موقع أنصار الله . تقرير | يحيى الشامي
تجاوزت الأزمة الأمريكية حدود النقص العابر في الإمدادات العسكرية، لتستحيل إلى مصيبة دفاعية تُهدّد جوهر القوة الأمريكية، وتعرّي أواصر تحالفاتها، وتضع إدارة الرئيس الأمريكي المجرم دونالد ترامب في مأزق داخلي وخارجي غير مسبوق، فما بدأ كحرب ضد إيران انكشف سريعاً عن استنزاف كارثي للترسانة الأمريكية، وهزيمة استراتيجية، وتستر منهجي على الخسائر، ليسفر المشهد عن حقيقة أن هناك مصيبة في قدرتها على انتاج السلاح، وهي أزمة تطال كل حلفائها الذين يحملون عنها أعباء حروبها ومغامراتها الدولية.
تُجمع شبكة "سي إن إن" (CNN) ووكالة "رويترز" على أن القوات المسلحة الأمريكية استهلكت معظم مخزونها من الصواريخ الاعتراضية والهجومية منذ بدء الحرب على إيران قبل خمسة أشهر، وتشير الأرقام إلى استنزاف نحو 80% من مخزون صواريخ "ثاد" (THAAD)، و50% من صواريخ "باتريوت"، فضلاً عن نصف مخزون صواريخ "توماهوك" ومعظم صواريخ "أتاكمز" (ATACMS) و"بريسم" (PrSM) بعيدة المدى.
وفي تفصيل أكاديمي عميق، نشر باحثان في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، تحليلاً يُرجع هذه الكارثة إلى ستة أسباب بنيوية مفصلة في دراسة متكاملة، أهم ماورد فيها:
1. الحرب الإيرانية: استهلكت واشنطن نحو نصف المخزون الأولي لثلاثة أنواع من الذخائر (باتريوت، ثاد، بريسيم)، وثلث مخزون (جاسم، إس إم-2/3/6، توماهوك).
2. إرث ما بعد الحرب الباردة: تراجع المشتريات إثر التحول من مواجهة الاتحاد السوفيتي إلى الاستعداد لنزاعات إقليمية محدودة وقصيرة.
3. القاعدة الصناعية الهشة: اندماج الشركات الدفاعية منذ "العشاء الأخير" عام 1993، وتصميم المصانع لإنتاج "وقت السلم" الفعال، ما يجعل زيادة الإنتاج أمراً يستغرق سنوات (إعادة بناء "ثاد" وحده قد تستغرق ثلاث سنوات أو أكثر).
4. ميزانية البنتاغون: تفضيل شراء "المنصات" (طائرات وسفن) ذات العمر الافتراضي الطويل على حساب الذخائر التي تُخزَّن وتُستهلك.
5. حروب سابقة: استنزاف مخزونات في حملات متفرقة (ضد "الحوثيين"، والدفاع عن "إسرائيل"، وضربات نيجيريا وفنزويلا).
6. عامل أوكرانيا: رغم ضخامة المساعدات، فإن تأثيرها على الصواريخ المستخدمة ضد إيران كان ثانوياً، باستثناء صواريخ "باتريوت" و"أتاكمز".
وتكمن المفارقة الاقتصادية الفاضحة في أن تكلفة البطارية الواحدة تتجاوز المليار دولار، والصاروخ الواحد يكلف نحو 5 ملايين دولار، ليُسقط طائرة مسيرة لا تتعدى قيمتها بضعة آلاف من الدولارات.
تعدّى النزيف حدود واشنطن، لينساح كاشفاً عجز "المظلة الأمنية" الأمريكية عن حماية وكلائها وأدواتها، حيث كشف تقرير مركز الدراسات الدولية أن الدفاعات الجوية السعودية استهلكت نحو 2400 صاروخ خلال 38 يوماً فقط، وهو ما يعادل 86% من إجمالي مخزون المملكة، في نزيف دفاعي غير مسبوق. وأكدت "وول ستريت جورنال أن الضربات على القواعد الأمريكية في الكويت والعراق أفضى إلى توتر العلاقات العسكرية الأمريكية الكويتية، حيث غدا الوجود الأمريكي ذاته سبباً لاستهداف إيراني متكرر. وفي العراق، أشارت "المونيتور" إلى أن واشنطن تقترب من الانسحاب الكامل مع تعرض القواعد في كردستان لهجمات، بعد إزالة أنظمة "باتريوت" من أربيل.
ونقلت "نيويورك تايمز" عن خبراء أن حلفاء واشنطن يرون أن الحرب تتجه نحو هزيمة استراتيجية، وأن "من يعتمدون على الحماية الأمريكية أدركوا أنه لا يمكن الوثوق بواشنطن، وهو ما يفسر تعالي أصوات من داخل واشنطن تُطالب بانسحابٍ أمريكي كامل من المنطقة.
في السياق أجمعت كبريات الصحف الغربية على أن واشنطن تكبّدت هزيمة نكراء، بدءاً من صحيفة التلغراف البريطانية التي ذهبت في تحليلها للموقف الأمريكي إلى أن الولايات المتحدة مُنيت بـ"هزيمة استراتيجية" أمام إيران. وأشارت نيويورك تايمز إلى بقاء أهداف ترامب دون تحقق، وسيطرة طهران الفعلية على مضيق هرمز. فيما رأت وول ستريت جورنال أن تحقيق نصر حاسم على إيران بات "بعيد المنال". وكانت واشنطن بوست قد كشفت أن ترامب، الذي تعهد بضرب إيران بقوة شديدة، صُدم من حجم النقص في المخازن، وألغى ما وصفه بـ"أكبر هجوم منذ الحرب العالمية الثانية"، معلناً بدء مفاوضات.
الآن بات مفهوماً أكثر لِمَ سحبت واشنطن منظومات دفاعاتها من شبه الجزيرة الكورية بداية حربها مع إيران في شهر مارس، والواضح أكثر أن ترسانة ترمب الحربية تختلف عن بروباغنداه الإعلامية. الجولة الأولى من الحرب على إيران كشفت حقائق صادمة. تقول الصحافة الامريكية إن ترمب بنفسه صدم من حجم النقص، وتنقل أنه وبخ وزير حربه هغسيث بعد أن اكتشف تضليله، وقد وجهت إدارتُه بفتح تحقيق لملاحقة مسرّبي خبر المخازن بتهم الخيانة.
الشركات الأمريكية التي تقتات على الحروب تدرك أن إعادة بناء الترسانة مستحيلة في لحظة سباق تسلح عالمي. المفارقة تزداد وضوحاً بالأرقام وتزيد فضيحة مع حجم الانكشاف الذي يواجه أدوات أمريكا في المنطقة، فضلاً عن فرصة إيران في تثمينه سياسياً على طاولة التفاوض.
خلف كواليس البيت الأبيض والبنتاغون كشفت "واشنطن بوست" عن خلاف حاد خلال اجتماع حكومي، حيث وبّخ ترامب وزير دفاعه بيت هيغسيث مطالباً إياه بتفسير سبب اعتقاده أن مشكلة المخزونات قد حُلّت، ودافع هيغسيث عن نفسه ملقياً المسؤولية على نائبه ستيفن فاينبرغ بتهمة عدم إطلاع الرئيس على الحقيقة، وفي محاولة للسيطرة على الضرر، وجّهت الإدارة بفتح تحقيق لملاحقة مسرّبي أخبار المخازن بتهم الخيانة.
وفي شأن متعلق بحجم وحقيقة الخسائر الأمريكية لجأت الإدارة الأمريكية الى حلول التفافية للتخفيف من وطأة الإعلان عن الخسائر أمام الرأي العام، حيث اعتمد البنتاغون ما وصفه موقع "ذي إنترسبت" (The Intercept) بـ "المحو الإحصائي" وطرق إبداعية لتجميل الخسائر. فبينما تُعلن الأرقام الرسمية عن 18 قتيلاً و650 جريحاً (بينهم 170 برضوض في الرأس)، فإن دمج البيانات المشتتة تحت مسمى "العمليات الخارجية" يرفع الرقم الرسمي إلى أكثر من 700، والرقم الفعلي إلى 900 إصابة ووفيات.
ويُشير الموقع إلى حالات مشبوهة، مثل وفاة الرائد "سورفلي دافيوس" التي سُجّلت كـ"مرض مفاجئ" في الكويت، لإخفاء حقيقة أن الطائرات المسيرة الإيرانية اخترقت 9 مواقع عسكرية وخلّفت أكثر من 100 إصابة في يوليو الماضي وحده.
امتدت الفاتورة إلى جيوب الأمريكيين، مع تجاوز أسعار برميل النفط 100 دولار، وهبوط الاحتياطي النفطي الاستراتيجي لأدنى مستوى منذ أربعين عاماً، ونتيجة لذلك، يرى نحو 70% من الأمريكيين أن الحرب لا تستحق الخوض.
وتلقّف الديمقراطيون هذه الفضيحة كهدية سياسية ثمينة. السيناتور مارك كيلي هاجم الإدارة قائلاً: "نحن أمام رئيس أدخل الولايات المتحدة في هذا الصراع من دون هدف استراتيجي ولا خطة. النتيجة أننا نعاني من نقص في الذخائر، وهم يتخبطون في طريق مسدود، والرئيس مضطر الآن لإيجاد مخرج من هذا المأزق".
زعيم الأقلية تشاك شومر غرّد قائلاً: "ترامب يجعل الأمريكيين أقل أماناً بسبب حربه ضد إيران. مئات الأفراد أُصيبوا و18 قُتلوا، والأسعار ترتفع بجنون، والهجمات السيبرانية تستهدف الأراضي الأمريكية. يجب على الحزب الجمهوري أن يتصدى لهذا النهج العبثي وينهي هذه الحرب".
ولم يقف الضغط عند حدود المعارضة، إذ أكدت "سي إن إن" تصاعد المطالب بإنهاء العدوان من داخل الحزب الجمهوري ذاته.
يدخل المجرمُ ترامب أسبوعاً جديداً بلا اتفاق معلن، وبخيارات متقلصة بين تصعيد لم تعد ترسانته ولا جنوده يحتملونه، وتفاوض تفرض طهران شروطه ومآلاته.
وفي الوقت الذي تحاول فيه إدارة ترامب تسريع الإنتاج عبر استدعاء شركات وادي السيليكون، تبقى الحقيقة الميدانية التي لخّصها خبراء البنتاغون: "المشكلة المباشرة تتخطّى حدود التمويل إلى عامل الوقت، وسنوات قليلة من الشراء المحموم لن تكفي لتأمين القدرة على مواجهة الصين أو روسيا مستقبلاً".