قول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}[القصص:6]، تحدَّثنا عن سياسة يعتمدها الطغاة والمجرمون في حساباتهم تجاه المحاذير، في ما توقَّعونه من فئة معيَّنة من فئات المجتمع، وكيف يمارسون أبشع أنواع الظلم والإجرام، انطلاقاً من محاذيرهم تلك، فلديهم حساباتهم حتى تجاه المستقبل، الحسابات المستقبلية، منها ما يعتمدون فيه على:
- أخبار، أو آثار، أو رؤى.
- أو أقوال منجمين، كما في الماضي كانوا يعتمدون على أقوال المنجمين والكهَّان ونحوهم.
- أو مخاوف، من خلال استقراء سنن كونية معيَّنة من سنن الله.
- أو تقديرات استخباراتية، من خلال ما يحصلون عليه من معلومات، ومن خلال تقييمهم لها.
- أو مثلاً في عصرنا هذا ما تقدِّمه مراكز دراسات وأبحاث.
- أو من خلال توقعات... وما شابه ذلك.
وبالتالي يتَّخذون إجراءات احترازية، قائمة على الظلم، والطغيان، والإجرام، وتهدف بالوصول إلى المستضعفين إلى وضعيةٍ يستحيل فيها تحركهم للخلاص مما هم فيه من استضعاف، وظلم، واضطهاد، وإذلال، وقهر، وسيطرة تامة عليهم، وتستحيل فيها نهضتهم، فتلك التدابير التي يعتبرونها احترازية، تضمن سيطرتهم الدائمة، أو حتى تصل بالمستضعفين أولئك إلى الفناء، هي تدابير ظالمة، وهكذا كان الحال في سياسة فرعون وهامان، ومع فرعون وهامان جنودهما الذين كانوا يتحركون وفق أوامرهما.
لكن مع كل ما قد اتَّخذوه من تدابير احترازية ظالمة، وإجراءات قائمة على البطش والجبروت، إلى درجة الذبح لكل الأبناء الأطفال الذكور، بما في ذلك من وحشية رهيبة جداً، وإجرام فظيع... وغير ذلك مما كانوا يسومون به بني إسرائيل سوء العذاب، وهم يضطهدونهم بكل أشكال الاضطهاد، ويسخِّرونهم في الأعمال الشاقة، بطريقة فيها الكثير من التعسف، الذي يصل بالبعض منهم إلى حالة الوفاة، وكذلك في المهن المسترذلة... وغير ذلك، كل أشكال الاضطهاد التي كانت قائمةً آنذاك.
في مقابل ذلك يأتي التدبير من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، بالرغم من كل تلك الإجراءات الاحترازية، بما فيها الذبح للأطفال الذكور، أتى التدبير الإلهي العجيب، الذي أسقط كل تلك العوائق والحواجز التي قد صنعوها.
فنجد كيف أنَّ إرادة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" نافذة في صناعة المتغيرات في واقع البشر؛ لأن البشر، وهذه الأرض وما فيها، جزءٌ من مملكة الله الواسعة، الخاضعة لتدبيره، وهو الحي القيوم، لم يترك عباده هملاً، وهذا ما ينساه الطغاة والمستكبرون، يتصوَّرون حينما يصلون إلى مرحلة متقدِّمة من القوَّة العسكرية، والإمكانات الاقتصادية، والسيطرة على وضعٍ ما، أنَّه بات بإمكانهم أن يفعلوا كل ما يشاؤون ويريدون، وأن إرادتهم حتمية، وأنَّه لا يمكن الخلاص مما يخططون له، وأنَّ النجاح حليفهم في كل ما يشاؤون، أن النجاح حليفهم في كل ما يخططون له، وهكذا يحسب حتى الكثير من المستضعفين، الذين ييأسون عندما يجدون الوضعية صعبة جداً، وينظرون إلى ما يمتلكه الطغاة والمجرمون والجبابرة، من إمكانات هائلة، من سيطرة مستحكمة، من قدرات عسكرية، اقتصادية، استخباراتية وأمنية... وغير ذلك، فالبعض يصل- فعلاً- إلى حالة اليأس من إمكانية أن يتغير ذلك الوضع، وكأنه ليس هناك من يملك حق التدخل في تغيير هذا الواقع، ومن له الأمر والنهي، وهو ملك السماوات والأرض، رب العالمين، الذي لا يريد لعباده أن يُظلموا، هو القائل "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ}[غافر:31]، {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ}[آل عمران:108]، فهو يقدِّم في هدايته، ومع هدايته التدبير، تدبير من جانبه "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ما يدفع الظلم عن الناس ابتداءً، ثم فيما بعد ذلك قد لا يستجيبون ولا يتَّجهون لإطار تعليمات الله التي تقيهم ابتداءً من أن يصلوا إلى حالة الظلم والاضطهاد، فيما بعد وهم يعيشون حالة الاضطهاد، والظلم، والقهر، والوضعية الصعبة، يهيئ الله لهم الخلاص والفرج، إذا كان لديهم هم اتِّجاه إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
ولهذا نجد هنا في قصة بني إسرائيل الدرس الكبير، الذي هو مهم، والله أراد لنا أن نستوعب ذلك كدرس، نأخذ منه العبرة في واقعنا، في ظروفنا، نحن وغيرنا على مرِّ الأجيال، الدرس المهم من واقع بني إسرائيل في مرحلة الاستضعاف التي وصلوا فيها تحت الصفر، ثم المتغيرات والنقلة الكبيرة، إلى هذه الدرجة التي عبَّرت عنها الآيات القرآنية: {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}[القصص:6]، هم كانوا يحذرون أن يتغيَّر ذلك الواقع، وأن يتمكَّن أولئك المستضعفون من النهضة، من التحرك، من الغلبة، من التحرر، من الخروج من تلك الوضعية، التي هي وضعية إذلال، وقهر، واستعباد؛ إلى وضعية حُرِّيَّة، وكرامة، وعزَّة، وكما ذكرنا، أنَّ الطغاة والمستكبرين- وكما أفادته الآيات القرآنية، وتفيده الشواهد التاريخية والواقع- دائماً لديهم مخاوف، مهما كانت وضعية المستضعفين، لا يزالون في حالة خوف منها، ويتَّجهون إلى تدابير قائمة على ممارسة الظلم، والطغيان، والإجرام.
هذا الوعد الإلهي للمستضعفين- كما قلنا- هو وعد في إطار سنَّة من سنن الله المستمرة، الباقية، وليس حديثاً فقط عن هذا المستوى من الرعاية الإلهية، من رحمة الله بعباده، من التدخل لإنقاذهم في مرحلة تاريخية معيَّنة، ثم انتهى الأمر، بل هي سنَّة قائمة من سنن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ ولذلك من المهم لكلِّ المستضعفين في كلِّ عصر ومِصْر، أن تكون كل آمالهم متَّجهةً نحو الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وألَّا ييأسوا من رَوْح الله، مهما كانت سيطرة الطغاة، والمجرمين، والظالمين، والمستكبرين، مهما كانت إمكاناتهم، قدراتهم العسكرية وغيرها، أجهزتهم الاستخباراتية، الأمنية... وغير ذلك.
المحاضرة الرمضانية الرابعة للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي 04 رمضان 1447هـ 122 فبراير 2026م