئة العامة للاستثمار، ما يفتح الباب واسعاً أمام عودة رؤوس الأموال المهاجرة والوطنية للمساهمة في معركة البناء المقدسة. ويتكامل ذلك مع تحقيق "العدالة التنافسية" التي تفرضها إجراءات مكافحة التهريب الصارمة وتقنين الاستيراد الممنهج الذي يضع حداً لنزيف الـ 12 مليار دولار سنوياً، وهي الخطوات الكفيلة بفرض سوق عادلة تسمح للمنتج اليمني بالتفوق، واستعادة المكانة التاريخية للسلع الوطنية التي حاول العدو تغييبها وطمس هويتها خلف منتجات "الماء والسكر" الملحقة بالعدوان.
وفي مواجهة التحديات الجيوسياسية والعالمية، يشدد الجعدبي على أن القانون منح ركيزتي "الاستدامة والابتكار" أهمية قصوى، من خلال تشجيع التحول الجذري نحو الطاقة المتجددة ودعم المشاريع الرقمية والابتكارية، معتبراً أن نجاح هذا المسار يقع ضمن دائرة "المسؤولية الجماعية" التي تتطلب تلاحم الجبهة الداخلية من حكومة وقطاع خاص ومجتمع. هذا التلاحم هو الكفيل برفع مستوى الوعي بأولوية المنتج الوطني، خاصة وأن حزمة الإعفاءات والامتيازات الممنوحة، والمحصنة بحماية قانونية وقضائية صارمة، تجعل من عام 2025م عام الانطلاقة الكبرى للاستثمار في أرض الصمود.
ويختتم الجعدبي رؤيته التحليلية بالتأكيد على أن "حكومة التغيير والبناء" قد أرست الأسس المتينة لنظام اقتصادي مقاوم يخدم تطلعات الأجيال القادمة في العيش الكريم، واصفاً القانون الجديد بأنه "وثيقة استقلال اقتصادي" وصفحة جديدة في تاريخ اليمن، والمحفز الأقوى لفرض المنافسة على المستوى الإقليمي؛ كونه يجسد -عملياً وواقعياً- رؤية الشهيد الصماد "يد تحمي ويد تبني"، ليمضي اليمن نحو مستقبل مشرق ومزدهر، متحرراً من غطرسة الهيمنة الأجنبية وقيود التبعية الاستعمارية.