موقع أنصار الله| محمد ناصر حتروش:

 تأتي الذكرى السادسة والعشرون لتحرير جنوب لبنان من الاحتلال الصهيوني، فيما تواصل المقاومة الإسلامية خوض مواجهة شرسة مع العدو الإسرائيلي الذي يسعى لإعادة فرض احتلاله على الأراضي اللبنانية، في مشهد يؤكد مجدداً أن مشاريع التوسع والسيطرة الصهيونية باتت تواجه واقعاً ميدانياً مختلفاً فرضته المقاومة بإرادتها وقدراتها العسكرية.

وتؤكد تطورات الميدان، كما حدث في الخامس والعشرين من مايو عام 2000، أن معادلة المواجهة ما تزال قادرة على فرض نفسها في وجه العدو الصهيوني، بما يبدد رهانات الصهاينة وحلفائهم على كسر إرادة المقاومة أو إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

في السياق، يؤكد الخبير العسكري اللبناني العميد منير شحادة أن فعالية أي مقاومة تكمن من خلال قدرتها على تحويل الإنجاز العسكري إلى مكسب سياسي واستراتيجي دائم، مشيراً إلى أن المعضلة الكبرى تظهر حين ينشأ تناقض بين الجبهة المقاتلة والجبهة الدبلوماسية الرسمية.

وفي حديثه لموقع أنصار الله، يقول شحادة: "إن المقاتل الذي يواجه العدو في القرى الحدودية ويمنع التوغل ويستنزف قواته، يحتاج إلى الشعور بأن خلفه دولة تُراكم على تضحياته لا سلطة تفاوض من موقع الضعف أو الاستعجال، باعتبار أن الحرب في جوهرها ليست مجرد تبادل للنيران بل صراع إرادات".

ويضيف: "إن شعور الميدان بأن السياسة تتجه نحو تقديم تنازلات قبل تثبيت الوقائع التي صُنعت بالدم، يولد انطباعاً بأن الإنجاز العسكري يُستهلك تفاوضياً بدلاً من استثماره وطنياً"، مردفاً أن التاريخ العسكري مليء بحالات فرضت فيها القوى المقاتلة شروطها رغم هشاشة الموقف السياسي الرسمي.

ويبين أن ميزان القوة الحقيقي لا يُصنع في بيانات الحكومات وحدها، بقدر ما يصنعه الميدان وما فعلته المقاومة حرفياً بالكيان الصهيوني، إذ تواصل تكبيد العدو خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.

ويشير إلى أن عجز العدو الإسرائيلي عن تحقيق اختراق حاسم، أو وقوعه في استنزاف طويل، يدفعه للتعامل مع الوقائع التي يفرضها المقاتل حتى لو كان الخطاب الرسمي اللبناني أقل صلابة، مؤكداً أن المقاتل يفرض شروطه عبر ثلاثة عناصر رئيسية، أولها منع العدو من تحقيق صورة النصر، لأن الاحتلال يسعى جاهداً إلى تكريس صورة ردع نفسية وسياسية.

ويوضح أن فشل التوغل أو إطالة أمد المواجهة دون حسم يتحول إلى عامل ضغط على القيادة الصهيونية نتيجة الاستنزاف البشري والمادي، لافتاً إلى أن الاستمرارية القتالية تمثل العنصر الثاني، إذ إن بقاء الجبهة فعالة رغم القصف والخسائر يعني أن قرار القتال لم يُكسر، الأمر الذي يُفقد الخصم رهانه على الإنهاك السريع.

ويلفت إلى أن الاحتضان الشعبي يشكل العمق الاستراتيجي لأي مقاومة، لأن فقدان البيئة الشعبية يعني فقدان القدرة على الاستمرار، بينما يمنح استمرار الالتفاف الشعبي المقاتل قدرة أكبر على الصمود حتى في ظل ضعف أو ارتباك الموقف الرسمي.

وحول تأثير الأداء الدبلوماسي الضعيف على المعنويات، يلفت شحادة إلى أن هذا التأثير حقيقي لكنه ليس حاسماً دائماً، لأن غالبية حركات التحرر تبني عقيدتها على فرضية أن الميدان قد يسبق السياسة، وأن السلطة الرسمية قد تلحق لاحقاً بما يفرضه ميزان القوى.

ويفيد أن المقاتل يعتبر مهمته الأساسية منع الهزيمة وحرمان العدو من فرض شروطه، لا انتظار انسجام كامل مع الخطاب الرسمي، مشدداً على أن الحروب غير المتكافئة كثيراً ما تشهد انتصاراً ميدانياً يتأخر المسار السياسي في ترجمته أو يحاول احتواءه، إلا أن نجاح المقاتل في تثبيت معادلة ردع طويلة الأمد يحول الوقائع الميدانية تدريجياً إلى حقائق سياسية يصعب تجاوزها مهما بدا الخطاب الرسمي ميالاً إلى التسويات في بعض المراحل.

بدوره، يؤكد الخبير العسكري اللبناني العميد مالك أيوب أن استراتيجية المقاومة السياسية والعسكرية ترتكز اليوم على منع العدو الإسرائيلي من تحقيق أي إنجاز ميداني، واستنزاف قدراته العسكرية، ورفع كلفة بقائه في المناطق التي توغل إليها في جنوب لبنان، بهدف إرغامه على الانسحاب وهو يجر أذيال الخيبة دون قيد أو شرط.

ويشير في حديثه لموقع أنصار الله إلى أن المقاومة تكثف خلال الأيام الماضية إطلاق أسراب من المسيرات والمحلقات الانقضاضية ضد مواقع وتجمعات جنود العدو، سواء داخل الأراضي اللبنانية أو في مستوطنات شمال فلسطين المحتلة، في إطار دفع جيش العدو إلى التمركز في حالة دفاع دائم ومنعه من تحقيق أي تقدم ميداني.

ويبين أن المحلقات التي تعمل عبر الألياف الضوئية تحولت إلى "كابوس" بالنسبة للجندي الإسرائيلي، نتيجة ما تفرضه من شلل في الحركة وحالة بحث مستمرة عن أماكن للاختباء، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على فعالية الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، مؤكداً أن قناة 12 العبرية أقرت بأن مسيرات حزب الله نجحت في تقليص حرية العمل العسكري لجيش العدو في جنوب لبنان بنسبة تصل إلى 80 بالمئة، ما يعكس حجم التأثير الذي تفرضه المقاومة على مسار العمليات الميدانية.

ويوضح أن السلطة اللبنانية تخضع في أدائها لإملاءات الوصاية الأمريكية والصهيونية، خصوصاً فيما يتعلق بالتضييق على المقاومة وبيئتها الشعبية، مشيراً إلى أن الأمين العام لـ حزب الله، نعيم قاسم، لوّح بسقوط هذه السلطة في الشارع، معتبراً أنها عاجزة عن حماية السيادة والمواطنين، وأن استمرارها بهذا الأداء يفرض عليها الرحيل.

لبنان يهزم أطماع الاحتلال مجدداً

ويحتفي اللبنانيون بالذكرى السادسة والعشرين لتحرير البلاد من الاحتلال الإسرائيلي، وهم في خضم مواجهة شاملة وغير مسبوقة مع العدو الإسرائيلي في جنوب لبنان، والذي يسعى إلى العودة مجدداً لاحتلال البلد، غير أن عمليات المقاومة العسكرية النوعية والالتفاف الشعبي وراء المقاومة كفيلان بمنع العدو الإسرائيلي وتحطيم كل آماله وطموحاته.

وحول هذا الشأن، يؤكد الكاتب والباحث السياسي اللبناني جواد سلهب أن ذكرى تحرير الجنوب اللبناني محطة تاريخية استثنائية، كونها إعادة تأكيد على معادلة سياسية ووطنية فرضها الميدان منذ عام 2000 وحتى اليوم، تقوم على أن السيادة اللبنانية لم تُنتزع عبر البيانات الدبلوماسية أو الرهانات الدولية، وإنما عبر فعل المقاومة التي حولت الاحتلال من واقع دائم إلى هزيمة تاريخية.

وفي حديثه لموقع أنصار الله، يوضح سلهب أن التحرير شكّل محطة مفصلية في الوعي الوطني اللبناني والعربي، بصفته أنهى احتلالاً دام عقوداً، وأسقط للمرة الأولى صورة الجيش الذي لا يُهزم، وفتح الباب أمام نموذج جديد من الردع الشعبي القادر على فرض التوازنات.

ويبين أن المقاومة منذ ذلك التاريخ تحولت إلى عنصر تأسيسي في معادلة حماية لبنان، لا سيما في ظل ما يصفه بعجز الدولة البنيوي وارتهان جزء من القرار الرسمي للولايات المتحدة، موضحاً أن الواقع الحالي يعيد طرح السؤال حول الجهة التي تحمي السيادة فعلياً، متسائلاً عما إذا كانت السلطة التي تكتفي بالبيانات الدبلوماسية في مواجهة الاعتداءات الصهيونية، أم المقاومة التي فرضت عبر الميدان قواعد اشتباك حالت دون تحويل لبنان إلى ساحة مستباحة.

ويعتبر سلهب أن التباين بين صمود الميدان وارتباك الموقف الرسمي يمكن حصره في صراع مشروعين فقط؛ أحدهما يرى في القوة الوطنية عنصر ردع وسيادة يجب التمسك به، والآخر يعتقد أن تقديم التنازلات السياسية والأمنية قد يفتح باب "الاستقرار" حتى ولو جاء ذلك على حساب عناصر القوة اللبنانية.

ويبين أن التجربة اللبنانية منذ اتفاق 17 أيار وحتى مرحلة ما بعد التحرير أثبتت أن كل محاولة لفصل لبنان عن عناصر قوته كانت تنتهي إلى مزيد من الانكشاف، موضحاً أن الدولة التي عجزت لعقود عن حماية أرضها وفرض تطبيق القرارات الدولية على الاحتلال، تجد نفسها اليوم أمام خيار الاستفادة من قوة المقاومة كعامل حماية وتوازن أو التحول إلى سلطة تفاوض من موقع الضعف وتنتظر الضمانات الخارجية.

ويحذر سلهب من خطورة بعض المقاربات الرسمية التي تتعامل مع المقاومة كعبء سياسي ينبغي التخلص منه، لا كورقة قوة استراتيجية يجب استثمارها وطنياً، معتبراً أن ذلك يعكس خللاً في فهم طبيعة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي الذي لا يعترف إلا بمنطق القوة والردع.

ويشير إلى أن تاريخ المنطقة يثبت أن الاحتلال انسحب مرغماً تحت ضغط الكلفة الأمنية والعسكرية والسياسية، مؤكداً أن أي تفاهمات أو اتفاقات لا تضمن تحرير كامل الأراضي اللبنانية وحماية السيادة الفعلية ستبقى فاقدة للشرعية الوطنية والشعبية.

ويرى أن البيئة التي احتضنت خيار المقاومة وقدمت التضحيات لن تقبل بتحويل الإنجازات الميدانية إلى أوراق تنازل ضمن التسويات السياسية، مشدداً على أن الرهان على تبدل الموقف الأمريكي أو على الضمانات الدولية أثبت هشاشته في ظل الانحياز الغربي الواضح للاحتلال.

ويتابع أن أي سلطة تتخلى عن عناصر القوة الذاتية، وفي مقدمتها المقاومة، إنما تتنازل عملياً عن آخر أوراق التوازن التي يمتلكها لبنان.

ويختتم سلهب بالتأكيد على أن ذكرى التحرير تمثل لحظة سياسية وأخلاقية لإعادة تعريف مفهوم الدولة والسيادة، معتبراً أن الدولة الحقيقية لا تُبنى بالتخلي عن مصادر قوتها بل بتكاملها معها ضمن مشروع وطني يحمي الأرض والقرار الوطني، فيما لن يؤدي الرهان على الدبلوماسية المجردة في مواجهة عدو توسعي مدعوم دولياً سوى إلى مزيد من الضعف والانكشاف.

من جهته، يؤكد مدير موقع الخنادق نيوز الدكتور محمد شمص أن الذكرى السادسة والعشرين لانتصار المقاومة وتحرير جنوب لبنان تمثل محطة لتأكيد صمود المقاومة وثباتها، مشيراً إلى أن هذا الانتصار الذي أهداه الأمين العام السابق لـ حزب الله، حسن نصر الله، للأمة الإسلامية والعربية وأحرار العالم ما تزال تداعياته حاضرة حتى اليوم.

ويقول شمص في حديثه لموقع أنصار الله: "إن جنوب لبنان ما يزال صامداً ومحتسباً ومقاوماً، وإن البيئة الشعبية الداعمة للمقاومة ترفض الذل والاستسلام للعدو، وتواصل الدفاع عن نفسها رغم ما تتحمله من تضحيات وأثمان"، مضيفاً: "إن المقاومة ما تزال محافظة على حضورها وقوتها، وتواصل الدفاع عن لبنان وجنوبه"، مؤكداً أن ما تغيّر اليوم ليس المقاومة بل طبيعة المواجهة واتساع ساحاتها.

ويلفت إلى أن الجناح الأمريكي في لبنان كان موجوداً منذ اجتياح الاحتلال الإسرائيلي للبنان، وكان يؤدي دور الوكيل له، غير أن هذا الدور تراجع بفعل قوة المقاومة وحلفائها، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي توهما بعد أحداث السابع من أكتوبر أن المقاومة ضعفت، إلا أنها كانت تعمل على ترميم قدراتها ومعالجة ثغراتها والاستعداد للمواجهة الكبرى، بحسب تعبيره.

ويفيد شمص أن الحرب الأخيرة أظهرت حجم قوة المقاومة وفعاليتها وتأثيرها، وأنها نجحت في رسم معادلة جديدة في جنوب لبنان، الأمر الذي تسبب بحالة قلق وإرباك لدى الاحتلال الإسرائيلي نتيجة عجزه عن مواجهة قدرات المقاومة وصواريخها ومسيراتها.

ويجزم أن ساحة المقاومة امتدت لتشمل اليمن والعراق وإيران وغزة، معتبراً أن المقاومة لم تعد وحيدة كما كانت عام 2000، في ظل صعود محور المقاومة وتقدمه استراتيجياً في مواجهة الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي.

ويرى أن الولايات المتحدة والاحتلال يبذلان جهوداً كبيرة لإضعاف المقاومة في لبنان، إلا أن المقاومة ما تزال قادرة على فرض المعادلات الميدانية، لافتاً إلى أن شخصيات صهيونية تتحدث عن تحول جنوب لبنان إلى "كمين وفخ استراتيجي"، وعن خسائر يتكبدها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في الجبهة اللبنانية.

ويعتبر شمص أن الدعم الأمريكي يمثل العامل الأساسي في استمرار قدرة الاحتلال على مواصلة الحرب، مضيفاً أن لبنان بعد اغتيال السيد حسن نصر الله شهد تشكيل حكومة عملية وملتزمة بالأجندة الأمريكية والإسرائيلية، وتتجه نحو التطبيع والترتيبات الأمنية مع العدو.

وينوه إلى أن الجناح الأمريكي داخل لبنان بات يمتلك نفوذاً داخل السلطة السياسية، لكنه يؤكد في المقابل أن المقاومة ما تزال تحظى بقاعدة شعبية واسعة وتواصل القتال في الميدان بقوة.

وخلص إلى أن جميع المحاولات الأمريكية والصهيونية لتغيير موازين القوى في لبنان فشلت وستفشل، معتبراً أن معركة إخراج الولايات المتحدة من المنطقة قد بدأت، وأن محور المقاومة وحلفاءه يواصلون المواجهة في إطار المواجهة الكبرى مع الأمريكي والصهيوني، معرباً عن تفاؤله بانتصار محور المقاومة في المرحلة المقبلة.