موقع أنصارالله . تقرير

في كل عام هجري جديد، نقف أمام حدث تاريخي عظيم غيَّر مجرى البشرية وأسس لأمة لن تموت، إنها الهجرة النبوية، تلك اللحظة الفارقة التي تحول فيها الكيان الإسلامي إلى مشروع دولة، ومن فكرة مضطهدة إلى واقع مجسد، إنها ذكرى ميلاد الأمة الإسلامية "الهجرة النبوية" وانطلاق التاريخ الإسلامي بنبض جديد، ونحن اليوم، وأمتنا تعيش واحدة من أخطر مراحلها وأشقها، والحاجة فيها ماسة إلى كل ما يصلح العقول ويشحذ الهمم، تأتي ذكرى الهجرة النبوية لتعيدنا إلى سيرة رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وإلى حركة الأنبياء وأعلام الهدى الذين حملوا مشروع التغيير في وجه الظلم والطغيان، مشروع تحرير الإنسان من عبودية البشر إلى عبودية الله وحده.

إن النظرة القرآنية للرسالة الإلهية تتمثل في كونها مشروع متكامل لتحرير الإنسان، تحريره من استعباد البشر له، ومن كل أشكال الاستغلال والهيمنة، ومن التبعية العمياء للطواغيت. يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}. فالقضية جوهرية: عبادة الله تتحقق بالخلاص من الطاغوت، ذلك الكيان الذي يستعبد الناس ويسلب كرامتهم ويفرض عليهم هوان الانقياد والذل، وهذه الرسالة هي رحمة متجسدة وخلاص من المآسي ونهضة بالكرامة وبناء للإنسان العابد الحرّ المستقيم على منهج ربه المطمئن بقلبه الزكي في نفسه القوي في موقفه.

دروس من هجرة النبي الأكرم

بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، دخلت الأمة الإسلامية مرحلة جديدة ومفصلية، تمثلت في بناء كيان الأمة وتأسيس واقعها على أساس المبادئ والتوجيهات والقيم الإلهية التي نزل بها الوحي في كتاب الله، وما تلقاه الرسول صلوات الله عليه وآله من تعليمات مباشرة من الله سبحانه وتعالى، لقد شكلت هذه المرحلة نقطة تحول حاسمة في تاريخ البشرية، حيث انتقل الإسلام من مرحلة الدعوة الفردية إلى مرحلة بناء الدولة والمجتمع.

 تعيش الأمة الإسلامية اليوم واقعًا مترديًا يعاني من حالة تيه وضياع وانحراف عن المسارات الرئيسية التي رسمها الإسلام لبناء الأمة وتحريرها، ويعود هذا التردي إلى حد كبير إلى تغلغل مفاهيم مغلوطة ومسارات منحرفة في الفكر الإسلامي بفعل أيدٍ خفية من الطغاة والمضللين والمنافقين واليهود المعاندين، مما أدى إلى تفكك الأمة وتبعيتها لقوى الطاغوت والاستكبار، وبالتالي فإن الأمة الإسلامية بحاجة إلى العودة إلى الإسلام في أصالته، متمثلة في منهج القرآن وسيرة رسول الله صلوات الله عليه وآله، باعتبارهما الحل الوحيد لمشاكل الأمة واستعادة عزتها وكرامتها.

مرحلة ما بعد الهجرة: التأسيس والبناء

لقد أسس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة كيان الأمة الإسلامية على أسس متينة، منها الأسس التشريعية المستمدة من نصوص القرآن الكريم والوحي المباشر، والأسس القيمية والأخلاقية التي تربي الفرد والمجتمع على الفضيلة والعدل، والأسس التنظيمية التي تضبط العلاقات بين أفراد المجتمع وتحدد الحقوق والواجبات، وكان الهدف من هذا البناء هو إقامة مجتمع متحرر من عبادة الطاغوت، مستقل في قراره، يسعى لتحقيق العدل والإصلاح في الأرض.

اليوم تواجه الأمة الإسلامية تحديات وأخطار بالغة تتمثل في حالة رهيبة من التشويش والتضليل عبر وسائل متعددة، وفي ظل هذا الواقع تصبح العودة إلى رسول الله صلوات الله عليه وآله وسلم قدوة وقيادة، وإلى القرآن الكريم منهجًا، ضرورة ملحة وإلزامية، لأن هذه العودة تمثل الحل لمشاكل الأمة، وسبيل تحقيق النجاة والعزة والكرامة، ووسيلة للحماية من محاولات الخداع والتضليل.

 المفاهيم الضالة وأثرها على الأمة الإسلامية

تعاني الأمة الإسلامية اليوم من تغلغل مفاهيم مغلوطة حُسبت ظلمًا وبهتانًا على الإسلام والرسول والقرآن، وقد سعت أطراف متعددة من طغاة ومضللين ومحرفين ومنافقين إلى نشر هذه المفاهيم بهدف تجريد الأمة من مبدأ التحرر والاستقلال، وتدجين الأمة لصالح الطغاة والمستكبرين، وإفقاد الأمة وعيها وبصيرتها، وأسفرت هذه المفاهيم الضالة عن نتائج كارثية على الأمة الإسلامية، تمثلت في تقديم إسلام مشوه لا يحق حقًا ولا يبطل باطلًا، وتفكك الأمة وتفرقها وشتاتها بشكل لا نظير له في أي أمة أخرى، وفقدان الأمة لدورها الريادي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح، وتحول الكثير من أبناء الأمة إلى أدوات هدم وإجرام في خدمة الطغاة. وقد نجح أعداء الأمة في تجريد الإسلام من مبادئه الأساسية، فأحدثوا اختراقات خطيرة في الفكر الإسلامي، منها تجريد الأمة من الوعي والبصيرة مما جعلها قابلة للتضليل والخداع، وتجريد الأمة من مبدأ المسؤولية حتى أصبح الكثيرون يعتبرون أن الإسلام مجرد طقوس وعبادات محدودة لا علاقة لها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة العدل ومحاربة الظلم.

مفهوم المسؤولية في القرآن الكريم

تحتل آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة العدل، والجهاد في سبيل الله، مساحة أوسع في القرآن الكريم مقارنة بأي فريضة أخرى كالصلاة والصيام والزكاة والحج، وهذا يدل على أن الإسلام دين مترابط، فإذا فصل جانب منه عن الجوانب الأخرى فقد ذلك الجانب المتبقي أثره في الحياة إلى حد كبير.

 إن فصل الجانب الروحي والتربوي عن جانب المسؤولية والمنهج العملي في الحياة يمكن أن يؤدي إلى استغلال الشعائر الدينية من قبل الطغاة لتدجين الناس، وتحول المساجد إلى منابر للتخدير والتعطيل عن المسؤولية، وفقدان العبادات لقيمتها وأجرها إذا لم تثمر تربية إيمانية تدفع إلى موقف عملي من المنكر. كما أن فصل جانب المسؤولية عن الجانب التربوي والأخلاقي يحوله إلى ميدان تسلط واستغلال يفتقر إلى الروحية والقيم التي تؤهل لأداء سليم.

 وقد حدد القرآن الكريم خيرية الأمة الإسلامية بقوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ}، وعليه فإن الأمة أو المجتمع أو الفرد الذي لا يلتزم بهذه التعليمات لا يمكن اعتباره من الأخيار مهما تزين بصفات العبادة أو العلم، بل إن تعطيل هذه المسؤولية حول الأمة إلى أسوأ أمة، والجهاد في سبيل الله فريضة عظيمة لا غنى عنها للأمة، لأن الأمة التي تسعى للسير على منهج الله ستُمنع وتُقاتل من قبل قوى الطاغوت والشر والفساد، والجهاد هو وسيلة الأمة للدفاع عن نفسها وحريتها واستقلالها ضد الأعداء الذين يستهدفونها عسكريًا واقتصاديًا وثقافيًا، فالتحرر من سيطرة الطاغوت يتطلب قوة وجهادًا لمواجهة قوى الاستكبار التي تريد للأمة أن تكون خاضعة مستعبدة.

منهج القرآن في مواجهة التحديات

يقدم القرآن الكريم منهجًا قائمًا على اليقظة والحذر والوعي والمسؤولية، ويرفض منطق القعود والسكوت والاستسلام، ويتجلى هذا المنهج بوضوح في سورة التوبة التي تمثل سورة استنفار وتعبئة وتحفيز، تعطي وعيًا عاليًا بالعدو وتحدد كيفية مواجهته، تتناول الآيات 38-39 من سورة التوبة قضية التثاقل عن النفير، فالاستفهام التوبيخي {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ} يشير إلى خطورة حالة البطء والتردد، فهي حالة غير مقبولة في الإسلام، والوعيد الإلهي {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} موجه للمؤمنين الذين يصلون ويصومون لكنهم لا يريدون تحمل المسؤولية، وهذا يدل على أن تعطيل فريضة الجهاد يوجب العذاب الإلهي مهما كانت الأعمال الأخرى. وتشير الآية 120 من سورة التوبة {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ} إلى أن التخلف عن الجهاد هو سلوك لا يليق بالأمة، والقدوة في أداء هذه الفريضة هو الرسول نفسه، ومن يخالف ذلك فهو خارج عن الاقتداء به.

يعرض القرآن الكريم نماذج المتخلفين في سورة التوبة بصور متعددة، فيصفهم بأنهم {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ}، فذنبهم الأول هو القعود نفسه والذنب الثاني الفرح بهذا القعود واعتباره صوابًا وحكمة واستخفافهم بالمجاهدين، ويذكر أنهم {وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ}، ووصولهم إلى درجة كراهية الجهاد يدل على خواء إيماني وفراغ روحي. كما أنهم {وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ}، فلا يكتفون بقعودهم بل يسعون لتثبيط الآخرين بحجج واهية، فيرد الله عليهم بقوله {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً}. ومن أشد العقوبات التي يصفها القرآن لهم أنه {وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ}، وهذه عقوبة إلهية خطيرة تترتب على الرضى بالقعود، ولها نتيجتان مدمرتان: الأولى انعدام المشاعر الإنسانية فلا تتأثر قلوبهم بالمآسي والجرائم، والثانية انغلاق الفهم فيصبحون في غباء وجهل شديدين لا يفهمون الأحداث ولا عواقبها.

 ويصفهم القرآن بأنهم {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ}، أي أنهم يشبهون النساء والصبيان الذين لهم عذرهم، فهذه حالة معيبة ومخزية لا تليق بالرجال أصحاب المسؤولية، بل يصل الأمر إلى أن الله يأمر نبيه بعدم الصلاة عليهم وعدم القيام على قبورهم كما في الآية 84، وهذا يدل على شدة مقت الله لهذه الفئة التي وصلت إلى درجة الرضى بالقعود والإصرار عليه، ويصنفهم القرآن بأنهم {وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ}، فهم كاذبون على الله ورسولهم، لأنهم ليسوا أوفياء لدينهم ولا لأمتهم، وفي مقابل هؤلاء المتخلفين، يقدم القرآن نموذج الرسول والمؤمنين معه: {لَّـكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ}، وهذا يؤكد أن الإيمان الحقيقي هو ما يدفع إلى الجهاد والمجاهدة، وأن طريق الفلاح هو طريق الجهاد وليس القعود.

الخاتمة

يتضح أن مرحلة ما بعد الهجرة النبوية تمثل نموذجًا متكاملًا لبناء الدولة والمجتمع على أسس إلهية متينة قائمة على المسؤولية والتحرر من الطاغوت والاستقلال في القرار، لكن الأمة الإسلامية اليوم تعاني من تغلغل مفاهيم ضالة هدفت إلى تجريدها من وعيها ومسؤوليتها وتدجينها لصالح قوى الطاغوت والاستكبار، مما أدى إلى تفككها وفقدانها لدورها الريادي.

 إن المسؤولية في القرآن الكريم تحتل مساحة واسعة، وهي مرتبطة ارتباطًا كبيرا بالعبادات والجوانب الروحية، ولا يمكن فصل أي جانب عن الآخر دون الإخلال بجوهر الدين وأثره في الحياة.

يعتبر الجهاد في سبيل الله فريضة أساسية لبقاء الأمة واستمرارها على منهج الله، ووسيلة للدفاع عن النفس والحقوق في مواجهة الأعداء الذين يستهدفون الأمة بكافة الوسائل، والقرآن الكريم، وبخاصة سورة التوبة، يتناول المتخلفين عن المسؤولية بأقسى العبارات، ويصفهم بأنهم فرحون بقعودهم، كارهون للجهاد، مثبطون للآخرين، مطبوع على قلوبهم، كاذبون على الله ورسوله، ويحكم عليهم بالمقاطعة حتى بعد الممات، وفي المقابل يمدح المجاهدين ويجعلهم هم المفلحين.

يمكن القول إن على الأمة الإسلامية العودة إلى الأصالة باعتماد منهج القرآن وسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعلام الهدى كمرجعية أساسية لمواجهة التحديات الحالية وتصحيح المفاهيم المغلوطة، واستعادة الوعي والبصيرة في الأمة تجاه واقعها وأعدائها ومسؤوليتها، ومحاربة حالة الأمية الفكرية والثقافية التي تجعل الأمة قابلة للتضليل.

 كما يجدر بالأمة الإسلامية إحياء فريضة الجهاد بالمعنى الشامل ليشمل الدفاع عن النفس والدين والكرامة والأرض في مواجهة قوى الطاغوت المعادية، وبناء مناهج تربوية متكاملة تدمج بين الجانب الروحي والعبادي وجانب المسؤولية العملية والجهاد لإعداد أمة قوية واعية بدورها، مع التركيز على فضح المفاهيم الضالة وبيان أنها لا تمت للإسلام بصلة، والعمل على بناء أمة متماسكة متحدة تقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتستعيد دورها الريادي في إصلاح البشرية.