موقع أنصار الله . تقرير | يحيى الشامي
تؤكد المعطيات الميدانية في لبنان أن ما يسمى بـ"الهدنة" لم يتجاوز كونه غطاءً سياسياً تتحرك تحته آلة عسكرية لا تهدأ، يحاول من خلالها كيان العدو الإسرائيلي فرض واقع ميداني تعجز أدواته عن تثبيته، فبين "انتشار بالنار" لا يحمي مستوطناته، وتكتيكات مرنة تتبناها المقاومة الإسلامية، يتكشف ميزان قوة مختلف تماماً عما كان مرسوماً في حسابات المخططين للعدوان.
وقبل الخوض في قراءة معمّقة للعمليات والانتشار، نورد ما رُصد في الأوساط الصهيونية عن مسار وطبيعة العمليات القتالية في اليومين الأخيرين؛ حيث لا تكتمل صورة الميدان دون استقراء ما يدور في دوائر التحليل داخل كيان العدو الإسرائيلي نفسه، حيث تروي التصريحات قصة مختلفة عن الرواية الرسمية.
فقد أقر المحلل العسكري دورون كادوش بأن "نيران حزب الله تنفذ ضد القوات في الميدان بجنوب لبنان وأيضاً ضد المستوطنات الإسرائيلية ويتم إثبات ذلك بسقوط الدماء"، في اعتراف مكشوف بفشل الغطاء الناري في حماية الجنود والمستوطنين، وهو جوهر ما حاولت "إسرائيل" تسويقه كإنجاز استراتيجي.
أما المحلل للشؤون العربية إدي كوهين فكشف عن قلق استراتيجي أعمق، معترفاً بأن "حزب الله لديه استراتيجية، فهو يمارس ضغطاً علينا بالإضافة لربط الموضوع الإيراني بلبنان وتحقيق انسحابنا كما فعلنا عام ألفين"، قبل أن يوجز الخشية الإسرائيلية الكبرى بقوله: "يا للويل إن حدث ذلك". هذا التصريح يستحضر شبح هزيمة الماضي التي لم تندمل جروحها بعد.
وفي إشارة إلى التشتت الداخلي، قال مراسل القناة 12 في الشمال غاي فارون إن "هناك خشية من كارثة ستقع، والحكومة منشغلة بالانتخابات ومتخوفة مما سيكون عليه موقف ترمب تجاه إيران"، ما يفضح تخبطاً سياسياً يحكم قرار الميدان، ويجعل الجبهة أسيرة حسابات داخلية وخارجية لا تملك "إسرائيل" زمامها وحدها.
أما الرهانات على الداخل اللبناني، والتي عبر عنها المحلل السياسي يعقوب بردوغو بحديثه عن "تصفية حزب الله" و"غض طرف لبناني عن بقائنا"، فتصطدم بصلابة البيئة الحاضنة للمقاومة، وتماسك الجبهة الداخلية الذي أفشل كل محاولات الفصل بين المقاومة وأهلها، وهو رهان دأب كيان العدو على خسارته.
وتقدم هذه الشهادات حقيقة المأزق الميداني الذي يعيشه العدو ويعبر في الوقت ذاته عن خشية استراتيجية تظهر على شكل تخبط سياسي.

لم يعد الحضور العسكري لـ"إسرائيل" في جنوب لبنان يُقاس بعدد الجنود وحسب، وإنما بحجم النار التي يحاول من خلالها التعويض عن عجزه في السيطرة الميدانية. ووفق مصادر أمنية لبنانية، يعتمد جيش العدو نمطاً قتالياً قائماً على "الانتشار بالنار"، الذي ترجمه استهدافاً نارياً لنحو 60 بلدة وقرية ضمن ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، في اعتراف ضمني بصعوبة الاحتفاظ بمواقع ثابتة تحت ضغط عمليات المقاومة.
لكن هذا الغطاء الناري لم يفلح في حصر تأثير المقاومة الإسلامية التي لا تزال قادرة على تجاوز هذا النطاق نحو عمق الجليل المحتل، فالخريطة الميدانية تؤكد أن الاستهدافات طالت قرى وبلدات من النبطية إلى صور، في محاولة يائسة لفصل الجنوب عن بيئته الحاضنة، وهو رهان سبق أن أثبت فشله في تجارب سابقة.
ففي قضاء النبطية، تواصلت الغارات على يحمر الشقيف، كفر تبنيت، أرنون، جبشيت، وعدشيت. وفي مرجعيون على قبريخا، خربة سلم، والصوانة. وفي بنت جبيل غارات على بيت ياحون، برعشيت، تبنين، وصفد البطيخ. أما صور فكانت مسرحاً لاستهداف ممنهج كاد يغطي كامل القطاع من صريفا والطويري إلى دير قانون، رأس العين وباتوليه. وتشير المصادر إلى أن هذا التصعيد ينضوي ضمن استراتيجية "التشبع الناري"، الهادفة إلى إفراغ المنطقة من سكانها وتحويلها إلى حزام أمني عازل، بعد أن عجز العدو عن إخماد جذوة المقاومة.
تعكس طبيعة الاستهدافات الإسرائيلية مأزقاً عملياتياً يدفعها إلى الانتقال من استهداف المواقع الثابتة إلى ملاحقة الأهداف المدنية المتحركة. وقد لعبت المسيّرات دوراً مركزياً في تعقب السيارات والدراجات النارية، في نمط يصفه المراقبون بـ"الاصطياد اللحظي" الذي يستهدف عناصر المقاومة ووسائل نقلها، وقد سُجلت حوادث متكررة في الشهابية والبازورية وقانا ودبين، وصولاً إلى استهداف طريق العامرية – المنصوري.
وبالتوازي، لم يتوقف القصف المدفعي الأعمى على صريفا ومجدل زون وكونين، في حين واصلت الطائرات الحربية غاراتها على البنى التحتية المدنية، متذرعة باستخدام المقاومة لها، في سياسة عقاب جماعي مكشوفة.
لكن اللافت -وفق المصادر- أن كل هذا الغطاء الناري الكثيف لم يتمكن من تحقيق الهدف المعلن (تأمين مستوطنات الشمال)، وإنما على العكس، نجحت المقاومة الإسلامية في فرض معادلة الردع عبر إطلاق مسيّراتها النوعية، التي دوّت صفارات الإنذار إثرها في مستوطنات زرعيت وأفن مناحم وفسوطه وكفار جلعادي. هذه المفارقة تفسر لماذا وسّعت "إسرائيل" إنذارات الإخلاء لتشمل مناطق أعمق، بعد أن اكتشفت أن "انتشارها بالنار" لا يشكل رادعاً بقدر ما هو اعتراف بقصور قدراتها أمام خصم يمتلك زمام المبادرة.
في مقابل التخبط الإسرائيلي، تبرز قدرة حزب الله العالية على التكيف، مستفيداً من بنية قتالية متعددة الطبقات تتيح له الاستمرار في إدارة المعركة بكفاءة. وتوضح مصادر مقربة من المقاومة الإسلامية أن هذه البنية ترتكز على مستويين رئيسيين:
المستوى الأول بقاء النشاط العملياتي جنوب الليطاني عبر تكتيك "الانتشار المرن"، القائم على تفكيك الوحدات إلى مجموعات صغيرة عالية الحركة، تتجنب التمركز الثابت وتركز على المناورة. وقد أثبت هذا التكتيك قدرته على إفشال الرصد الاستخباراتي وحرمان طائرات العدو من أهداف ثابتة.
أما المستوى الثاني فيتمثل في التحول التدريجي لمنطقة شمال الليطاني إلى قاعدة إسناد متقدمة، تنطلق منها العمليات النوعية المعقدة. هذا التوزيع الجغرافي الذكي يخلق عمقاً عملياتياً يحمي القدرات الرئيسية، ويمنح المقاومة مرونة في إيقاع الاشتباك وتوقيته.
وبين المنطقتين، أثبتت خطوط الإمداد متانتها رغم محاولات الاستهداف الممنهجة، في دلالة على قدرة لوجستية متطورة، وخبرة في التعمية والتمويه أفقدت ضربات العدو فعاليتها، هذا الأداء هو تعبير عن انتقال المقاومة من عقلية الدفاع عن المواقع إلى إدارة حركة ديناميكية تمسك بزمام المبادرة وتمنع تثبيت أي معادلة ميدانية لصالح العدو.
في جنوب لبنان، لم تعد المسيّرات مجرد أداة تكتيكية، بقدر ما تحولت إلى مركز ثقل استراتيجي أعاد تعريف قواعد الاشتباك لصالح المقاومة الإسلامية. وبينما لا تزال "إسرائيل" تراهن على تفوقها الجوي التقليدي، نجح حزب الله في بناء منظومة جوية ذكية تجمع بين الاستطلاع والاستهداف في دورة نارية واحدة، قادرة على كشف الهدف وتعقبه وتدميره بدقة مذهلة.
أما النقلة النوعية الحقيقية فتمثلت في إدخال المسيّرات الموجهة بالألياف البصرية (FPV)، التي جعلت أنظمة التشويش الإلكتروني الأكثر تطوراً في ترسانة العدو عاجزة تماماً. هذه التقنية، التي تربط المسيّرة بالمشغّل عبر كابل مادي، جعلتها محصنة ضد أي تدخل إلكتروني، وتسمح بتوجيه دقيق حتى لحظة الإصابة، في حين يبقى موقع المشغّل مخفياً بالكامل. وبقدرتها على الطيران المنخفض جداً وبصمة حرارية شبه معدومة، أصبحت هذه المسيّرات تمثل كابوساً حقيقياً لجيش الاحتلال.
وقد تجسد هذا التحول في عملية "شوميراه" (30 أبريل 2026)، التي نفذتها المقاومة ضد موقع عسكري في الجليل الغربي المحتل، فالمسيّرة أحدثت انفجارات ثانوية في مخازن الذخيرة، مدمرة بطارية مدفعية كاملة، وموقعةً قتيلاً و12 جريحاً في صفوف العدو، المستوى من الدقة والأثر التدميري لم يكن ممكناً لولا التقنيات المتقدمة التي باتت بحوزة المقاومة.
وبالتكامل مع هذا الدور الهجومي، تواصل مسيّرات الاستطلاع الصغيرة تحليقها الدائم لتغذية بنك الأهداف وتحديثه، ما أتاح ما يمكن تسميته بـ"دورة الاستهداف الفوري". وإزاء هذا التطور، اضطر جيش العدو إلى اعتماد تدابير بدائية، كتركيب شبكات معدنية على آلياته، في مشهد يعكس حجم الإرباك الذي أحدثته هذه الصناعة النوعية للمقاومة.
لا يمكن فهم ديناميات المواجهة دون التوقف عند العامل الجغرافي، الذي يضاهي السلاح أهمية. فطبيعة الجنوب اللبناني (بتلاله وأوديته وتداخل قراه) تمنح أفضلية تكتيكية واضحة للمقاومة الإسلامية التي تجيد استثمار كل متر فيها. بينما يجد جيش العدو نفسه مكشوفاً في مناطق مفتوحة، خصوصاً عند محاولة تأمين جرافاته وآلياته، ما يجعله لقمة سائغة للمسيّرات والصواريخ الموجهة.
في ضوء هذه المعطيات، دخل الميدان مرحلة استنزاف مفتوح يرجح كفته تدريجياً لصالح المقاومة الإسلامية. "إسرائيل" -رغم ترسانتها الهائلة- تعجز عن ترجمة قوتها النارية إلى إنجاز استراتيجي، وتغرق في مستنقع جنوبي لا يحكمه التفوق التقليدي. في المقابل، تواصل المقاومة بقيادة حزب الله تطوير أدواتها وتكتيكاتها، ممسكة بزمام المبادرة ومانعة تثبيت أي واقع دائم يخدم أهداف كيان العدو. ما يجري ليس هدنة، بقدر ماهي إعادة تموضع ذكية في حرب طويلة النفس، ترسم فيها المقاومة الإسلامية قواعدها الخاصة، ويختبر فيها كيان العدو الإسرائيلي حدود عجزه.