موقع أنصار الله . تقرير| وديع العبسي

بظهور محور "إبستين" الشيطاني وكتلة الحقد والكراهية بقيادة أمريكا و"إسرائيل"، معلنا الحرب على القيم الإنسانية وكل قواسم التعايش بين بني الأرض، ومستهدفا -في آخر تقليعاته العدوانية- الجغرافيا العربية والإسلامية، تَشَكّل محور الحق والقيم، محور الجهاد والمقاومة، معلنا مواجهته، واستعادة زمام العمل لترسيخ أن الشر الذي تتصدره أمريكا و"إسرائيل" ليس إلا تمردا يستدعي تأطيره وإخماده حتى لا يتسرب لتصيب لعنته البشرية.

عاث محور "إبستين" إفسادا في المنظومة الأخلاقية، ورفع شعار "القوة ثم المزيد من القوة"، لفرض الإرادة، وتحقيق طموح التوسع والتمدد في الأرض، ونهب الثروات، وإبادة حقول القمح ووسائل الحياة، فكان ظهور قوى الحق مُعادلاً طبيعياً لمكافحته، وقد ظهرت هذه القوى (إيران، لبنان، اليمن، العراق) بنَفَس طويل، وفي مستوى من الاقتدار لإنهاء طموحات الصهاينة وجعل المنطقة مقبرة للحملات الصليبية المتكررة.

مع موجات البلطجة الأخيرة تجاه شعوب غرب آسيا عاش الأحرار من أبناء الأمة التفاعلات، وفرضوا التحولات، وفي معركة الأمة -التي فجرها العدو الأمريكي ضد الجمهورية الإسلامية كامتداد لحروب فرض قواعد "إبستين" وتوسيع خارطة نفوذ الكيان الإسرائيلي- تجلّى المشهد بوضوح، حين نجحت قوى المحور في تجاوز الشتات الجغرافي الاستعماري وتأكيد وحدة القضية ووحدة الهدف، فزَلزَلت القواعدَ وهددت مستقبل جبهة الشيطان الأكبر.

لم يُثر هذا الأمرُ الإرهابيَّ الأمريكي و"الإسرائيلي" وحسب، وإنما أيضا تفرعاتهما من الأتباع والموالين، فهُم الذين تأملوا من الولايات المتحدة حمايتهم، ودعموها لفك رباط المحور وتجزئة المعركة للخلاص من أي حِراك مقاوم في المنطقة. يؤكد السيد القائد عبدالملك الحوثي أن "حنق الموالين لليهود من وحدة الساحات هو امتداد لغيظ وحنق اليهود أنفسهم، لأن اليهود انزعجوا جدا من تعاون الأمة". وقال السيد القائد: "اليهود يعملون دائما على تجزئة المعركة، وعلى فصل الساحات، وعلى الانفراد بكل جبهة على حِدة لمحاولة القضاء عليها".

غير أن معادلة "وحدة الساحات" فرضت واقعا استراتيجيا يؤسس لمرحلة يتراجع فيها التأثير الأمريكي و"الإسرائيلي" والقدرة على الاستمرار في لعب دور الحاكم والمتحكم بشعوب المنطقة ومصالحها. يقول نائب وزير الخارجية عبدالواحد أبو راس: "معادلة وحدة الساحات هي من أسقطت معادلة الاستباحة، وفرضت على العدو واقعا جديدا في المنطقة سينعكس إيجابا على كل المستويات مستقبلا".

سحق النفسية العربية في غزة

بعد أن وضع العدو الأمريكي الإسرائيلي خطة إعادة خارطة دول المنطقة وفق رؤية ما تسمى "إسرائيل الكبرى" الخرافية، ثم البدء في التنفيذ بالحديد والنار، أيقن أن حساباته إنما اتكأت على وَهْم أن مناخ كل المنطقة ومزاج بعض أنظمتها السلبي، وتماهي بعضها الآخر مع المخطط والشكل الاستعماري الجديد، قد صار يمثّل أرضية قابلة لغرس أظافره في جسد الأمة بأريحية، فالأمر جاء على غير ذلك، وما عملوا على صناعته في نفسيات شعوب الأمة من حالة انهزامية -حتى مع خضوعها لأنظمة موالية لهم- كاف للسير في اتجاه تحقيق هذا الحلم "التلمودي". فهناك كانت نَزَعات التحرر من سطوة الشيطان تتشكل في نفوس مجتمعات من هذه الأمة، أربكت نتائج الاشتغال الصهيوني على تدمير الثقافة الإسلامية المُنتصرة لقيم العزة والكرامة وعدم الخنوع والخضوع إلا لله الذي أراد لهذه الأمة أن تكون هي من تقود العالم إلى قيم الحق والخير والعزة.

من العدوان الهمجي البربري على الشعب الفلسطيني في غزة بدأ الأعداء مخطط بسط السيطرة الواسعة، وهناك لم تكن المجازر والاستقواء على النساء والأطفال والمدنيين العُزّل من السلاح، تعني الفلسطينيين فقط، وإنما كل شعوب المنطقة، فالتحدي السافر للقوانين الدولية وارتكاب جرائم حرب بلا أدنى حساب لأي مساءلة دولية أو ملاحقة قانونية، كان القصد منه إظهار مستوى السطوة التي يتمتع بها الكيان بما يعزز لدى هذه الشعوب، الشعور بأنه لا مجال من مواجهته، عزّز ذلك ما كانت تبديه الأنظمة من سلبية مفتوحة على قبول أي شيء يقوم به هذا الكيان.

خرست الألسن وجفّت أقلام النخب

ثم أطلق العدو الإسرائيلي حقده في أشكال بشعة من الجرائم، متعمدا بها تعميق الهزيمة في نفسية الشعوب وخلق حالة من الارتداع والرهبة بما يضمن له استحالة التفكير في اتخاذ أي موقف جريء ضده، حينها خرست الألسن وجفت أقلام النخب والمثقفين.

وزاد تأثير حضور أمريكا الدائم لمساندة العدو بالسلاح والغطاء السياسي والدبلوماسي، مع غياب أي ردة فعل عربي طبيعي قائم على التحرك العملي من قبل الأنظمة الحاكمة لهذه الشعوب من الشعور بالضعف والوهن، فأمريكا و"إسرائيل" أكثر كيانين تمردا على القيم وشنّا الحروب واستخداما ما شاءا من السلاح بما في ذلك المحرمة دوليا، وحتى اللجوء إلى أحط أساليب الاستهداف كاستخدام سلاح التجويع والتعطيش، ومنع الدواء عن المستهدفين. مثّل ذلك اكتمالا لحلقة النار في الوعي الجمعي العربي والإسلامي.

هذه "المنهجية" في الإرهاب ثم الانقضاض على الضحية، ظلت دائما وسيلة الأعداء للوصول إلى مقاصد النهب والهيمنة على خارطة الثروات والمناطق الاستراتيجية. على أن ذلك شجع في رفع سقف الطموح لدى العدو، فظهر للواهم الأمريكي والمجند الإسرائيلي أن الوقت قد حان لتجاوز عقدة "الثمانين"، والتأسيس لكيانهم الصهيوني "الكبير" الذي يلتهم أكبر مساحات الدول العربية.

محور المقاومة باقتدار نوعي مفاجئ

وعلى إثر الهيمنة وحالة التدجين التي باتت مسيطرة على العقلية العربية، كان المجرم "ترامب" قد خرج إلى العالم بشيء من برنامجه للوصول إلى الرئاسة للمرة الثانية، فتحدث عن ضرورة توسيع خارطة الكيان بقضم أجزاء من الدول العربية المجاورة، ثم خرج مجرم الحرب "نتنياهو" بخارطة ما يسمى "إسرائيل الكبرى". هنا أكد رفضُ الجمهورية الإسلامية هذه التوجهات الشيطانية مخاوفَ أعداء الإنسانية، ليتجه اهتمامهم إلى التخلص منها، وقد صارت -في منظورهم- تشكل تهديدا قويا ومؤثرا على مشروعهم الصهيوني الكبير.

في الأثناء ظهرت باقي قوى محور المقاومة باقتدار نوعي، مدافعة عن الأشقاء الفلسطينيين في غزة بعد أن خذلهم العرب والمسلمون، وهنا زاد العدو الأمريكي الإسرائيلي من وتيرة العدوان والاستباحة، في محاولة لتكريس خرافة القوة التي لا تقهر، فشنوا العدوان على لبنان واليمن وإيران،  واستعرضوا القدرات الدفاعية والطائرات الهجومية وباقي أجهزة التكنلوجيا المساعدة من رادارات وأقمار اصطناعية، وصولا إلى خلايا التجسس، وروّجوا لقدرتهم في النَيل من هذه القوى ونسف الشعوب المناهضة لمشاريعهم نهائيا.

البلطجة التي كانت تشير إلى أن استهداف العمق الإسلامي يخفي حقدا أزليا عن قناعة بأن استمرار بقاء الإسلام بمبادئه وثوابته وقواعده هو الخطر على مشاريع العصابات الغربية في والسلب والنهب والسيطرة، كشفت أيضا عن نوايا للحسم الناري والخروج بالمشروع الصهيوني إلى النور بعد التخلص مما تبقى من إرادة ونزعة تحررية لدى هذه الأمة، ومع اتساع رقعة الاستهداف وانتشار حجم الدمار والتصاعد في عدّاد الشهداء بدأت المنطقة تشهد واقعا واضحا لناحية تحديد جبهة التحرر وجبهة المتواطئين.

ورغم القلة العددية لجبهة الجهاد والمقاومة، إلا أنها أخذت على نفسها مسؤولية تحرير هذه الأمة من سحر الساحر الأمريكي بعد إجباره على التسليم بأن المنطقة ليست مهيأة للقبول به والإذعان له.

التحم المحور في الدفاع عن غزة وتلقين الكيان وداعمته أمريكا دروسا في الإرادة وقوة الإيمان، ثم التحم خلال الحملة العدوانية على الجمهورية الإسلامية، وخلال ذلك استمات العدو في محاولة فك رباط وحدة الساحات، إلا أن ما يعانيه من حالة تأخر في الاستيعاب أوصله إلى نفق يبدو مظلما، ومستقبل مجهول.

تعاطى المجرمون في إدارتي مجرمي الحرب "ترمب"، و"نتنياهو"، مع قوى محور المقاومة على أنها في نهاية المطاف جزء من نسيج وثقافة هذه المنطقة، وبالتالي كما جرى تدجين الغالبية فيها فلن يتطلب جهدا كبيرا إخضاع هذه القوى. لهذا شهد مسار مواجهة الأربعين يوما إكثار "ترامب" و"نتنياهو" من التغريدات والتصريحات المتشنجة والدعايات الساذجة، التي تتوعد وتهدد حينا، وتلجأ إلى لعبة الاستخفاف بعقليات العالم بحديث لا وجود له إلا في مخيلتهما، حينا آخر.

إرادة في أعلى مستوى

لم يَعِ المجرمون في أمريكا و"إسرائيل" بأن تحرك محور المقاومة لم يقم على بحث عن مكاسب أو ضمان مصالح، وإنما انطلاقا من استشعار المسؤولية في مواجهة بلطجة أعداء الإسلام والمسلمين، مَن استباحوا الأرض والعرض، وزادوا في الاستهتار ومحاولة سلب الشعوب العربية والإسلامية حقوقها الطبيعية والمكفولة بموجب القوانين، فضلا عن كونها حقوقا لا تسمح عقيدة الإسلام بالتفريط فيها، لذلك ظهرت الإرادة لدى قوى المقاومة في أعلى مستويات الاستعداد للتضحية من أجل رد الطامعين والملوَّثين بأفكار الشيطان عن المساس بهذه الثوابت.

وهذه الثوابت هي ذاتها التي انطلق منها المحور في الإعداد للعدو بالقوة الممكنة، وهنا واجه الأعداء مفاجأة أخرى، فما عملوا على منع حدوثه بأن يمتلك العرب والمسلمون أي سلاح يمكن أن يكون له تأثير ملموس ويكون قادرا على رد أي استباحة، تلاشى مع القدرة التي ظهرت بها عمليات المحور في الدفاع والهجوم، بينما مثّل بعضها مفاجأة وعمَلاً إعجازياً، كحال ما كان بالنسبة لليمن الذي تعرض طوال عقد من الزمن لعدوان همجي بربري وحصار لا أخلاقي، خرج منهما صلبا قويا، ممتلكا من السلاح ما لوّى رؤوس قادة الاستكبار، ووصل به إلى عمق الكيان الإسرائيلي رغم بُعد المسافة، ووجه الضربات المُهينة للغطرسة الأمريكية، وأجبر ما تُعرف بأنها أقوى بحرية عالميا على الانسحاب.