القرآن الكريم، من منهجيته العظيمة، وهو كتاب الله الحكيم: أنَّه يعطي القضايا المهمة أهميَّةً، وسواءً:
- فيما يتعلَّق بطريقة تقديمها، وأسلوب تقديمها، بالشكل الذي يتضمَّن ما يُشْعِر بأهميتها، في نفس صياغة القرآن الكريم، وطريقة التَّقديم.
- أو في المساحة التي يعطيها.
ولهذا نجد أنَّ القرآن الكريم أعطى مساحةً واسعة للحديث عن فريق الشرِّ من أهل الكتاب: اليهود ومن معهم من النصارى، الذين قال عنهم: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}[المائدة:51]، عن خطورتهم، وعن عداوتهم الشديدة لهذه الأمَّة، وعن أنَّهم الأعداء الرئيسيون لهذه الأمَّة على امتداد تاريخها، وبمقدار ما يشكِّلونه من خطورةٍ كبيرةٍ عليها في دينها ودنياها، كل هذا يفيده، ما قدَّمه القرآن الكريم من هدًى عظيم يتعلَّق بذلك، ومن مساحةٍ واسعة عن الحديث عنهم.
ولذلك نجد أنَّه من المؤسف جدًّا أن تكون الأمَّة الإسلامية في حالة غفلة من جهة، وفي حالة جهل رهيب من جهة عن أولئك الأعداء، بالرغم من الحديث الواسع عنهم في القرآن الكريم، الحديث الذي فيه الهداية الكاملة، سواءً:
- في التشخيص لهم، والتقييم لهم، والحديث عن طبيعة خطورتهم، وعن طبيعة الصراع معهم.
- أو الهداية لكيفية المواجهة لخطرهم، ودفع شرِّهم.
في (سورة البقرة) مساحة واسعة من الحديث عنهم، الحديث عن اليهود، والحديث أحياناً كذلك بشكلٍ أوسع عن فريق الشر من أهل الكتاب بشكلٍ عام، في هذه التربية القرآنية، تصيغ النفس المسلمة لتكون كذلك، يعني: مثلما القرآن الكريم يعطي القضايا المهمة أهمية في حديثه عنها، في طريقة تقديمها، في ما يعطيها من المساحة، هذه أيضاً تربية إيمانية وقرآنية لنا كمسلمين، لمن يهتدي بالقرآن الكريم، أن يكون على هذا النحو: أن يعطي القضايا المهمة أهميتها، أن يتفاعل معها على أساسٍ من هذا الوعي، من الشعور بأهميتها الكبيرة، ومن خطورة التفريط فيها، والتجاهل لها، والغفلة عنها، وهذا جانبٌ من الاهتداء بالقرآن الكريم: أن يستشعر الإنسان أهمية ما أعطاه القرآن أهميَّةً، وأن يتفاعل على هذا الأساس.
حينما نعود إلى القرآن الكريم، يجب أن نركِّز على الإصغاء، وعلى التفهُّم، وأن نوطِّن أنفسنا على الالتزام بما فيه من تعليمات وتوجيهات؛ بهذا تتحقَّق الهداية، الاهتداء بالقرآن الكريم، حينما يكون إنسان مصغياً لهدى الله، متفهِّماً، وفي نفس الوقت يوطِّن نفسه على الالتزام، بدون ذلك؛ مهما سمع الإنسان من الهدى، ومهما شاهد من مصاديق في الواقع، تتحقَّق في أرض الواقع، فيمكن ألَّا ينتفع بذلك:
- لا في اكتساب الوعي اللازم.
- ولا على مستوى الجانب النفسي: في زكاء النفس، في ترسيخ حالة الاهتمام فيها، والشعور بالمسؤولية، والتفاعل الجاد مع الأمور المهمة، التي لها أهميَّتها بالنسبة للإنسان في الدنيا والآخرة.
- ولا حتى في أن يتحصَّن الإنسان بالهدى، والبصيرة، والوعي، من التضليل: التضليل حتى على مستوى الموقف، التضليل حتى على مستوى التوجه العملي، والتضليل على مستوى مسيرة الإنسان تجاه هذه المخاطر ومواقفه منها.
هذه مسألة مهمة جدًّا، هناك نصٌ مفيدٌ لشهيد القرآن "رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ"، قال فيه: ((عندما يكون الإنسان غير مهتم، ولو كان في عصرٍ مليءٍ بالأنبياء، ولو كانت آيات الله تتنزل، ولو يشاهد عصى موسى تتحوَّل إلى ثعبان، إذا لم تبنِ عليها قاعدةً أساسيةً عندك: التزاماً، وفهماً، ووعياً؛ فستكون عرضةً للتضليل))، وفعلاً هذا النص مهم، ومفيد، وواقعي.
نجد- مثلاً- في قصة نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" وبني إسرائيل، نبيٌ عظيم، ورسولٌ كريم هو موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، كليم الله، بما أعطاه الله من الآيات العجيبة، والمعجزات العظيمة، وبما أهَّله له من دورٍ عظيم لإنقاذ بني إسرائيل وهدايتهم، ومعه إلى جانبه أخوه هارون "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، كذلك جعله الله رسولاً ونبياً ووزيراً، يعين موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، ومنَّ الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" بالهداية والنور على موسى وهارون، لهداية بني إسرائيل، ولإنقاذهم وخلاصهم، وشاهد بنو إسرائيل موسى وهارون، والمعجزات العجيبة، والآيات الكبيرة والعظيمة، آيات كبرى، وصفها الله في القرآن بأنها كبرى، يعني: من الآيات العجيبة جدًّا، منها: الآيات المتعلِّقة بعصى موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، ومنها: الخلاص العظيم الذي كان بآية عظيمة جدًّا، بانفلاق البحر وخروج بني إسرائيل من بين البحر، بعد أن فلقه الله لهم بسلامٍ واطمئنان، وغرق أعدائهم وهم ينظرون... وغير ذلك، آيات عجيبة جدًّا، ثم بعد ذلك تمكَّن السامري من أن يضلهم بكلِّ بساطة، بكلِّ بساطة، أن يضلَّهم ضلالاً كبيراً، ضلالاً عظيماً، كيف لم يتأثروا بكل تلك الآيات التي قد شاهدوها، ولا بما كانوا قد سمعوه من الهدى من موسى وهارون؟ كل ذلك لم يحصِّنهم من الضلال، لماذا؟ لأن هذه هي الإشكالية: عدم التفهُّم، الإصغاء، التوطين للنفس على الالتزام، الارتباط الوثيق بهدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
ونحن في هذا العصر، الإنسان فيه معرَّض لحملات كبيرة جدًّا، من الدعاية، والإعلام المليء بالإضلال، الموجَّه إلى الناس، وحالة اللوم الكثيرة، وكذلك ضغط الأحداث، والعوامل المتنوعة المؤثِّرة سلباً في نفوس الناس، فالإنسان أحوج ما يكون إلى أن يستوعب هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، يستوعب- في الحد الأدنى- الثوابت والمفاهيم الأساسية، التي تحصِّنه من الضلال، من الزيغ، والتي تحميه من التأثُّر بما يأتي من جهة الأعداء، وبالعوامل المؤثِّرة السلبية، التي تدفع الإنسان للانحراف أو الزيغ، أو تتَّجه به اتِّجاهاً بعيداً عن هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
المحاضرة الثانية ضمن سلسلة محاضرات (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)
للسيد القائد/ عبد الملك بدر الدين الحوثي "يحفظه الله"
الأربعاء: 3/12/1447هـ