موقع أنصار الله . تقرير| يحيى الشامي
بين مطرقة الديون العسكرية وسندان التضخم الطاقي، يقف المواطن الأمريكي اليوم متسائلاً هل تستحق أجندات الصهيونية ومشاريعها التوسعية كل هذا الثمن الذي يدفعه من لقمة عيشه وأمنه القومي؟ الإجابة -كما يبدو ووفقاً لشهادات خبراء ومختصين- ستكون مؤلمة وطويلة الأمد.
في ليلة رأس السنة الميلادية 2026، وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مزهواً أمام حشد من الصحفيين، معلناً أن "الاقتصاد الأمريكي يسير في المسار الصحيح نحو عظمة غير مسبوقة". استند ترامب في تفاؤله آنذاك إلى أسواق أسهم حطمت الأرقام القياسية وخلقت استقراراً نسبياً في الأسعار، لكن، وبعد ثمانية أسابيع فقط من صدور الأوامر ببدء العمليات العسكرية العدوانية ضد إيران، تبخرت تلك الوعود تاركةً المواطن الأمريكي أمام واقع مرير، فالحرب -التي وُعدوا بأنها ستكون "خاطفة وحاسمة"- تحولت إلى استنزاف بنيوي يهدد بتقويض أركان النظام المالي العالمي.
في الوقت الذي تهتم فيه وسائل الإعلام الأمريكي لتسويق أخبار وصور العمليات العسكرية في أصفهان وبوشهر وطهران، ثمة عداد آخر لا يتوقف في أروقة الخزانة الأمريكية، حيث تشير البيانات الصادرة عن موقع "تكلفة حرب إيران (Iran War Clock) إلى أن الولايات المتحدة أنفقت حتى اليوم الخامس والخمسين للحرب ما يتجاوز 61 مليار دولار، وهو رقم صادم يمثل نزيفاً شريانياً يهدد -فعلياً- أركان الاقتصاد الأمريكي؛ إذ تنفق واشنطن 11,500 دولار في كل ثانية تمر. وبحسب تقارير مسربة من البنتاغون قُدمت للكونغرس، بلغت كلفة الأيام الستة الأولى وحدها 11.3 مليار دولار، في معدل استهلاك مالي يتجاوز ما تم إنفاقه في ذروة حربي العراق وأفغانستان.
على الجانب الآخر، لم يكن الحليف الإسرائيلي بمعزل عن هذا التآكل؛ فقد سجلت ما تسى "وزارة المالية" الإسرائيلية خسائر مباشرة بقيمة 11.5 مليار دولار ضمن عملية ما يسمّيه الكيان بـ"زئير الأسد"، وهي مبالغ تم اقتطاعها اضطرارياً من ميزانية الخدمات والرفاه لعام 2026، ما ينذر بزيادة الاضطرابات الاجتماعية داخل كيان العدو الإسرائيلي إذا ما طال أمد الحرب، والذي يعاني أصلاً من كلف حروبه المستمرّة من العام 2023م.

لطالما حذر الجغرافيون وعلماء الاقتصاد من أن مضيق هرمز هو "أبهر" الاقتصاد العالمي، ومع بدء الأعمال العدائية الأمريكية والإسرائيلية على إيران، تحول التحذير إلى كابوس فعلي بالبدء بإغلاق المضيق أمام ناقلات النفط والغاز، ما تسبب في شلل شبه تام لخُمس إمدادات الطاقة العالمية، أسفر في ما أفرزه عن صدمة الوقود والتضخم، فقد قفزت أسعار خام برنت بنسبة 44% لتتجاوز حاجز 105 دولارات للبرميل. وفي الداخل الأمريكي، ارتفع متوسط سعر غالون البنزين إلى 4.06 دولارات، وهو ما وصفه كبير الاقتصاديين في "موديز"، مارك زاندي، بأنه "ضرر لا يمكن الرجوع عنه"، لأن تدمير منشآت الطاقة في الشرق الأوسط يعني أن الإنتاج لن يعود لمستويات ما قبل الحرب (100 مليون برميل يومياً) في أي وقت قريب.
الأمر الثاني الذي لا يقل كارثية على الاقتصاد هو ما يُعرف بفشل "خراطيم المياه"، إذ حاولت إدارة ترامب -عدة مرات بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية- امتصاص الصدمة عبر الإفراج عن كميات قياسية من المخزونات الإستراتيجية، إلا أن خبراء ومراقبين ضليعين بالاقتصاد -ومنهم الخبير "ستيفن اينيس"- وصفوا هذه الخطوة بـ"إنها كمن يوجه خرطوم مياه سقي حديقة من أجل إطفاء مصفاة نفط مشتعلة"، فالفجوة بين الطلب العالمي والإمدادات المقطوعة من هرمز أكبر بكثير من أي مخزون احتياطي.
.jpg)
تعد صدمة الغاز الطبيعي والمنتجات المشتقة والأسمدة الخطرَ الأكبر الذي بدأ يتسلل إلى الأسواق، فالحرب تسببت في أضرار بالغة بالبنية التحتية لتسييل الغاز، لا سيما في قطر حيث توقعت وكالة الطاقة الدولية -في تقريرها الصادر يوم الجمعة- أن تظل سوق الغاز العالمية تحت "ضغط شديد" طوال عامي 2026 و2027. وحذرت سارة بريدن، نائبة محافظ البنك المركزي البريطاني، من "خسارة تراكمية" بنحو 120 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال بحلول عام 2030. وتعد هذه الكميات المهولة من النقص كبيرة لدرجة أنها لا تعني برودة المنازل في الشتاء فحسب في أمثلتها الدُنيا، بل تعني توقف مصانع الأسمدة التي تعتمد كلياً على الغاز، والنتيجة الحتمية ستكون ارتفاعاً جنونيا في أسعار المواد الغذائية عالمياً. وهو ما لفت إليه البروفيسور جيفري ساكس، مؤكداً أن "أي شيء يُنقل على شاحنة، من طرود أمازون إلى رغيف الخبز، سيصبح أكثر كلفة" بسبب ارتفاع سعر الديزل، وكلفة المدخلات الزراعية.
وللمفارقة، ارتفع الدولار بنسبة 2.5% منذ بدء الهجوم، مدفوعاً بطلب المستثمرين على "ملاذ آمن". لكن هذا الارتفاع هو "سم في العسل" لترامب، فالدولار القوي يجعل الصادرات الأمريكية أغلى ثمناً، ما يعمق العجز لدى التجار. علاوة على ذلك، فإن العجز في الميزانية الأمريكية -الذي يتفاقم بمعدل مليار دولار يومياً ككلفة حرب- يثير شكوكاً عميقة حول استدامة الدين العام. المحللة كاثلين بروكس أكدت أن "جاذبية الدولار قد تنهار" إذا استمر الصراع، خصوصاً مع الضغوط التي تمارسها إدارة ترامب على استقلالية المؤسسات المالية والاحتياطي الفيدرالي.
هذا الأمر يضع أمريكا أمام المشهد القاتم من ركود تضخمي يلوح في الأفق، إذ بدأت تتجمع الآن خيوط "العاصفة الكاملة" لتضرب الاقتصاد الأمريكي وفق تحذيرات خبراء ومختصين. فعلى مستوى التضخم، من المتوقع أن يصل مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي إلى 4% بنهاية العام،
أما في سوق العمل فقد بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى (ميتا، مايكروسوفت) موجات تسريح كبرى، ليس بسبب الحرب فقط، بل بسبب ضغوط التكاليف والتحول نحو الذكاء الاصطناعي لتقليل العمالة البشرية، كما أن الناتج المحلي -وفق توقعات الخبراء- يؤدي إلى تباطؤ النمو إلى 1.8%، مع احتمالية عالية للدخول في "ركود تضخمي" إذا استمرت أسعار النفط فوق 100 دولار.
.jpg)
يسأل الأمريكيون -بإلحاح اليوم- هل فات أوان التراجع؟ يصر الرئيس ترامب على أن "إيران توشك على الهزيمة، وأنها تعد مقترحاً للاستسلام في إسلام آباد"، لكن -على أرض الواقع- لم يصدر عن طهران أي إشارة للموافقة على شروط واشنطن، بل العكس، فهي تهدد بحرب استنزاف "تدمّر الاقتصاد العالمي برمته"، ما يعني أن الفجوة بين "خطاب الازدهار" الذي يروج له البيت الأبيض وواقع "الطوابير عند محطات الوقود" في الداخل الأمريكي و"فواتير الحرب المليارية" بدأت تضيق، كاشفةً عن حقيقة صادمة، فالولايات المتحدة قد تكسب معارك تقنية بصواريخها، لكنها تخسرُ رهانها الأهم؛ وهو استقرارها الاقتصادي ومكانتها كقائد للنظام المالي العالمي، وكما قال جيفري ساكس: "التصعيد غير المنضبط قد لا ينتهي إلا بحرب عالمية، والبديل هو العودة فوراً إلى طاولة المفاوضات قبل أن ينهار كل شيء".
وبينما تواجه واشنطن خصماً خارجياً اختلقته إدراة ترمب وصنعت منه عدواً وفزاعة بتضخيم ذرائع وهمية وحجج واهية من بينها برنامجه النووي وترسانته الصاروخية المعقدة، اندلعت في هذا التوقيت حرب أخرى خلف أسوار البنتاغون، وصلت ذروتَها مع إقالة الجنرال راندي جورج، رئيس أركان الجيش، من قبل وزير الحرب بيت هيغسيث، والتي مثلت ذروة الصدام بين القيادة العسكرية المحترفة والقيادة السياسية "الأيديولوجية، حيث يرى المراقبون -وفق الشهادات والوقائع المتكررة- أن الوزير الصهيوني يرى أن الولاء فوق الكفاءة. وكما تشير تقارير إلى أن الجنرال جورج المُقال (صاحب الخبرة الطويلة '40 عاماً') عارض بشدة سيناريوهات "الغزو البري" لإيران، محذراً من أنها ستكون مقبرة للقوات الأمريكية وبداية لحرب عالمية ثالثة، لكن إدارة ترامب -التي تفضل "الولاء المطلق"- استبدلت به الجنرال كريستوفر لانيف الموصوف بالمبتدىء، وهو ما وصفه الكاتب فالنتين تولسكي بأنه "تخريب متعمد" للآلة العسكرية، حيث يُستبدل بالمحترفين متدربون ينفذون الأوامر دون نقاش، وهي حالة غير مسبوقة في تاريخ المؤسسة العسكرية الأمريكية التي ظلت تحتفظ بسمعة جيدة طيلة عقود، وهذه التصرفات تضعها في أتون صراعات سياسية تهدد استقلالها، وتزج بها في صراعات مؤدلجة ومسيسة تنسف آخر أركان ثقة المواطن الأمريكي بمؤسسات دولته الرسمية.
في هذا السياق جاءت تحذيرات خمسة وزراء دفاع أمريكيين سابقين -بينهم جيمس ماتيس- ويبدو فعلياً أنها بدأت تتحقق؛ فالجيش الأمريكي الذي كان مؤسسة مستقلة، أصبح "ساحة للصراع الأيديولوجي"، وهو ما يضعف الروح المعنوية والقدرة العملياتية في وقت تشير فيه المعطيات إلى أن إيران قادرة على شن "حرب استنزاف" طويلة الأمد، تستهدف البنية التحتية الحيوية وبقية المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة.