موقع أنصار الله . تقرير | وديع العبسي
يسير المجرم "ترامب" والمجرم "نتنياهو" ومن ورائهما اللوبي الصهيوني إلى تصفية القضية الفلسطينية بشكل ناعم، مستغلين بذلك حالة الخضوع التي أوصلوا إليها الأمة العربية والإسلامية.
الوقت بالنسبة لهم فرصة قد لا تُعوض لإنهاء القضية وتحويل ما تبقى من الشعب الفلسطيني إلى أقلية تخضع لنظام وسياسات إدارة الكيان. يكاد الأمل في نخوة الأمة يتلاشى، ويصير الواقع إلى تكريس مفهوم "الانحناء للريح"، وثقافة الانهزام، والحفاظ على هالة قدرات العدو في النفوس حتى لا يرتفع رأس ولا يتعالى صوت.
ما يحدث في فلسطين من نهش ناعم لمظاهر القضية يشير بوضوح إلى السير في اتجاه التصفية، فحُكم غزة صار مسؤولية ما تسمى بـ"لجنة السلام" التي يرأسها المجرم "ترامب" نفسه والذي له الحق منفرداً في استخدام "الفيتو" داخل المجلس، ما سيتيح له -مع باقي المجموعة الإمبريالية- إعادة تشكيل القطاع وفق الطموح التوسعي الذي يراد للكيان.
"ترامب" ما زال عند طموحه بتوسيع الرقعة الجغرافية للأراضي المحتلة لصالح العدو الإسرائيلي، وعند التزامه بتحويل غزة إلى قطعة بلا سيادة أو انتماء، ولذلك رفض حتى أن يكون للسلطة الفلسطينية أي دور في مستقبل القطاع، في تأكيد على المضي بهذه المساحة الجغرافية إلى سيطرة الكيان المحتل.
أما في الضفة فمنذ عدة أشهر رفع ما يسمى بـ"جيش" الاحتلال من دموية هجماته، بالقتل والأسر والهدم للبيوت والإحراق للمزارع والتضييق على حركة العمال، وفي هذا الوقت زاد من سياسة القضم لصالح بؤر استيطانية جديدة حتى باتت مدينة القدس مهددة بالابتلاع من قبل العدو.
وإذا كان في هذين المشهدين ما يؤكد على نوايا التصفية داخل الأراضي المحتلة ومع الشعب الخاضع للاحتلال، فإن هناك ما يتعلق بحق العودة، والتآمر على هذا الأمر ينهي ما بقي للقضية من ملامح إلا بقاءها في نفوس الفلسطينيين والأحرار حول العالم. فمنذ وقت مبكر بدأ الكيان بالتضييق على وكالة الغوث "أونروا" التابعة للأمم المتحدة، بلغ مستوى اتهامها بأنها تضم عناصر خطيرة عليه، ومؤخراً زادت حدة مطالبة الكيان بإنهاء عمل الوكالة نهائياً، أمريكا بدورها وتحت قيادة "ترامب" تماهت مع هذا الطلب إلى درجة أن جعلته مطلبها، فهو الطلب الذي يهدف إلى تصفية ما بقي من اعتراف باحتلال "إسرائيل" للأراضي الفلسطينية ومن إقرار بحق عودة المهجّرين من فلسطين عقب إعلان قيام هذا الكيان بتواطؤ دولي صارخ.
تطالب أمريكا و"إسرائيل" باستبدال منظمات أخرى لتقديم المساعدات بدلا عن وكالة "أونروا"، وهما يعيان قيمة الهدف من هذا المطلب، وهو توجه مدروس جرى حياكة تفاصيله في دهاليز الحركة الصهيونية في مسعى لإنهاء الوضع القائم والاستفادة من وجود حكومة متطرفة دموية بقيادة المجرم "نتنياهو". وموضوع الاستبدال ما يزال يلقى ردود أفعال متباينة، ما يتطلب ربما مزيداً من الوقت لفرضه كأمر واقع، وإجبار من لا يزال معارضاً لهذا التوجه على التعايش معه ونسيان هذه القضية.
يؤكد مدير مركز "بديل" للدراسات الفلسطينية "نضال العزة" أن ما يُطرح اليوم "ليس إصلاحاً إدارياً، بل محاولة لتمزيق الوكالة وتحويلها إلى مظلة شكلية بلا مضمون سياسي أو قانوني، تمهيداً لتجريد اللاجئين الفلسطينيين من الصفة الدولية لقضيتهم".
ومؤخراً لجأت عصابة الكيان المسلحة إلى اقتحام مقر الوكالة في حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة، بكل استخفاف بحصانتها ومكانتها الدولية وبالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، في سياق مشروع تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، مع عجزٍ متعمد عن محاسبة الاحتلال على هذه الممارسات، وتعطيل مستمر لأي إجراءات رادعة داخل مجلس الأمن، وانسلاخ الأمم المتحدة والدول المانحة والمنظمات الحقوقية الدولية عن تحمّل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، والتحرك العاجل لحماية مؤسساتها وموظفيها في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
سلوك همجي عبّر من خلاله الكيان الصهيوني عن استمرار العمل في إنهاء أي سند قانوني يعترف به العالم للشعب الفلسطيني على أرضه. وأكد مراقبون أن استهداف "أونروا" في القدس المحتلة والقيام بهدم مكاتب الوكالة ومنشآت متنقلة داخل المقر يندرج ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى شطب قضية اللاجئين، وإنهاء دور الوكالة كشاهدٍ دولي على جريمة التهجير القسري التي ارتُكبت بحق الشعب الفلسطيني عام 1948م.
يرى الخبير في شؤون القدس، زياد ابحيص بأن استبدال مشروع استيطاني بالمقر الأممي التاريخي يشكّل "إعلان حرب على الشاهد الحي"، لافتاً إلى أن الكيان يدرك أن الوكالة الأممية تمثل "الوعاء القانوني والسياسي لقضية اللاجئين"، وأن تصفية وجودها المادي في القدس خطوة مركزية لشطب حق العودة من الذاكرة والواقع الدولي.
تُجسّد وكالة "أونروا" الحقوق السياسية والتاريخية للفلسطينيين، وهي ليست مجرد وكالة إغاثية، ويعرف كل العالم ارتباطها الوثيق بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وهو إقرار موثّق بحقيقة احتلال الأرض من قبل الصهاينة.
كما توثّق المراجع بأن أونروا تمثل مظلة دولية تحفظ حقوق اللاجئين الفلسطينيين، بما في ذلك حق العودة المنصوص عليه في قرار الأمم المتحدة 194، وتمنع تحويلهم إلى مجرد أفراد تحت مظلة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR).
ويرى المختصون في الشأن "الإسرائيلي" بأن الهجمات المستمرة على أونروا إنما تهدف إلى إضعافها تمهيداً لإلغائها، وهذا يتزامن مع محاولات لإفراغ تفويضها من محتواه، وتكريس وضع اللاجئ كـ"عبء إنساني" بدلاً من كونه صاحب حق. ويؤكد هؤلاء بأن إضعاف الأونروا يسهل من فرض الاستيطان التدريجي، ويحوّل حقوق اللاجئين إلى مجرد إدارة أزمة إنسانية، بما يخدم أجندة تصفية القضية، بحسب ما يرى Ultra Palestine.
أُسّست أونروا في ديسمبر/كانون الأول 1949 بقرار من الأمم المتحدة رقم 302 لتوفير الإغاثة والعمل للاجئين الفلسطينيين الذين نزحوا جراء عدوان 1948. كما تُعد الوكالة حاملاً لرمزية حقوق اللاجئين الفلسطينيين الجماعية وفقاً لما نصّ عليه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 لعام 1948م.