موقع أنصار الله. تحليل | أنس القاضي 

ملخص تنفيذي

تتناول هذه الورقة المقاربات الروسية والصينية للحرب الأمريكية الصهيونية  على إيران منذ أواخر فبراير 2026م بوصفها تطوراً استراتيجياً يتجاوز حدوده الإقليمية ليؤثر في مسار التحول في النظام الدولي وفي توازنات القوة بين الفاعلين الكبار، تنظر موسكو وبكين إلى هذه الحرب باعتبارها أداة لإعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية في غرب آسيا عبر توظيف القوة العسكرية لإعادة فرض ترتيبات إقليمية جديدة، وهو إدراك يدفعهما إلى تبني مواقف سياسية تدعو إلى احتواء التصعيد والعودة إلى المسارات التفاوضية، مع اختلاف واضح في طبيعة المقاربات وفي مستوى الانخراط العملي في إدارة الأزمة.

تقرأ روسيا الحرب بوصفها تهديداً مباشراً لبنيتها الأمنية الإقليمية ولقدرتها على موازنة النفوذ الأمريكي في محيطها الجنوبي، إذ يشكل استقرار إيران عنصراً مهماً في شبكة التوازنات التي تعتمد عليها موسكو في غرب آسيا وآسيا الوسطى، وفي الوقت ذاته تدرك القيادة الروسية أن الحرب تتيح فرصاً تكتيكية مرتبطة بارتفاع الطلب على الطاقة الروسية وبانشغال الولايات المتحدة بجبهات متعددة، لكنها تتعامل مع هذه الفرص ضمن رؤية براغماتية توازن بين المكاسب الظرفية والمخاطر الاستراتيجية طويلة المدى، لذلك تعتمد موسكو سياسة تقوم على دعم صمود الدولة الإيرانية سياسياً واقتصادياً وتقنياً، مع ضبط مستوى الانخراط العسكري المباشر تفادياً لتوسيع نطاق المواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها.

أما الصين فتقارب الحرب من زاوية جيواقتصادية تركز على تأثيرها في الاستقرار الاقتصادي العالمي وفي أمن الطاقة وسلاسل الإمداد، إذ ترى بكين أن اضطراب التوازن في الخليج ومضيق هرمز قد يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وإلى زيادة الضغوط على الصناعات والأسواق الدولية، كما تنظر القيادة الصينية إلى الحرب بوصفها اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على إعادة فرض ترتيبات أحادية في مناطق حيوية للتجارة العالمية، وهو ما يدفعها إلى الدفاع عن مبدأ السيادة وعن تسوية النزاعات عبر الحوار، وفي هذا الإطار تعتمد الصين أدوات دبلوماسية واقتصادية لدعم استقرار إيران ولتقليل آثار الحرب، مع الحفاظ على هامش مناورة يسمح لها بإدارة علاقتها التنافسية المعقدة مع واشنطن وتجنب الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة.

تكشف المقارنة بين المقاربتين أن روسيا تميل إلى انخراط أعمق في التوازنات الأمنية الإقليمية بحكم موقعها الجغرافي وطبيعة شراكاتها الدفاعية، بينما تميل الصين إلى إدارة الأزمة عبر أدوات اقتصادية وسياسية تعكس أولوياتها التنموية واستراتيجيتها القائمة على تجنب الأحلاف العسكرية الصلبة، ومع ذلك يتقاطع هدف الطرفين في منع تحقيق انتصار استراتيجي أمريكي يعيد ترسيخ نظام أحادي القطبية، وفي الحفاظ على توازن إقليمي يسمح باستمرار التحول نحو تعددية دولية أكثر تعقيداً.

تخلص الورقة إلى أن مستقبل المقاربتين الروسية والصينية سيظل مرتبطاً بمسار الحرب وبقدرة الأطراف المنخرطة فيها على إنتاج ترتيبات سياسية جديدة، كما سيبقى محكوماً بمدى استعداد موسكو وبكين لتحمل كلفة أكبر في الدفاع عن مصالحهما إذا تعرضت إيران لإضعاف شديد أو لتحولات جوهرية في بنيتها السياسية والأمنية، وتؤكد المعطيات أن الحرب الأمريكية على إيران تمثل محطة مفصلية في إعادة اختبار حدود القوة العسكرية وفي تحديد اتجاهات التنافس الدولي خلال المرحلة القادمة.

أولاً المقاربة الروسية

الحرب على إيران في سياق التحول في طبيعة الصراعات الدولية

تندرج الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران منذ أواخر فبراير 2026م ضمن نمط الحروب المركبة التي تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة لتتحول إلى عملية إعادة تشكيل شاملة للتوازنات الإقليمية والدولية، إذ تدفع هذه الحرب القوى الكبرى إلى إعادة تقييم تصوراتها للأمن القومي ولموقعها في النظام الدولي المتحول، كما تدفعها إلى اختبار حدود أدواتها السياسية والاقتصادية والعسكرية في بيئة تتسم بتزايد الترابط بين الأزمات الجيوسياسية وسلاسل الطاقة والتجارة والردع الاستراتيجي.

 وفي هذا السياق تبرز روسيا بوصفها فاعلاً رئيسياً في إدراك تداعيات الحرب وفي صياغة مقاربة مركبة تجاهها، إذ ترتبط مصالحها بالحفاظ على الاستقرار الإقليمي من جهة، وبمواجهة محاولات إعادة ترسيخ الهيمنة الأمريكية من جهة أخرى، كما ترتبط أيضاً بإدارة علاقاتها المعقدة مع واشنطن وكيان العدو ومع بقية القوى الإقليمية المنخرطة في الصراع.

الإدراك الروسي لطبيعة الحرب بوصفها أداة لإعادة تشكيل الإقليم

تنطلق المقاربة الروسية للحرب من إدراك متراكم لطبيعة التنافس مع الولايات المتحدة، إذ ترى موسكو أن استخدام القوة العسكرية لإعادة تشكيل الإقليم يعكس توجهاً أمريكياً لتجاوز أدوات الاحتواء التقليدية والانتقال إلى فرض ترتيبات جديدة في مناطق النفوذ الحيوية للقوى المنافسة.

وتقرأ موسكو الحرب على إيران في ضوء خبرتها في الأزمات الدولية منذ التدخل الغربي في ليبيا عام 2011م وصولاً إلى الحرب في أوكرانيا، حيث تتشكل قناعة داخل النخبة الروسية بأن واشنطن تسعى إلى استثمار التفوق العسكري والتكنولوجي في فرض وقائع سياسية جديدة مستفيدة من هشاشة بعض الأقاليم ومن تراجع قدرة المؤسسات الدولية على ضبط الصراعات الكبرى.

وفي هذا الإطار تفسر موسكو الحرب على إيران بوصفها اختباراً لمدى قدرة الولايات المتحدة على إدارة صراعات متزامنة في أكثر من جبهة، كما تفسرها أيضاً بوصفها محاولة لإضعاف شبكات التوازن الإقليمي التي تشكلت خلال العقدين الماضيين.

الاعتبارات الجيوسياسية الروسية والأمن في المجال الجنوبي

تتأثر المقاربة الروسية باعتبارات جيوسياسية مباشرة تتصل بالمجال الجنوبي لروسيا وبامتدادات النفوذ الروسي في غرب آسيا، إذ تمثل إيران شريكاً مهماً في موازنة النفوذ الأمريكي وفي بناء ترتيبات أمنية بديلة في محيط بحر قزوين والشرق الأوسط. وتدرك موسكو أن انهيار التوازن داخل إيران أو تفكك الدولة الإيرانية قد يفتح المجال أمام تمدد نفوذ غربي أو إقليمي معادٍ بالقرب من حدودها الاستراتيجية، كما قد يؤدي إلى اضطرابات أمنية في آسيا الوسطى والقوقاز، وهي مناطق ترى فيها روسيا عمقاً حيوياً لأمنها القومي. لذلك تتعامل موسكو مع الحرب على إيران بوصفها حدثاً يمس بنيتها الأمنية الإقليمية ولا تراه أزمة بعيدة يمكن إدارتها عبر أدوات الدبلوماسية التقليدية.

الفرص التكتيكية المرتبطة بالطاقة وتشتيت الضغط الغربي

تنظر موسكو إلى الحرب أيضاً من زاوية الفرص التكتيكية التي قد تتيحها التطورات الميدانية، إذ يسهم تصاعد التوتر في أسواق الطاقة في رفع الطلب على صادراتها النفطية والغازية، كما يسهم انشغال الولايات المتحدة بجبهة جديدة في تخفيف الضغط العسكري والسياسي على الجبهة الأوكرانية.

غير أن هذا الإدراك للفرص يظل محكوماً بوعي استراتيجي بأن المكاسب الظرفية لا تعوض الخسائر طويلة المدى التي قد تنجم عن إضعاف إيران أو خروجها من معادلة التوازن الإقليمي، ومن هنا تتبنى موسكو سياسة تقوم على دعم بقاء الدولة الإيرانية ومنع انهيارها مع الحرص على عدم الانخراط المباشر في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة لأن مثل هذا الانخراط قد يفتح جبهة صراع واسعة تتجاوز قدرات روسيا الحالية في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا.

تأثير العلاقة الروسية الإسرائيلية في ضبط السلوك الاستراتيجي

تتشكل المقاربة الروسية أيضاً في ضوء طبيعة العلاقة مع إسرائيل، إذ تحافظ موسكو منذ سنوات على قنوات تنسيق أمنية وسياسية مع كيان الاحتلال خاصة في الساحة السورية حيث تسعى إلى تجنب الاحتكاك المباشر مع القوات الإسرائيلية مع الاستمرار في دعم حليفها الروسي سابقاً قبل سقوط نظام الأسد.

وتدفع هذه المعادلة روسيا إلى تبني موقف متوازن نسبياً، فهي تعارض الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران وتنتقدها في الخطاب السياسي لكنها تتجنب خطوات قد تؤدي إلى قطع كامل لقنوات التواصل مع إسرائيل أو إلى تصعيد غير محسوب في العلاقات الثنائية. وتعكس هذه السياسة إدراكاً روسياً لتعقيد التوازنات في منطقة "الشرق الأوسط" حيث تتداخل المصالح الأمنية مع الاعتبارات الاقتصادية ومع الحاجة إلى الحفاظ على هامش مناورة في مواجهة الضغوط الغربية.

طبيعة الشراكة الروسية الإيرانية وحدود الالتزام العسكري

ترتبط المقاربة الروسية كذلك بطبيعة الشراكة مع إيران وهي شراكة تتسم بالتقارب في مواجهة العقوبات الغربية وبالتعاون في مجالات الطاقة والتكنولوجيا العسكرية لكنها لا ترقى إلى مستوى التحالف الدفاعي الملزم. وتدرك موسكو أن تحويل هذه الشراكة إلى تحالف عسكري رسمي قد يفرض عليها التزامات تتجاوز قدرتها على التنفيذ كما قد يؤدي إلى توسيع دائرة المواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها. لذلك تعتمد روسيا استراتيجية تقوم على تقديم دعم سياسي واقتصادي وتقني لإيران وعلى استخدام المنابر الدولية للدفاع عن سيادتها مع الإبقاء على هامش من الغموض في مستوى التعاون العسكري المباشر.

الحرب على إيران في التصور الروسي للتحول نحو التعددية الدولية

يتداخل هذا الموقف مع تصور روسي أوسع لطبيعة التحول في النظام الدولي إذ ترى موسكو أن الحرب على إيران تشكل جزءاً من صراع أوسع حول شكل النظام العالمي حيث تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على موقعها القيادي عبر استخدام أدوات القوة الصلبة بينما تحاول القوى الصاعدة بناء نظام أكثر تعددية يحد من قدرة واشنطن على فرض إرادتها. وفي هذا السياق تنظر روسيا إلى صمود إيران بوصفه عاملاً مهماً في تعزيز التعددية الدولية لأنه يحد من قدرة الولايات المتحدة على تحقيق انتصارات حاسمة في الأقاليم الحيوية كما يعزز الثقة لدى الدول الأخرى في إمكانية مقاومة الضغوط الغربية.

الخطاب الروسي والدعوة إلى الحلول السياسية

تنعكس هذه الرؤية في الخطاب الروسي الذي يركز على مخاطر التصعيد وعلى ضرورة العودة إلى الحلول السياسية حيث تدعو موسكو إلى وقف العمليات العسكرية وإلى استئناف المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني ضمن إطار دولي يضمن مصالح جميع الأطراف، ويعكس هذا الخطاب رغبة روسية في تقديم نفسها كفاعل مسؤول يسعى إلى الاستقرار وهو ما يمنحها هامشاً إضافياً في علاقاتها مع الدول الإقليمية ومع بعض القوى الأوروبية التي تخشى اتساع نطاق الحرب.

القيود والتحديات التي تواجه المقاربة الروسية

لا تخلو المقاربة الروسية من تحديات تتعلق بقدرتها على موازنة التزاماتها في أوكرانيا وفي "الشرق الأوسط" في آن واحد كما تواجه تحديات اقتصادية مرتبطة بتقلبات أسعار الطاقة وبالعقوبات الغربية، وتدرك النخبة الروسية أن انخراطها المفرط في دعم إيران قد يؤدي إلى استنزاف إضافي للموارد وإلى تعقيد علاقاتها مع شركاء آخرين في المنطقة، لذلك تميل السياسة الروسية إلى التحرك ضمن نطاق محسوب يهدف إلى الحفاظ على التوازن الإقليمي من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.

خلاصة المقاربة الروسية وتمهيد لتحليل المقاربة الصينية

في ضوء هذه المعطيات تتسم المقاربة الروسية للحرب الأمريكية على إيران بطابع براغماتي يجمع بين إدراك المخاطر الاستراتيجية والسعي إلى استثمار الفرص التكتيكية مع الحرص على إبقاء الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها، وتسعى موسكو من خلال هذه المقاربة إلى منع الولايات المتحدة من تحقيق انتصار حاسم يعزز هيمنتها الإقليمية مع تجنب توسع الحرب إلى مستوى يهدد استقرار النظام الدولي أو يفرض عليها التزامات عسكرية مباشرة. ويمهد هذا الفهم الروسي للحرب الأرضية لتحليل المقاربة الصينية التي تتقاطع مع بعض عناصر الرؤية الروسية وتختلف عنها في عناصر أخرى خاصة في ما يتعلق بطبيعة المصالح الاقتصادية والاستراتيجية العامة لتجنب الصراعات العسكرية المباشرة.

ثانيا المقاربة الصينية  

إدراك الصين لطبيعة الحرب بوصفها أزمة في بنية الاستقرار الدولي

تنطلق المقاربة الصينية للحرب الأمريكية على إيران منذ فبراير 2026م من تصور يربط بين الصراع العسكري وبين التحولات العميقة في بنية الاقتصاد العالمي وفي توازنات القوة الدولية، إذ ترى بكين أن هذه الحرب لا تمثل مجرد مواجهة إقليمية محدودة بل تعكس اتجاهاً متصاعداً نحو استخدام القوة لإعادة تنظيم الأقاليم الحيوية في النظام الدولي، وهو اتجاه يحمل في طياته مخاطر واسعة على الاستقرار الاقتصادي وعلى حركة التجارة العالمية وعلى أمن الطاقة. وتتعامل القيادة الصينية مع الحرب باعتبارها حدثاً قد يؤدي إلى تعطيل التوازنات التي سمحت للصين خلال العقود الماضية بتوسيع نفوذها الاقتصادي ضمن بيئة دولية مستقرة نسبياً، لذلك تركز في خطابها وتحركاتها الدبلوماسية على ضرورة احتواء الصراع ومنع تحوله إلى حرب طويلة أو متعددة الجبهات.

المصالح الطاقوية والتجارية بوصفها محدداً رئيسياً للموقف الصيني

ترتبط المقاربة الصينية ارتباطاً مباشراً بحاجتها المستمرة إلى الطاقة وبسعيها إلى تأمين خطوط الإمداد المرتبطة بالنمو الصناعي والتجاري، إذ تمثل إيران مورداً مهماً للنفط كما تمثل موقعاً جغرافياً محورياً في شبكات النقل البرية والبحرية التي تسعى الصين إلى تطويرها ضمن رؤيتها الأوراسية، ويؤدي تصاعد العمليات العسكرية في الخليج ومضيق هرمز إلى رفع مستويات القلق داخل صناع القرار في بكين بشأن احتمالات تعطيل الملاحة أو ارتفاع تكاليف التأمين والنقل، وهو ما قد ينعكس في زيادة الضغوط على الاقتصاد الصيني، لذلك تتبنى الصين سياسة تهدف إلى الحفاظ على استقرار إيران ومنع انهيار بنيتها الاقتصادية والأمنية مع العمل في الوقت ذاته على تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على المسارات المعرضة للمخاطر.

الحرب على إيران في التصور الصيني للتنافس مع الولايات المتحدة

ترى بكين في الحرب مؤشراً على توجه أمريكي لإعادة توظيف القوة العسكرية في إدارة التنافس الدولي، إذ تفسر القيادة الصينية الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران بوصفها محاولة لفرض ترتيبات جديدة في غرب آسيا قد تؤدي إلى تقليص هامش الحركة أمام القوى الصاعدة، ويعزز هذا الإدراك القناعة داخل النخبة الصينية بأن الحفاظ على التعددية الدولية يتطلب الحد من قدرة الولايات المتحدة على تحقيق انتصارات استراتيجية عبر التدخل العسكري، لأن مثل هذه الانتصارات قد تعيد إنتاج نظام دولي أكثر خضوعاً لهيمنة قطب واحد، ومن هنا تدافع الصين عن مبدأ السيادة وعن ضرورة تسوية النزاعات عبر الحوار لأنها ترى في ذلك وسيلة لحماية بيئة دولية تسمح لها بمواصلة الصعود الاقتصادي والتكنولوجي.

العلاقة الاقتصادية مع واشنطن وأثرها في ضبط الانخراط الصيني

تتأثر المقاربة الصينية أيضاً بطبيعة العلاقة المعقدة مع الولايات المتحدة حيث يجتمع التنافس الاستراتيجي مع مستويات عالية من الترابط التجاري والمالي، إذ تدرك بكين أن الانخراط المباشر في دعم عسكري لإيران قد يؤدي إلى تصعيد واسع في مجالات أخرى مثل العقوبات الاقتصادية أو القيود التكنولوجية أو المواجهة البحرية في مناطق أخرى من آسيا، لذلك تعتمد الصين استراتيجية تقوم على استخدام أدوات دبلوماسية واقتصادية للحد من التصعيد وعلى تقديم نفسها كوسيط محتمل يسعى إلى الاستقرار، وهو ما يمنحها في الوقت ذاته فرصة لتعزيز حضورها السياسي في المنطقة.

طبيعة الشراكة الصينية الإيرانية وحدودها الاستراتيجية

تطورت الشراكة بين الصين وإيران خلال العقدين الماضيين في مجالات الطاقة والاستثمار والبنية التحتية والتعاون الصناعي، لكنها بقيت ضمن إطار التعاون الاقتصادي والسياسي من دون أن تتحول إلى تحالف عسكري ملزم. وتعكس هذه الصيغة توجه الصين التقليدي إلى تجنب الأحلاف العسكرية الصلبة والتركيز بدلاً من ذلك على بناء شبكات اعتماد متبادل اقتصادي تسمح لها بتوسيع نفوذها من دون تحمل كلفة الانخراط العسكري. وفي سياق الحرب الحالية تعمل بكين على دعم صمود الاقتصاد الإيراني وعلى استمرار التبادل التجاري والاستثماري ضمن حدود تسمح بتفادي مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

رؤية الصين للحرب في إطار مشروعها الأوراسي

ترتبط المقاربة الصينية كذلك برؤية أوسع تسعى إلى تعزيز الترابط بين آسيا وأوروبا عبر مشاريع النقل والطاقة، إذ ترى بكين أن استقرار إيران يشكل عاملاً مهماً في حماية هذه المشاريع وفي منع تشكل فراغ جيوسياسي قد تستفيد منه قوى منافسة، ويؤدي أي انهيار في التوازن داخل إيران إلى زيادة احتمالات الفوضى في مناطق العبور الاستراتيجية وهو ما قد يهدد استمرارية المبادرات الاقتصادية الصينية. لذلك تسعى الصين إلى الحفاظ على توازن إقليمي يسمح باستمرار حركة التجارة والاستثمار من دون انقطاع.

ثالثاً: المقارنة بين المقاربتين الروسية والصينية  

عند إجراء مقارنة بين المقاربتين الروسية والصينية يظهر تقاطع واضح في إدراك مخاطر الحرب وفي الرغبة في منع الولايات المتحدة من تحقيق تفوق استراتيجي يعزز قدرتها على إعادة تشكيل الإقليم، كما يظهر تقارب في الدفاع عن مبدأ السيادة وعن ضرورة الحلول السياسية، غير أن الفارق يكمن في طبيعة الأدوات وفي مستوى الاستعداد لتحمل المخاطر، إذ تميل روسيا إلى انخراط أعمق في التوازنات الأمنية الإقليمية بحكم موقعها الجغرافي وخبرتها العسكرية وعلاقاتها الدفاعية، بينما تميل الصين إلى إدارة الأزمة عبر أدوات اقتصادية ودبلوماسية تعكس أولوياتها التنموية وحرصها على تجنب التورط العسكري.

دلالات محتملة لسقوط إيران أو إضعافها في ميزان القوى الدولي

يرتبط تقييم كل من موسكو وبكين لنتائج الحرب بإدراكهما لتأثير مصير إيران في بنية التوازن الدولي، إذ ترى روسيا أن إضعاف إيران بشدة قد يؤدي إلى توسيع النفوذ الغربي في غرب آسيا وإلى تقليص هامش المناورة الروسي في محيطها الجنوبي، بينما ترى الصين أن انهيار الاستقرار في إيران قد يمنح الولايات المتحدة قدرة أكبر على التحكم في معابر الطاقة وعلى استخدام أدوات الإكراه الاقتصادي في مواجهة القوى الصاعدة. وفي المقابل يدرك الطرفان أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يحمل مخاطر اقتصادية وأمنية واسعة ما يدفعهما إلى تفضيل سيناريو يقوم على احتواء الصراع والحفاظ على توازن يمنع تحقيق انتصار حاسم لأي طرف.

تأثير الحرب في مسار التحول نحو التعددية القطبية

تسهم الحرب الأمريكية على إيران في تسريع النقاش حول مستقبل النظام الدولي وحول إمكانية انتقاله إلى صيغة أكثر تعددية، إذ تدفع هذه الحرب روسيا والصين إلى تنسيق مواقفهما في بعض القضايا الدولية وفي الدفاع عن ضرورة إصلاح المؤسسات العالمية بما يعكس توازنات القوة الجديدة. وفي الوقت ذاته تحرص كل من موسكو وبكين على الحفاظ على استقلالية قرارها الاستراتيجي وعلى تجنب تشكيل تحالفات عسكرية صلبة قد تقيد قدرتها على المناورة في بيئة دولية متغيرة.

تقدير الموقف العام للمقاربتين الروسية والصينية

تشير المعطيات إلى أن روسيا والصين تتعاملان مع الحرب الأمريكية على إيران بوصفها اختباراً لمستقبل التوازن الدولي أكثر من كونها أزمة إقليمية محدودة، إذ تسعيان إلى منع إعادة إنتاج نظام أحادي القطبية مع الحرص على تجنب الانزلاق إلى مواجهة عالمية واسعة قد تهدد الاستقرار الاقتصادي وتزيد من مخاطر التصعيد النووي. وتعكس مقاربتهما تفاعلاً معقداً بين المصالح الاستراتيجية والقيود الاقتصادية والسياسية حيث يتقاطع الهدف في حماية التوازن الدولي مع اختلاف في طبيعة الأدوات وفي مستوى الانخراط المباشر.