موقع أنصار الله . تقرير | وديع العبسي

يؤمن اليمنيون بعدالة قضيتهم، لذلك فإنهم لا يكلّون ولا يملّون، ولا يعرف اليأس أو الوهن الإرهاق طريقًا إلى إرادتهم، ويتجلى ذلك في استمرار خروجهم بالملايين في المسيرات الجماهيرية، التي يدعو إليها السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي، ويوجبها الانتماء الديني، وتفرضها القيم الإنسانية والأخلاقية، والتي تحولت إلى مشهد أسبوعي يعكس حجم الالتفاف الشعبي حول الموقف الوطني، ويؤكد الثبات على الخيارات المعلنة ضد الممارسات العدوانية للعدو السعودي والأمريكي، كما يجدد التفويض الكامل للقيادة والدعم لعمليات القوات المسلحة في مواجهة كل أشكال العدوان، وإعلان الاستعداد لتحمل التضحيات.

وفي جمعة "الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد"، حملت المسيرات المليونية رسائل واضحة لا تحتمل التأويل، قرأتها أعين المتابعين بنكهتها الثورية النارية، والبارز فيها أن أي تحالفات عسكرية أو بحرية جديدة لن تغير من حقيقة الموقف اليمني ومن واقع الأمر شيء، ولن تدفع الشعب إلى القبول بإملاءات الخارج أو التنازل عن حقوقه، كما أن أي تحالف يقوم على باطل، ويهدف إلى ضمان مواصلة العدوان والحصار على الشعب اليمني أو تكريس السيطرة على بلادهم والاستيلاء على ثرواتها، لن يشكل عامل تخويف أو تراجع بالنسبة لهم. فالتجربة الطويلة مع الحرب والحصار صنعت لديهم قدرًا كبيرًا من الصلابة، ورسخت قناعة بأن هذا التكتل الدولي كسابقِه لا يتحرك بدوافع إنسانية أو قانونية، وإنما لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية تستهدف سيادة اليمن وقراره المستقل.

ومن كان يراهن دائما على أن سنوات الحرب والحصار ستكسر إرادة اليمنيين أو تدفعهم إلى التراجع عن مواقفهم، ها هو يجد نفسه في جمعة "الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد" أمام شعب أكثر تماسكًا وإصرارًا، شعب يرى في الصمود جزءًا من معركة الدفاع عن السيادة والكرامة والاستقلال.

استفتاء شعبي متجدد

ليس الخروج الشعبي، فعالية تضامنية أو تعبيرًا عن موقف سياسي، بل هو استفتاء شعبيً متجدد على رفض العدوان والحصار، كما هو رسالة عملية بأن محاولات تركيع اليمن عبر التجويع وحرمانه من حقوقه الأساسية قد أخفقت في تحقيق أهدافها خلال سنوات العدوان الحصار، والسياسات التي استهدفت إنهاك المجتمع وإخضاعه اقتصاديًا لم تنتج سوى مزيد من التمسك بالموقف، وتعزيز القناعة بأن الحرية والسيادة لا يمكن أن تكون محل مساومة أو ابتزاز، مهما بلغت الضغوط أو تلونت السياسات أو تعاظمت التهديدات.

وفي جمعة "الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد" وجّهت الجماهير رسالة مباشرة إلى الدول الساعية للانخراط في أي تحالف جديد ضد اليمن، مفادها أن الرهان على كسر الإرادة الشعبية هو رهان خاسر، وأن أي تصعيد جديد لن يقابل بالخضوع أو الاستسلام، بل بمزيد من الصمود والتحدي فالشعب الذي واجه، على مدى سنوات، مختلف أشكال العدوان والحصار، لن يخضع لتحالفات جديدة مهما تبدلت مسمياتها أو تنوعت أدواتها، وسيواصل الدفاع عن سيادته وحقوقه وقراره الوطني بكل ما يمتلكه من إرادة وإمكانات.

واقع جديد يفرضه اليمن

المسيرات المليونية التي تجددت غداة الإعلان السعودي عن تحالف جديد ضد اليمن، بعد انهزام التحالف السابق، الأكيد فيه وهو الذي تحركه الولايات المتحدة، أنه لن يفضي إلا إلى خلق معادلات جديدة لم تكن في الحسبان. فالقرار اليمني بفرض حظر على الملاحة السعودية الذي أرعب العالم، لم يكن قرارًا نابعًا من ترف أو رغبة في التصعيد العدواني، وإنما فرضته حالة الاستخفاف والاستهتار بمصير شعب بأكمله يرزح تحت حصار ظالم ممتد لأكثر من اثني عشر عامًا.

وتشير هذه التحركات العدائية المتسارعة إلى أن أثر التحرك لإنهاء هذا الوضع، والانطلاق من محاصرة ملاحة العدو السعودي قد ظهرت سريعا، كما تُنبئ بواقع جديد يفرضه اليمن، تتراجع فيه القوى التقليدية التي اعتادت ممارسة سياسة البلطجة وسلوك العصابات. وحين تدفع واشنطن بالرياض إلى تشكيل تحالف بحري جديد بذريعة حماية الملاحة في باب المندب، فإن ذلك إنما يعكس، من جهة، إدراك الولايات المتحدة أنها قد غرقت عميقًا في مستنقع الفشل، وأن أي تحرك تقوم هي بتنفيذه من قبيل تشكيل تحالفات جديدة لن ينتهي إلا إلى تكريس حالة الانكشاف التي تعيشها، وإظهار محدودية قدرتها على فرض الوقائع التي تريدها، لذلك تعمد إلى دفع الأدوات للقيام بهذه المهمة بالوكالة.

جُبْن أمريكا عن الظهور علناً

منذ الترتيبات التي سبقت العدوان على اليمن، كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي من تقف خلف تشكيل التحالف الذي قادته السعودية، إذ اعتادت على دفع الآخرين للحرب نيابة عنها، واليوم، ومع العودة للحديث عن تحالف جديد، عقب سنوات من الانكسار المخزي للتحالف السابق في محاولة السيطرة على اليمن، وانهيار كل التحالفات التي أقامتها لهذا الغرض، لا تجرؤ الولايات المتحدة هذه المرة على الظهور صراحة بكونها صاحبة المبادرة والقائد الفعلي له، مفضلة الاختباء خلف عناوين وشركاء آخرين، رغم أنها من ستظل الحاضر الأبرز في كل تفاصيله.

ويعكس هذا السلوك تراجعًا واضحا في الثقة، وإدراكًا منها بأن الخطوة ليست سوى محاولة لإقحام أطرافا أخرى في مواجهة بالوكالة مع اليمن، وتحميلها تبعات معركة تعرف واشنطن مسبقًا أنها ليست مضمونة النتائج.

تجارب النزيف السابقة

في السابق، شكّلت الولايات المتحدة تحالف "حارس الإزدهار"، وحشدت له أعتى القوى الشيطانية، وأغرقته بخطابات التهديد والوعيد وحاولت تقمص شخصيات أبطال الكرتون  الهوليودية من أجل الدفاع عن مصالح الكيان الإسرائيلي، وكسر الحصار الذي فرضه اليمن على الكيان، فصرفت أقصى جهودها وأهدرت أضخم أسلحتها، إلا أن النتيجة جاءت معاكسة تمامًا؛ إذ انتكس هذا التحالف وتناثر.

وحينها اتجهت أمريكا بالاستجداء إلى أوروبا لإطلاق تحالف آخر للقيام بالمهمة ذاتها، بعد أن استنزفت المواجهة قدراتها، وخلّفت حالة واضحة من الإحباط نتيجة الإخفاق المتكرر في تغيير المعادلة.

ولم يكن تحالف "أسبيدس" أفضل حالًا من سابقه، بل بدا أكثر إدراكًا لحقيقة أن من استطاع مواجهة الشيطان الأمريكي وإفشال مخططاته، لن يكون من الصعب عليه استنزاف حلفائها وإغراقهم في مستنقع الفشل ذاته، بما قد ينعكس على سمعتهم ومكانتهم الدولية، ولهذا تبدد هذا التحالف سريعا.

ومنذ ذلك الحين، رأى كثير من المراقبين أن ما حققه اليمن في مواجهة قوى عالمية كبرى، يرفع من مكانته تدريجيًا في قائمة القوى المؤثرة، ويؤكد أن حضوره لم يعد مجرد حضور إقليمي، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في معادلات الأمن والملاحة الدولية.

السواتر لن تخفي العدو الأمريكي

كما أن ظروف تأسيس هذا التحالف، وما أحيط بها من حذر شديد، تُمثل اعترافًا ضمنيًا بأن اليمن قد فرض نفسه فعليًا كقوة استثنائية، لا تعتمد فقط على امتلاك الوسائل التقنية أو براعة التخطيط والتكتيك العسكري، وإنما تستند أيضًا إلى دافع عقائدي ومعنوي منح مقاتليه قدرة كبيرة على الصمود والثبات. فهم، لا يقاتلون معتديًا يجب ردعه فحسب، بل يرون أنهم يواجهون مصدرًا للشر ينبغي التصدي له ومكافحته ومنعه من الاستمرار في نشر شروره وإلحاق الأذى بالشعوب.

وقد رسخت تجربة السنوات الماضية هذه القناعة، في وقت كان اليمن خلالها أقل قدرة وإمكانات مما هو عليه اليوم. أما الآن، فإن التطور في التصنيع العسكري، وتحسن القدرة على قراءة المعطيات، ورصد نقاط ضعف العدو، والتعامل معها بمرونة وجرأة، كلها عوامل جعلت الأداء اليمني أكثر نضجًا وفاعلية، وأكثر استعدادًا لمواجهة مختلف مصادر التهديد، انطلاقا من الثقة المطلقة بالله سبحانه وتعالى ومعونته ونصره.

كما قدم اليمن نموذجًا واضحًا في فهم الأساليب الأمريكية التقليدية القائمة على الدفع بالآخرين إلى واجهة المواجهة، مع بقائها هي المحرك الرئيسي من الخلف. ولذلك، فإن اليمن ينظر إلى الولايات المتحدة بوصفها الطرف الأساسي في أي تحرك عدائي، كما أنه لا يستثني من دائرة الرد كل من يختار الانخراط في أي تحالف يرى أنه يستهدف مصالح اليمن وشعبه.

وفي هذا السياق، تأتي المحاولات الجريئة لكسر القرار اليمني بحظر الملاحة السعودية باعتبارها تحركات عدائية تجاه اليمن، وهو ما لا يمكن للشعب اليمني القبول به، وسواء جاء هذا التحرك بصورة منفردة أو في إطار تحالفات، فإن كل من قبل على نفسه الانسلاخ من القيم الدينية والإنسانية وقرر الانخراط في أي تحرك عدائي يتحمل مسؤولية تبعاته، ويمنح مبررًا للتعامل معه وفق مقتضيات الرد والدفاع عن المصالح الوطنية.

الرد الحاضر وفق ما تقتضيه المعادلة

لا يتجاوز اليمن، كما يؤكد دائمًا، حدود حقوقه الطبيعية، ولم يذهب للاعتداء على أحد، لكنه في المقابل لن يسمح بالمساس بحقه في الدفاع عن مصالحه وسيادته وقراراته، ومن أراد اختبار جدية هذا الموقف، فليتجاوز قرار الحظر وليتحرك بسفنه عمليًا، وعندها سيكون الرد حاضرًا وفق ما تقتضيه المعادلة التي أعلنها اليمن بوضوح.

أما إذا اتجهت الأمور نحو مزيد من التصعيد ضد اليمن، فإن ذلك لن يقتصر، على إغلاق باب المندب أمام الدول المشاركة في أي تحالف معادٍ، بل إن الأهداف السعودية والأمريكية ستظل أهدافًا مشروعة ضمن قاعدة الرد بالمثل، باعتبارهما المسؤولين، عن استمرار العدوان والحصار الذي يعاني منه الشعب اليمني حتى اليوم، وعن أي استحداث عدواني يخططان له ويمولانه.