موقع أنصار الله . تقرير
في رحاب ذكرى المولد النبوي الشريف، ذلك النور الذي أشرق على الكون فاستضاءت به العقول والقلوب، انعقد في العاصمة صنعاء مؤتمر علماء اليمن، ليكون محطة مفصلية تتجسد فيها معاني الاقتداء بسيد المرسلين، محمد صلى الله عليه وآله وسلم. تحت شعار "علماء اليمن في مواجهة العدوان والحصار"، اجتمعت كوكبة من ورثة الأنبياء، من حملة المشكاة ليصدعوا بكلمة الحق في زمن اختلطت فيه الموازين، وتاهت فيه البوصلات، وصمتت فيه كثير من الأصوات تحت وطأة المصالح والضغوط.
لم يكن المؤتمر إلا ترجمة عملية لقوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، إذ وقف الحضور صفاً واحداً، يحدوهم اليقين بأن المعركة مصيرية، وأن الصمت خيانة، وأن الكلمة مسؤولية كبرى أمام الله ثم أمام الأمة والتاريخ.
في كلمة كانت بمثابة البيان التأصيلي لمسار المؤتمر، ألقى مفتي الديار اليمنية، العلامة شمس الدين شرف الدين، خطاباً جمع بين صلابة الموقف ووضوح الرؤية، مرتكزاً على قاعدة قرآنية محكمة تجعل إرضاء الله هو المعيار الوحيد الذي ينبغي أن توزن به المواقف، بعيداً عن أي حسابات سياسية ضيقة أو مخاوف من العواقب، تذكيرا للعلماء بأنهم ورثة الأنبياء، لا ورثة السلاطين، وأن وظيفتهم الأولى هي البلاغ المبين، لا طلب الرضا من المخلوقين.
وقف العلامة شرف الدين على حافة الجرح اليمني النازف، ليكشف بالأرقام والوقائع فداحة الكارثة الإنسانية التي تسبب فيها الحصار السعودي المستمر منذ اثني عشر عاماً، وأوضح أن عدد الوفيات الناتجة عن الحصار تجاوز السبع وعشرين ألف نفس، وهو رقم يفوق عدد الشهداء الذين سقطوا بنيران القصف المباشر، في مفارقة تكشف بوضوح أن التجويع سلاح أشد فتكاً من القنابل. إنها إبادة بطيئة وصامتة، تُرتكب بحق شعب بأكمله، من الأطفال الرضع إلى الشيوخ الركع، في الوقت الذي تتبجح فيه الجهات المحاصرة بشعارات الإسلام والعروبة.
ثم عقد مقارنة تاريخية بليغة، حين ذكر أن قريشاً بكل كفرها وعنادها، حين حاصرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شعب أبي طالب، رفعت الحصار بعد ثلاث سنوات أما نظام آل سعود، فإنه يتجاوز هذا الحد بمراحل، مستمراً في حصاره الظالم منذ ما يقارب اثني عشر عاماً دون أن تلين له قناة أو يرق له قلب، في تجسيد صارخ للقسوة والغلظة التي وصفها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنها من "قرن الشيطان" في ربيعة، بينما أهل اليمن هم أرق قلوباً وألين أفئدة كما وصفهم المصطفى.
ولم تقف كلمته عند رصد الظلم، بل تجاوزته إلى فضح التناقضات الصارخة للنظام السعودي؛ ذلك النظام الذي يدّعي ولاية الحرمين الشريفين، ثم ينتهك حرمتهما باستقدام الفاسقات للرقص حول مجسم الكعبة، ويفتح حانات الخمر والملاهي، ويسلم كسوة الكعبة للمجرم "أبستين" ليجعلها مداساً تحت قدميه، ويضخ مليارات الأمة إلى خزائن أمريكا و"إسرائيل" إنها مفارقة مروعة: حصار وتجويع لشعب يقول لا إله إلا الله، مقابل تمويل وتسليح لأعداء الأمة.
وفي ختام كلمته، وجه نداءً تحذيرياً للعلماء، مؤكداً أن الرشوة التي تُبذل لشراء الذمم وخلخلة الجبهة الداخلية مال مدنس، وأن على العلماء أن يكونوا في طليعة الصادعين بالحق، محذراً من الندم يوم القيامة حين يعض الظالم على يديه حسرة على موقف لم يتخذه.
العلامة حسين الهدار (مفتي محافظة البيضاء) انطلق من منطلق الأخوة الإسلامية والإنسانية، ليوجه سؤالاً موجعاً إلى ضمير الأمة والعالم: "هل الأولى بالحصار نحن الذين لم نقطع طريقاً ولم ننتهك عرضاً، أم "إسرائيل" التي قتلت الأطفال والنساء وهدمت البيوت على رؤوس ساكنيها؟". إنه سؤال يكشف زيف المعايير وانقلاب الموازين، داعياً إلى العودة إلى كتاب الله ونصرة المستضعفين.
العلامة عبدالمجيد الحوثي (رئيس هيئة الأوقاف) أثنى على دور العلماء الصادعين بكلمة الحق، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ وأكد أن الشعب اليمني استمد قوته وصموده ونصره من محبته لله وتمسكه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مشيراً إلى حديث النبي عن أهل اليمن: "هم أرق قلوباً وألين أفئدة... الإيمان يمان والحكمة يمانية". وأضاف أن هذا الوسام النبوي ليس مجرد شرف، بل هو مسؤولية جسيمة تقتضي الصمود في وجه الظلم حتى كسره وإزالة الاحتلال واستعادة الثروات المنهوبة.
الشيخ علي عضابي (نائب رئيس جامعة دار العلوم الشرعية) قدم تأصيلاً فقهياً دقيقاً لمسؤولية الرد على العدوان، مستنداً إلى آيتين كريمتين: الأولى قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾، والثانية قوله تعالى في شأن الفئة الباغية: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ﴾. وبيّن أن ترك الرد على المعتدي إثم وخطيئة، وأن الرد بالمثل واجب شرعي يقطع دابر البغي والعدوان.
العلامة أحمد أبو حورية (رئيس الملتقى الإسلامي) أكد على القدوة والدور القيادي للعلماء في حمل راية الجهاد، محذراً من التقاعس والتثبيط وشدد على أنه إن رأى الأتباع علماءهم في طليعة المجاهدين، تحركوا معهم، وإن رأوهم متخاذلين أو مكتفين بحلقات التدريس فقط، حملوا أوزارهم وأوزار من تبعوهم. ودعا العلماء والمرشدين إلى أن يكون للجهاد نصيب وافر في خطبهم ودروسهم.
الشيخ محمد كرش (أحد علماء محافظة إب) سلط الضوء على الأبعاد الاستعمارية للمشروع الصهيوني المدعوم من قوى الاستكبار العالمي، مؤكداً أن الأعداء لا يستهدفون اليمن وحده، بل يسعون إلى تدجين الأمة جمعاء ونهب ثرواتها وغزوها فكرياً وأخلاقياً واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ كمنهج دائم وعملي للمواجهة.
توج المؤتمر أعماله ببيان ختامي، كان أقرب إلى ميثاق شرف والتزام تاريخي، تركزت بنوده الجوهرية حول محاور شكلت خلاصة إجماع علماء اليمن:
التسليم للقيادة: التأييد الكامل لقرارات القيادة الحكيمة ممثلة بالسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي "حفظه الله" والمجلس السياسي الأعلى في تثبيت معادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد كحق مشـروع وضروري.
الصمود كواجب إيماني: أي انخراط في أي تحالف ضد أبناء اليمن المظلومين هو عدوان ظالم تجب مواجهته بكل الوسائل المشـروعة وهذا التحالف لن يثني شعبنا عن استرداد حقوقه المشـروعة وثرواته الوطنية.
وحدة الجبهة الداخلية: دعوة إلى النفير العام والجهوزية العالية واليقظة الدائمة ووحدة الصف والتعاون مع الأجهزة الأمنية في تثبيت الأمن والاستقرار وتحصين الجبهة الداخلية من الاختراق. وكذلك رفد الجبهات بالمال والرجال والدفع بالرجال إلى معسكرات التأهيل والتدريب والالتحاق بدورات التعبئة العامة والإنفاق في سبيل الله والحذر من أساليب العدوان في الحرب الإفسادية الشيطانية الناعمة.
فلسطين البوصلة والقضية المركزية: فلسطين ما زالت وستبقى القضية المركزية والأولى للأمة وشعبنا اليمني ثابت على الموقف مع غزة وفلسطين. مع التأكيد على حرمة خذلان فلسطين والتطبيع مع "إسرائيل" تحت أي مبرر، والوعي بمخاطر ما يسمى مشـروع "إسرائيل الكبرى" وتغيير الشـرق الأوسط واتفاقيات "أبراهام" التي تستهدف الأمة كل الأمة بدون استثناء.
مواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي: أكد علماء اليمن على حرمة تواجد القواعد الأمريكية والأجنبية في المنطقة ووجوب إخراجها ومشـروعية استهدافها ويؤكدون أن استخدام الأراضي العربية والإسلامية منطلقا لأي عدوان أمريكي أو أجنبي على أي دولة عربية وإسلامية يعد مشاركة في العدوان وخيانة لله ورسوله والمؤمنين واصطفافا مع أعداء الدين.
فضح انتهاكات آل سعود: يستنكر علماء اليمن ويدينون بأشد العبارات ما اقترفه النظام السعودي من انتهاكات لحرمة الإسلام والمقدسات ومنها تسليم كسوة الكعبة المشـرفة للمجرم الصهيوني أبستين كمداس للأقدام ويطالبون العالم الإسلامي بإدانة ذلك بتشكيل لجنة تحقيق في هذه الجريمة واتخاذ الإجراء المناسب بحق هذا النظام، كما يجددون إدانتهم انتهاك النظام السعودي لحرمة الحرمين الشـريفين باستقدام العاهرات الكافرات المسيئات للذات الإلهية وامتهان الكعبة المشـرفة بجعل مجسم لها مكانا لرقص الفاجرات حوله، وفتحه للمراقص والملاهي وحانات الخمور وإفساده للأمة الإسلامية وعمالته الواضحة لأعداء الأمة اليهود والنصارى وَسَنِّهِ قوانين مخالفةً لكتاب الله، وضخه لآلاف المليارات من الدولارات من خيرات الأمة إلى خزائن أعداء الله أمريكا وإسرائيل وبريطانيا وغيرها من دول الكفر وتسخير كل مقدرات الأمة لهم.
ضرورة وحدة الأمة: لمواجهة التحديات والمؤامرات لا بد من الاعتصام بحبل الله وجمع الكلمة ووحدة الصف والثقة بالله والتوكل عليه والالتجاء إليه والاستجابة العملية لتوجيهاته الحكيمة والتمسك بكتابه الكريم والعمل بمقتضـى آياته التي هي طريق النجاة والفلاح والفوز والنصـر.
كان مؤتمر علماء اليمن تجسيداً حياً لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "الإيمان يمان والحكمة يمانية". لقد خرج العلماء من هذا المحفل وهم يحملون أمانة الكلمة، ويقودون سفينة الوعي في أمة تعصف بها رياح الفتن. إنها رسالة واضحة إلى كل متردد أو متخاذل: إن الطريق قد استبان، وإن الصفوف قد اصطفت، فإما أن يكون المرء مع الحق الذي يرضي الله، أو في صف الباطل الذي يمليه الشيطان وأولياؤه.
فيا لعظمة المشهد حين يتحول العلماء إلى قادة في ساحات المواجهة، يصدعون بالحق ولا يخشون في الله لومة لائم، حاملين راية "لا إله إلا الله" في وجه طواغيت العصر، ومؤكدين أن يمن الإيمان والحكمة عصي على الكسر، وأبي على الضيم، وسيبقى بإذن الله شوكة في حلق المعتدين، حتى يرفع الحصار، ويُكسر العدوان، وتتحرر المقدسات، ويعود الحق إلى نصابه.
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.