موقع أنصار الله . تقرير | يحيى الشامي 

في ظل تصعيدٍ أمريكيٍ صهيونيٍ متواصل، تكشف الوقائع الميدانية والتقارير الإعلامية الغربية عن صدع عميق في جدار القوة العسكرية الأمريكية، وتحول موازين الردع لصالح الجمهورية الإسلامية التي أثبتت اقتداراً استثنائياً في مواجهة أعتى ترسانة حربية عالمية.
بدت آلةُ الحرب الأمريكية، بدءاً من حاملة الطائرات "جيرالد فورد" وحتى آخر قاعدة عسكرية في المنطقة، أقربَ إلى هياكلَ منهكةٍ تترنح تحت ضربات الردع الإيراني، باعتبارها أداة التفوق التي أساءت واشنطن تقديرها وتحوّلت بثبات وقوة موقف إلى آلة حاسمة في المعارك الجارية.

الحاملة "فورد".. الردع المتعثر

تحولت الحاملةُ الأمريكيةُ "جيرالد فورد"، التي روّج لها البنتاغون على أنها "ذروة التفوق التكنولوجي" ورمز الردع الأمريكي، إلى مجردِ عنوانٍ للعطب المنظومي والهزيمة الميدانية، فبعدما اضطرت للفرارِ من مسرح العمليات العدائية بذريعة "حريق في قسم الغسيل" - وهو ما أدى إلى معالجة نحو مئتي بحار من آثار الدخان - كشفت وكالة "بلومبرغ" الأمريكية عن تقريرٍ للبنتاجون يفضحُ مشكلاتٍ تشغيليةً جسيمةً أعمق بكثير من مسألة الحريق المزعوم، تمسُّ الأنظمةَ الرئيسةَ للحاملة، من نظام الإقلاع والاستعادة إلى الرادار والمصاعد الذخائرية، بل وحتى القدرة على مواصلة العمل تحت النيران.

مثل هذا ترجمة حقيقية لحالِ الأسطول الأمريكي الذي يعاني من "استنزافٍ مفتوح"، إذ اضطر طاقم الحاملة لاستخدام معدات معطلة بسبب طول فترة الانتشار المنهك، فيما لم تتوفر بياناتٌ كافيةٌ لتقييم كفاءةِ هذه المنظومة العسكرية المتهالكة رغم أنها الأحدث من بين الحاملات الأمريكية، ومرور سنوات قليلة فقط على دخولها الخدمة، وهو ما يؤكدُ في أحسن الأحوال عدمَ جاهزيةِ المقاتلات الأمريكية وهشاشتها وخطأ بنيوي يمس منظومة التصنيع ذاتها، ويُبقي احتماليةَ استهدافِ القوات الإيرانية للحاملةِ واردَةً في أي لحظة.

وهو ما جاء في ذروة الحملات الإعلامية الأمريكية الرامية إلى تهديد إيران، لتتحول حاملة الطائرات الأحدث وكذلك الأغلى في الأسطول الأمريكي من أداة ردع مزعومة إلى عنوان لأزمة المنظومة العسكرية الأمريكية برمتها وفق ما كشفته وكالة "بلومبرغ"

وكان حريق "غرفة الغسيل" الذي أجبر الحاملة على الانسحاب إلى كريت اليونانية القشة التي قصمت ظهر رواية التفوق المطلق، وأبدت عدم رغبة جنود البحرية الأمريكية على خوض مغامرة عالية المخاطر، ما يرفع احتمالية أن تكون الحوادث متعمدة بهدف الفرار من حرب يُساق إليه الجنود مكرهين بعصا الصهيونية، فوفقاً لـ"رويترز"، عولج نحو مئتي بحار من آثار الدخان، وتضرر نحو مائة سرير نوم، في وقت امتد فيه انتشار الحاملة لتسعة أشهر مرهقة، رافقها أعطال متعددة وتدني في المعنويات.

هذه التفاصيل بقدر ما تعكس هشاشة الجاهزية القتالية الأمريكية، تفتح أيضاً الباب أمام تساؤلات استراتيجية: هل كانت "فورد" هدفاً محتملاً للقدرات الإيرانية التي أثبتت دقة وسرعة ردّها؟ أو قد تمنح اليمن الفرصة التي لايزال بانتظارها لخوض المعركة؟ الواقع يشير إلى أن التهديدات الأمريكية الجوفاء اصطدمت بجدار الصمود القلق والخوف تاركة واشنطن في موقف أحرج، تستجدي فيه التفاوض بعد أن عجزت عن تحقيق نصر ميداني.

الاعتراف الأمريكي بعجز مواصلة العدوان

تتالت الاعترافات في الصحف الأمريكية لتقرّ بصعوبة استمرار العمليات العدائية تحت وطأة الرد الإيراني المحكم والمدروس، فصحيفة "نيويورك تايمز" نقلت عن مصادر عسكرية أن قوات أمريكية أُجبرت على مغادرة قواعد متضررة بشدة جراء الضربات الإيرانية، واللجوء إلى فنادق ومكاتب مؤقتة، بل والعمل عن بُعد في بعض الحالات، كما نقلت القيادة المركزية الآلاف من العسكريين إلى مواقع بعيدة، منها أوروبا، في خطوة وصفتها الصحيفة بأنها "جعلت شن عمليات حربية أصعب بكثير من حيث التنفيذ".

ولم تقتصر الخسائر على البنية التحتية، بل طالت العنصر البشري، فقد أقرت "رويترز" في اعتراف منقول عن مصدر أمريكي بسقوط عشرات القتلى والجرحى بين العسكريين الأمريكيين، فيما لا تزال القدرات الصاروخية الإيرانية فاعلة رغم آلاف الضربات الموجهة ضدها، وهي وقائع تفنّد الرواية الأمريكية عن "رد محدود"، ويكشف سوء تقدير واضح لحجم الاقتدار الإيراني وقدرته على تعطيل إدارة العمليات العسكرية برمتها.

على الصعيد الدفاعي، كشفت "واشنطن بوست" أن صواريخ إيرانية اخترقت منظومات الدفاع المتطورة في المنطقة، وأعادت فتح ملف الشكوك حول فعالية الاعتراض وتوافره، وفي مؤشر خطير على استنزاف المخزونات، وأفادت الصحيفة بأن البنتاغون يدرس تحويل صواريخ اعتراضية كانت مخصصة لأوكرانيا إلى منطقة المواجهة، فيما حذر تحليل لمعهد "RUSI" البريطاني من أن مخزونات حساسة، بينها صواريخ "ثاد"، قد تُستنزف خلال أسابيع، وقد تستغرق إعادة تعبئتها سنوات.

ترامب بين ضغط الحرب وأولويات الداخل

في خضم هذا الاستنزاف الميداني، كشفت "وول ستريت جورنال" عن رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إنهاء الحرب على إيران "بسرعة"، وخلال أسابيع قليلة وأشارت إلى أن ترامب أبلغ مستشاريه سراً بأن الصراع في "مراحله الأخيرة"، وحثهم على الالتزام بجدول زمني يتراوح بين أربعة وستة أسابيع.

لكن الطريق نحو إنهاء الحرب ليس مفروشاً بالورود فترامب، الذي باتت الحرب تشتت انتباهه عن أولوياته الداخلية – من انتخابات التجديد النصفي إلى قضايا المعيشة – لا يملك خيارات سهلة، ومفاوضات السلام لا تزال في مهدها، وطهران ترفض حتى الآن المحادثات المباشرة مع واشنطن.

وفي محاولة للجمع بين العصا والجزرة، تلمح الإدارة الأمريكية إلى أفكار مثل "الحصول على جزء من النفط الإيراني" كجزء من أي اتفاق، بينما تواصل في الوقت ذاته حشد القوات في المنطقة، التصريحات المتناقضة من البيت الأبيض – بين الاستعداد للضرب بقوة والرغبة في تسوية دبلوماسية – تعكس حالة من التذبذب الاستراتيجي، وتؤكد أن واشنطن تدرك أن استمرار المواجهة قد يكلفها أكثر مما تستطيع تحمّله.

جزيرة خارك.. وهم الاحتلال وفخ الجغرافيا

في سياق تصعيد آخر، تروج أوساط في العدو الإسرائيلي والولايات المتحدة لفكرة احتلال جزيرة خارك الإيرانية، المركز الحيوي الأكبر لصادرات النفط الإيراني، كورقة ضغط نهائية، الأمر الذي لاقى موجة رفض واسعة حتى داخل حزب الرئيس نفسه، كما أن هذا الحلم، الذي راود ترامب منذ ثمانينيات القرن الماضي، يصطدم بواقع عسكري وجيوسياسي معقد.

فجميع القراءات العسكرية، بما فيها الغربية، تجمع على أن أي محاولة لاحتلال خارك ستفرض على القوات الأمريكية وحلفائها دفع "فاتورة مفتوحة" من الدماء والعتاد، فالجمهورية الإسلامية تمتلك استراتيجية حرب غير متماثلة قادرة على تحويل أي خطوة عدوانية إلى جحيم لا يُطاق، عبر سيل ناري متنوع وغير منقطع ينطلق من البر والبحر والجو.

كما أن الجغرافيا الإيرانية تشكل "جنرالاً خفياً" يعزز موقف طهران. فشبكتها من الجزر والموانئ والقدرة على التحكم في مضيق هرمز – شريان الطاقة العالمي – تجعل من خارك أداة تهديد استراتيجي أكثر منها هدفاً قابلاً للاحتلال، وفي هذا السياق، تؤكد التقديرات أن المضيق يعيد تعريف معايير النصر والغلبة، فارضاً على الخصم خيارين لا ثالث لهما: إما تفاوض يراعي توازن القوى، أو مواجهة شاملة تكلفته باهظة ولا ضمانات بنتائجها.

إيران.. قوة إقليمية لا تُختزل

ما كشفته الأيام الأخيرة من وقائع ميدانية وتقارير غربية، لا تدحض فقط الأكاذيب الأمريكية حول "سهولة الحسم"، بل يقرّ ضمنياً بالفشل الاستراتيجي للتحالف الصهيو-أمريكي أمام إرادة إيرانية صلبة واقتدار عسكري متنامٍ.

إيران، بـ"جنرالَيْ الجغرافيا والصمود"، أثبتت أنها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها أو احتواؤها بالتهديدات. وفي وقت تتعثر فيه حاملات الطائرات الأمريكية، وتتآكل مخزونات الصواريخ المعادية، وتتراكم الضغوط السياسية على صانعي القرار في واشنطن، تبرز الجمهورية الإسلامية كطرف فاعل يملك مفاتيح إنهاء الأزمة، لكن بشروط تحفظ كرامتها وسيادتها.

فالمعادلة اليوم واضحة إما أن تدرك واشنطن وحليفتها كيان العدو الإسرائيلي أن استمرار العدوان لن يجني منهما سوى مزيد من الهزائم والاستنزاف، فتعود إلى منطق الحوار المتكافئ، أو أن تستمر في مغامراتها غير محسوبة العواقب، حيث ستكون إيران بالمرصاد لكل من يعبث بأمنها واستقرارها.