موقع أنصار الله . تقرير | يحيى الشامي
قبل عقد وأكثر بقليل كان هذا التقرير ذنباً كافياً لإدخال صاحبه غياهب سجن السلطة، وهذه المفارقة لوحدها تجلي بلوغ اليمن مراحل متقدمة من سيادته على نفسه وتحرره من وصاية السفارة وهيمنة واشنطن على سبيل معركة استعادة السيادة ونيل الاستقلال. هذا للتذكير أما عن موضوع التقرير فقدْ:
دخل الصراع الإقليمي القائم مرحلة كسر العظم التي تتجاوز -في أبعادها- حدود غزة لتشمل شرايين الاقتصاد العالمي وممرات الملاحة الدولية. تبرز اليوم جغرافيا المنطقة، وبالتحديد مضيق هرمز وباب المندب، كأدوات ردع استراتيجية أعادت صياغة مفهوم الهيمنة العسكرية الأمريكية، وما يحدث الآن هو مواجهة بين منطقين؛ منطق الأساطيل التقليدية التي استقرت في الوعي العالمي منذ الحرب العالمية الثانية، ومنطق "الإرادة التكنولوجية" التي تتبناها قوى المقاومة في العالم الإسلامي.
يرتبط مضيق هرمز في الذاكرة السياسية بمملكة هرمز القديمة وتحديها للمطامع الاستعمارية المبكرة، لكنه اليوم تحول إلى "خزان طاقة" عالمي يتحكم في مصير الأسواق. يمر عبر هذا الممر الضيق نحو عشرين مليون برميل نفط يومياً، ما يمنح إيران وحلفاءها قدرة فائقة على شل النظام الرأسمالي العالمي دون الحاجة لخوض حرب كلاسيكية واسعة.
بينما القوة الأمريكية -التي تلوح بالحرب- تجد نفسها مكبلة بكلفة هذه الحرب؛ فأي اضطراب في هرمز يعني قفزات جنونية في أسعار الوقود، وانهيارات في البورصات العالمية، وهو ما دفع واشنطن تاريخياً لاعتماد سياسة التهويل الاستعراضي بدلاً من المواجهة المباشرة التي قد تؤدي إلى انتحار اقتصادي جماعي.
بعيداً عن جبهات القتال المباشرة، ثمة حرب أرقام طاحنة ألحقت بالكيان الصهيوني وحلفائه خسائر جسيمة، فالتقارير الملاحية ترصد شللاً شبه تام في ميناء "إيلات" الذي فقد أكثر من ثمانين بالمئة من دخله نتيجة العمليات اليمنية في البحر الأحمر ولم يتعافَ حتى اليوم رغم اتفاق وقف إطلاق النار، ناهيك عن التأثيرات الاستراتيجية على شركات الشحن والملاحة البحرية الصهيونية. كما ان الضغط العسكري دفع كبرى شركات الشحن لتغيير مساراتها نحو "رأس الرجاء الصالح"، ما أضاف ملايين الدولارات ككلفة وقود إضافية، وأطال زمن وصول السلع لأسبوعين إضافيين.
وامتد هذا النزيف ليشمل الكلفة العسكرية ذاتها؛ فالبحرية الأمريكية تضطر لاستخدام صواريخ اعتراضية تبلغ قيمة الواحد منها مليوني دولار لإسقاط مسيرات لا تتجاوز كلفة تصنيعها بضعة آلاف من الدولارات، في حرب استنزاف مالية جعلت من حماية ملاحة الكيان الإسرائيلي عبئاً ثقيلاً يرهق الخزينة الأمريكية ويزيد من تضخم أسعار السلع داخل كيان الاحتلال.
طوال ثمانين عاماً، كانت حاملة الطائرات هي الرمز المطلق للقوة الأمريكية منذ معركة "ميدواي"، لكن هذا الرمز يواجه اليوم تحدياً تكنولوجياً ألغى حصانته، وأسقط رمزيته النافذة، فامتلاك قوى المقاومة لصواريخ "فرط صوتية" تتجاوز سرعتها خمسة أضعاف سرعة الصوت، وقادرة على المناورة للإفلات من الرادارات، جعل من هذه المدن العائمة أهدافاً محتملة وسهلة، فضلا عن بقية الأسلحة المطورة عالية الكفاءة ومنخفضة الكلفة.
تضطر الأساطيل الأمريكية الآن للابتعاد مسافة ألف كيلومتر عن السواحل لتأمين نفسها، وهذا الابتعاد يقلل من الفعالية القتالية للطائرات المحمولة بنسبة كبيرة، ما حوّل الحاملة من أداة هجوم سيادية إلى رهينة دفاعية تخشى واشنطن خسارتها لما يمثله ذلك من انكسار استراتيجي وتاريخي للهيبة الإمبراطورية.
في محاولة للالتفاف على هذا الواقع، طرحت واشنطن وكيان العدو مشاريع ممرات اقتصادية بديلة تربط الهند بأوروبا عبر حيفا، بهدف تهميش الجغرافيا الإسلامية المقاومة، إلا أن أحداث "طوفان الأقصى" والموقف اليمني الصلب أثبتا أن أي مشروع يتجاوز حقوق شعوب المنطقة يظل مشروعاً عاجزاً عن التحقق. لقد فرض اليمن معادلة سيادية جديدة مفادها أن البحر الأحمر لن يكون آمناً لمن يمارس الإبادة في غزة، وهي معادلة أجبرت واشنطن على الانكفاء العسكري وقبول نتائج المفاوضات التي أثبتت سيادة صنعاء على مياهها الإقليمية.
تؤكد محطات الصراع الحالية أننا نعيش نهاية حقبة "الشرطي الأمريكي" في البحار. العالم يتجه نحو نظام إقليمي تقرره الشعوب التي تمتلك الإرادة والتقنية "النقطوية"، وليس القوى التي تمتلك الأساطيل الضخمة العاجزة عن حماية نفسها. كما إن التاريخ يُكتب الآن في المضايق الملتهبة، حيث أثبتت الجغرافيا أنها لا تخون أصحابها، وأن القوة المادية مهما بلغت، تظل قاصرة أمام وعي الشعوب بحقوقها وإصرارها على كسر قيود التبعية.