موقع أنصار الله - فلسطين - 24 شعبان 1447هـ
بدأت عائلات فلسطينية تقطن في منطقة 'معسكر عرابة' جنوب مدينة جنين بالضفة المحتلة، عمليات إخلاء قسرية لمساكنها وممتلكاتها تحت وطأة تهديدات جيش العدو "الإسرائيلي".
وجمعت العائلات مقتنياتها وأدوات إنتاجها الزراعي على عجل، بعد انقضاء المهلة التي حددتها السلطات العسكرية للرحيل عن المنطقة التي سكنوها لسنوات طويلة.
وتعود جذور الصراع في هذه المنطقة إلى عام 2005، حين أخلت قوات العدو المعسكر الذي كان يسمى 'دوتان' ضمن خطة الانفصال أحادي الجانب، إلا أن العائلات الفلسطينية التي لجأت للمكان منذ عام 2013م باتت تواجه اليوم خطر التشريد مجدداً. ويضم الموقع مبانٍ إسمنتية قديمة تعود لفترة الحكم الأردني، استغلها المزارعون ومربو الماشية لتأمين حياتهم المعيشية.
وأفادت مصادر محلية بأن جيش العدو أجبر نحو 50 فرداً على الرحيل، مهدداً إياهم بالاعتقال المباشر ومصادرة قطعان مواشيهم في حال رفض الامتثال للأوامر. وتأتي هذه الخطوة بذريعة نية الجيش إعادة التمركز في الموقع وإقامة نقطة عسكرية دائمة، مما ينهي سنوات من الاستقرار النسبي لتلك العائلات.
ووصفت السيدة أم محمد، إحدى المهجرات من المعسكر، قرار الترحيل بأنه 'مصيبة' تضرب مستقبل أبنائها وتشتت شملهم في أماكن غير مهيأة للسكن. وأشارت إلى أن أبناءها اضطروا للانقطاع عن مقاعدهم الجامعية بسبب حالة النزوح والبحث المستمر عن مأوى بديل يفتقر لأدنى مقومات الحياة الأساسية.
من جانبه، أوضح جمال رشيد، الذي كان يشرف على نقل أثاثه بجرار زراعي أن قرار الإخلاء لم يكن منفصلاً عن سياسة التهجير الممنهجة في الأغوار ومناطق الخليل. وأكد أن العيش في الغرف الإسمنتية كان يوفر حماية لمواشيهم، لكن العدو يصر على ملاحقة الفلسطينيين في كل تجمع بدوي أو ريفي بالضفة الغربية.
ومع انتهاء المهلة العسكرية، تحركت مركبات تحمل عشرات الأفراد بعيداً عن أرض المعسكر، تاركة وراءها مكاناً كان يضج بالحياة والنشاط الزراعي. ويسود الصمت حالياً في أرجاء الموقع وسط ترقب لعودة الآليات العسكرية الصهيونية وأصوات الرصاص التي قد ترافق إعادة بناء الثكنة العسكرية.
وفي سياق متصل، أكد رئيس بلدية عرابة، أحمد العارضة أن البلدية لم تتلقَ أي بلاغات رسمية من الجهات المختصة حول طبيعة النشاط العسكري الجديد. وأوضح أن قوات العدو اقتحمت الموقع بشكل متكرر على مدار أسبوع كامل لإبلاغ السكان بضرورة المغادرة الفورية تحت طائلة الملاحقة القانونية والأمنية.
وحذر العارضة من أن عودة الجيش إلى المعسكر تعني عملياً السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي المحيطة بحجج أمنية واهية. كما ستؤدي هذه الخطوة إلى عزل بلدة عرابة وقرى جنوب جنين عن مركز المدينة، مما يفاقم من معاناة المواطنين في التنقل والوصول إلى الخدمات الأساسية.
ويرى خبراء في الشأن الصهيويني أن العودة إلى معسكر عرابة تندرج ضمن مسار تصاعدي لتعزيز الوجود الاستيطاني في شمال الضفة الغربية. وتأتي هذه التحركات تنفيذاً لقرارات سياسية تهدف إلى إعادة صياغة العلاقة مع الوجود الفلسطيني عبر تحويله إلى تجمعات معزولة وضعيفة.
وتهدف السياسة الصهيونية الحالية إلى إعادة تشكيل الهوية الفلسطينية في المناطق المصنفة 'ج'، بحيث يصبح وجود السكان طارئاً وغير مستقر. ويجري ذلك من خلال تكثيف الهيمنة على الأرض وإعادة بناء المعسكرات التي تم إخلاؤها سابقاً، لضمان عدم قيام أي كيان فلسطيني متصل جغرافياً.
وتشير التقارير إلى أن العدو يسعى لحسم جوهر الصراع عبر تحويله من قضية شعب محتل يطالب بحقوقه إلى صراع مع 'أقليات' ، هذا التوجه يدفع المواطنين الفلسطينيين نحو خيارات صعبة، إما الهجرة القسرية أو العيش تحت نظام تمييز عنصري يزداد توحشاً يوماً بعد يوم.
وبحسب بيانات رسمية صادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فقد شهد شهر يناير الماضي تصعيداً حاداً في أوامر وضع اليد على الأراضي الفلسطينية. حيث تم الاستيلاء على أكثر من 744 دونماً لأغراض عسكرية واستيطانية، شملت شق طرق أمنية وتوسعة معسكرات في محافظات نابلس وجنين ورام الله.
كما صادقت الجهات التخطيطية التابعة للإدارة المدنية لكيان العدو على مخططات لبناء مئات الوحدات الاستيطانية الجديدة على مساحات واسعة من الأراضي المصادرة. وتهدف هذه المخططات إلى ربط المستوطنات القائمة ببعضها البعض، مما يمزق النسيج الجغرافي للقرى والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية.
ويبقى معسكر عرابة نموذجاً حياً لسياسة 'الباب الدوار' التي ينتهجها العدو في التعامل مع الأراضي المخلاة، حيث يعود إليها بذرائع أمنية لتمهيد الطريق أمام عودة المستوطنين. ويواجه السكان المهجرون اليوم مستقبلاً مجهولاً في ظل غياب الحماية الدولية واستمرار التوسع الاستيطاني المتسارع.