موقع أنصار الله . تقرير | هاشم أبوطالب
خلال الأسابيع الأخيرة، اتسعت آثار العمليات العسكرية اليمنية لتتجاوز حدود الأهداف المباشرة التي أعلنت القوات المسلحة استهدافها، لتظهر انعكاساتها في حركة الملاحة والتأمين وأسواق الطاقة والحسابات الأمنية السعودية، وصولاً إلى النقاشات الدائرة داخل العواصم الغربية بشأن مستقبل الحماية العسكرية للمملكة وطبيعة التعامل مع اليمن. وتكشف التقارير الصحفية والتحليلات الصادرة عن مؤسسات ووسائل إعلام دولية أن التطورات الميدانية باتت تُقرأ باعتبارها عاملاً ضاغطاً على منظومة اقتصادية وأمنية واسعة، تمتد من موانئ البحر الأحمر إلى خطوط أنابيب النفط والمنشآت الحيوية والقواعد العسكرية، وتصل تداعياتها إلى حسابات القوى الدولية الموجودة في الخليج.
أبرز هذه التداعيات تحولا ظهر في قطاع النقل البحري والتأمين، فقد نقلت وكالة "رويترز" عن مصادر في قطاع التأمين أن علاوات مخاطر الحرب على ناقلات النفط المرتبطة بالسعودية والتي ترسو في ميناء ينبع ارتفعت إلى نحو ثلاثة في المائة من قيمة السفينة، مع احتمال بلوغها سبعة في المائة وفقاً لمسار الرحلة ومستوى المخاطر.
وبحسب الأرقام التي أوردتها الوكالة، فإن تكلفة مخاطر الحرب على رحلة من ينبع قد تصل إلى نحو ثلاثة ملايين دولار، فيما قد تصل في رحلات أخرى من موانئ سعودية جنوبية أو عبر مضيق هرمز إلى نحو سبعة ملايين دولار.
هذه الأرقام تعني أن العملية العسكرية لا تُقاس فقط بقيمة المنشأة التي تتعرض للاستهداف أو بحجم الضرر المادي المباشر الذي يمكن أن يصيب ناقلة أو ميناء، وإنما تمتد إلى سلسلة طويلة من التكاليف المرتبطة بقرار الإبحار نفسه، فكل ارتفاع في علاوة التأمين يضاف إلى تكلفة النقل، وكل زيادة في مستوى المخاطر تفرض على شركات الشحن إعادة تقييم المسارات والموانئ والعقود، وقد تدفع بعض الشركات إلى تجنب موانئ بعينها بصورة كاملة.
ونقلت رويترز عن رئيس شركة «هايدمار ماريتايم» أن الشركات المرتبطة بالسعودية تواجه مشكلة في البيئة الحالية، وأن شركته تتجنب الموانئ السعودية، معتبراً أن أي ناقلة ترسو في ينبع وتكون مرتبطة بالسعودية ستواجه مستوى مرتفعاً من المخاطر.
ويكتسب هذا التصريح أهميته من كونه صادراً عن جهة تعمل في قطاع النقل البحري نفسه، حيث تتحول المخاطر الأمنية إلى حسابات تجارية مباشرة تتعلق بسلامة السفن والتأمين وتكلفة الرحلة.
تظهر أهمية ينبع بصورة خاصة بسبب موقعها في منظومة تصدير النفط السعودية، فبحسب البيانات التي أوردتها مجلة «أريبيان جلف بزنس إنسايت»، تستهدف أرامكو قدرة تصديرية كبيرة عبر ميناء ينبع، فيما أشارت تقديرات من شركة «فورتيكسا» إلى وجود مخزونات نفط خام في الميناء تقدر بنحو 22 مليون برميل. والدلالات لهذه الأرقام تتمثل في حساسية الميناء ضمن شبكة الطاقة السعودية وقدرته على التأثير في حركة الصادرات عندما تتعرض الملاحة المرتبطة به لاضطراب أو ارتفاع حاد في المخاطر.
وتتصل هذه المسألة بمشكلة أوسع تواجهها الرياض في محاولة تنويع مسارات صادرات النفط، فالسعودية تعتمد على شبكة ضخمة من الموانئ وخطوط الأنابيب والمنشآت البرية لتوصيل إنتاجها إلى الأسواق العالمية، ويُفترض أن تمنحها هذه الشبكة مرونة في مواجهة الاضطرابات التي قد تصيب أحد المسارات، لكن، عندما تمتد المخاطر إلى ساحل البحر الأحمر نفسه تصبح عملية تحويل الصادرات من مسار إلى آخر أكثر تعقيداً، خصوصاً عندما تتزامن الضغوط مع مخاطر مرتبطة بمضيق هرمز أو البنية التحتية النفطية الداخلية.
هنا تظهر إحدى أكثر النتائج الاقتصادية حساسية: ارتفاع كلفة نقل النفط حتى في الحالات التي يستمر فيها تدفق النفط فعلياً، فالسوق لا يحتاج إلى توقف كامل للصادرات كي يعكس المخاطر في أسعار التأمين والشحن والعقود المستقبلية، ويكفي ارتفاع احتمال التعطل أو الهجوم أو تغيير المسار حتى تدخل علاوة المخاطر في الحسابات التجارية، وهذا ما أشارت إليه تقارير متعددة عندما ربطت بين العمليات العسكرية اليمنية وارتفاع المخاطر المحيطة بأسواق الطاقة.
وتطرقت «بلومبرغ» و«بي بي إس نيوز» إلى التأثيرات المحتملة للعمليات على أسواق النفط، حيث نقلت «بي بي إس» عن السفير الأمريكي السابق لدى السعودية مايكل راتني أن الأسواق بدأت تسعير مخاطر مرتبطة باحتمال اضطراب مضيقي هرمز وباب المندب، إلى جانب المخاطر التي تطال البنية التحتية النفطية السعودية. ووفق التقرير، اقتربت أسعار النفط -في مرحلة من مراحل التصعيد- من مستويات مرتفعة قاربت 110 دولارات للبرميل، وهذه الحركة السعرية لا يمكن إيعاز أسبابها إلى عامل واحد وحده، إذ تتداخل فيها عوامل الإنتاج العالمي والمخزونات والطلب والتوترات الجيوسياسية وحركة المضائق والموانئ.
التأثير الثاني يتمثل في الضغط على البنية التحتية للطاقة، فالهجمات التي تستهدف منشآت نفطية أو خطوط نقل النفط تفرض على السعودية معادلة أمنية شديدة التعقيد، لأن حماية منشأة واحدة لا تكفي لحماية المنظومة كلها، فشبكة الطاقة السعودية تشمل آباراً ومصافٍ ومخازناً ومحطات ضخ وموانئ وخطوط أنابيب ومحطات معالجة ومنشآت كهرباء وتحلية، وتوزعها الجغرافي الواسع يجعل تأمينها جميعاً مهمة مكلفة.
وأشارت «بي بي إس نيوز» إلى استهداف خط أنابيب سعودي استراتيجي يمتد لمسافة تقارب 745 ميلاً، ويُستخدم لنقل النفط من مناطق الإنتاج باتجاه ساحل البحر الأحمر. وتكمن أهمية مثل هذا الخط في أنه يوفر للسعودية منفذاً بديلاً لتصدير النفط بعيداً عن الخليج ومضيق هرمز، وبالتالي، فإن أي اضطراب يصيبه يحمل دلالة تتجاوز الضرر المادي المباشر إلى التأثير في إحدى أدوات المملكة لتنويع طرق تصدير الطاقة.
كما أشارت التقارير إلى أن استهداف منشآت أرامكو في ينبع ومواقع أخرى يضيف ضغطاً إلى هذه المنظومة، فأرامكو ليست مجرد شركة نفطية تقليدية، وإنما تمثل قلب قطاع الطاقة السعودي، ولذلك فإن أي ارتفاع في المخاطر التي تحيط بمنشآتها ينعكس على حسابات الإنتاج والتخزين والنقل والتصدير والتأمين.
وهذا يقود إلى أثر اقتصادي ثالث يتمثل في اتساع الفجوة بين تكلفة الهجوم وتكلفة الدفاع. وقد ركزت صحيفة «كورييري ديلا سيرا» على عدم تماثل المهام والتكاليف، مشيرة إلى أن السعودية مطالبة بحماية مساحة جغرافية واسعة تحتوي على منشآت نفطية ومطارات ومصانع تحلية ومدن ومرافق حيوية، بينما يمكن للطرف المقابل -وفق توصيف الصحيفة- استخدام وسائل أقل كلفة لإبقاء مستوى التهديد قائماً.
هذه المعادلة تشير إلى طبيعة مختلفة لتوزيع العبء الدفاعي، فالدولة التي تمتلك شبكة ضخمة من المنشآت الحيوية تجد نفسها مضطرة إلى توزيع موارد دفاعية على عدد كبير من النقاط، كما يؤدي الدفاع ضد صواريخ وطائرات مسيرة منخفضة الكلفة نسبياً إلى استخدام منظومات اعتراض باهظة الثمن في كثير من الحالات.
ومن هنا تتحول الحرب إلى معركة استنزاف اقتصادي طويلة الأمد، حيث لا تقتصر النتيجة على إصابة هدف من عدمه، وإنما تشمل كمية الموارد التي ينفقها كل طرف للحفاظ على قدرته على الاستمرار.
أما التأثير الرابع فيتعلق بالملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، فالعمليات اليمنية استهدفت سفناً سعودية، وأدت إلى تغيير مسارات ناقلات نفط، فيما تحدثت بيانات بحرية عن تحويل مسار عشرات الناقلات بعيداً عن باب المندب، وفي الوقت نفسه أوردت «أريبيان جلف بزنس إنسايت» أن حركة الملاحة في المضيق عادت -وفق ما نقلته عن صنعاء- إلى مستويات مرتفعة بالنسبة إلى السفن التي لا ترتبط بالسعودية. وهذا يشير إلى نشوء نمط جديد من المخاطر البحرية يقوم على التمييز بين السفن بحسب ارتباطها بالدولة المستهدفة، وهو ما يضيف طبقة جديدة إلى حسابات شركات النقل البحري، فالشركات لا تنظر فقط إلى جغرافية البحر والممر الملاحي، وإنما إلى هوية السفينة والحمولة والمالك والميناء الذي تتجه إليه وعلاقتها بالدولة المعنية.
ويفسر ذلك -جزئياً- ارتفاع كلفة التأمين، فشركات التأمين لا تسعر المسافة البحرية وحدها، وإنما تسعر مستوى الخطر المتوقع أثناء الرحلة، وعندما تدخل منطقة ما في دائرة التهديد العسكري، فإن الزيادة في أقساط التأمين تصبح نتيجة اقتصادية مباشرة حتى قبل وقوع حادث جديد.
وتزداد أهمية باب المندب بسبب ارتباطه بشبكة التجارة العالمية، فالمضيق يمثل حلقة بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، ويؤدي أي اضطراب طويل الأمد فيه إلى دفع بعض السفن نحو مسارات أطول حول رأس الرجاء الصالح، وقد شهدت التجارة العالمية في السنوات السابقة أمثلة واضحة على الكلفة التي يمكن أن تنتج عن تغيير مسارات السفن، من خلال زيادة المسافة واستهلاك الوقود ومدة الرحلات وأجور الطواقم والتأمين.
وفي الحالة السعودية، تصبح المسألة أكثر حساسية، لأن البحر الأحمر يمثل منفذاً مباشراً إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية عبر قناة السويس، بينما يمثل ميناء ينبع أحد أهم الموانئ النفطية على الساحل الغربي للمملكة. ولذلك فإن ارتفاع المخاطر في هذه المنطقة يضغط على فكرة استخدام البحر الأحمر كمسار بديل لتقليل الاعتماد على الطرق المرتبطة بالخليج.
على المستوى العسكري، تفتح العمليات اليمنية ملفاً آخر يتعلق بمدى قدرة القواعد والمنشآت العسكرية الأجنبية على العمل بأمان في بيئة باتت فيها الصواريخ والطائرات المسيرة قادرة على الوصول إلى مواقع بعيدة داخل الأراضي السعودية.
ونقلت صحيفة «لا ريبوبليكا» الإيطالية تقارير عن إعادة انتشار أو نقل بعض الأصول العسكرية الإيطالية الموجودة في السعودية عقب هجمات يمنية طالت قاعدة الطائف، وارتبط النقاش بصورة خاصة بالطائرات والمعدات المتخصصة في الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة، وهي أصول ذات قيمة عالية وحساسية كبيرة داخل أي منظومة عسكرية، ومجرد ظهور مثل هذه التقارير يعكس مستوى القلق الذي أصبحت البيئة الأمنية في الخليج تفرضه على القوات الأجنبية، فالوجود العسكري الخارجي يفترض درجة مرتفعة من الأمان للقواعد والمطارات والمنشآت اللوجستية، وأي ارتفاع في خطر استهدافها يرفع تكاليف الانتشار، ويجبر الدول على إعادة تقييم مواقعها ومعداتها.
وهذا ينسحب على العلاقة بين السعودية وشركائها الأمنيين، فقد تحدثت «فايننشال تايمز» عن تزايد المخاوف السعودية من موقف واشنطن، ونقلت عن مصادر وتصريحات أمريكية أن الإدارة الأمريكية لم تستجب لمطالب الرياض بالتدخل العسكري المباشر ضد العمليات اليمنية، كما أشارت «واشنطن بوست» إلى خيبة أمل سعودية من مستوى الدعم الأمريكي، فيما تحدثت «بلومبرغ» عن مساعٍ سعودية للحصول على دعم عسكري من أطراف دولية أخرى.
هذه التطورات تضع مفهوم المظلة الأمنية أمام اختبار عملي، فمنذ عقود اعتمدت دول الخليج على شراكات أمنية واسعة مع الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، مع تفاوت في طبيعة هذه الشراكات. وعندما تصبح المنشآت الحيوية عرضة للاستهداف، يظهر السؤال حول الحدود التي يمكن أن تصل إليها هذه الشراكات، وما إذا كانت الدول الحليفة مستعدة لتحمل تكاليف مواجهة مباشرة دفاعاً عن مصالح شريك إقليمي.
سياسياً، أنتج التصعيد ضغطاً إضافياً على الرياض في ملف الحرب والتفاوض، وتذهب تقارير غربية عدة إلى أن ارتفاع كلفة استمرار المواجهة قد يدفع السعودية إلى إعادة تقييم خياراتها. ونقلت «بي بي إس نيوز» عن مايكل راتني أن الضغوط الميدانية والاقتصادية يمكن أن تدفع المملكة نحو العودة إلى المفاوضات، بينما طرحت «نيوزويك» فكرة أن رفع الحصار يمثل عنصراً أساسياً في أي تسوية مرتبطة بأمن الملاحة والطاقة.
هذه القراءة تضع الملف الإنساني والاقتصادي اليمني في قلب الحسابات الأمنية، فحين يصبح فتح الموانئ والمطارات وحركة التجارة والنفط والمرتبات والموارد الاقتصادية جزءاً من مسار التفاوض، تتحول القضايا التي كانت تُعامل باعتبارها ملفات منفصلة إلى عناصر مترابطة داخل معادلة واحدة.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم مفهوم «الحصار بالحصار» الذي أعلنت القوات المسلحة اليمنية استخدامه في سياق التصعيد، فالمعادلة تهدف إلى نقل آثار الحصار من الداخل اليمني إلى المصالح الاقتصادية للعدو السعودي. وتظهر نتائج هذه السياسة في محاولة التأثير على حركة النفط والموانئ والشحن والتأمين، وهي قطاعات تتمتع بحساسية عالية في الاقتصاد السعودي.
على المستوى الإقليمي، تطرح العمليات العسكرية كذلك أسئلة حول مستقبل الترتيبات الأمنية في البحر الأحمر، فتقارير «معهد دراسة الحرب» أشارت إلى قيام القوات اليمنية بتعزيز مواقعها على الساحل والجزر المحيطة بباب المندب، وإنشاء تحصينات جديدة في بعض المناطق، وهذه المعطيات تعني أن التطور العسكري لا يقتصر على تنفيذ عمليات هجومية متفرقة، وإنما يرتبط أيضاً بتثبيت واقع ميداني جديد حول مناطق ذات أهمية بحرية كبيرة.
وتزداد حساسية هذا الواقع مع سيطرة القوات المسلحة اليمنية على مواقع وجزر ومناطق ساحلية وصولا إلى باب المندب، فالجغرافيا هنا تتحول إلى عنصر قوة بحد ذاتها، ومن يمتلك السيطرة على الممرات البحرية يمتلك قدرة أكبر على مراقبة الحركة البحرية ورفع مستوى التهديد أو خفضه بحسب التطورات السياسية والعسكرية.
أما على المستوى الدولي، فقد أشارت «لوموند» الفرنسية إلى ربط التطورات العسكرية اليمنية بتغيرات في الحسابات الدولية حول السعودية والولايات المتحدة، فيما ركزت «كورييري ديلا سيرا» على الفارق في كلفة المواجهة، وناقشت «نيوزويك» مخاطر الانزلاق إلى حرب برية واسعة، بينما تناولت «فايننشال تايمز» و«واشنطن بوست» انعكاسات التصعيد على العلاقة الأمنية بين الرياض وواشنطن.
هذا التعدد في زوايا التغطية يكشف أن آثار العمليات اليمنية تُقرأ على مستويات متداخلة، فالصحافة الاقتصادية تركز على النفط والتأمين والشحن، والصحافة السياسية تركز على العلاقات السعودية الأمريكية، والصحافة العسكرية تتابع القواعد والمنشآت وقدرات الردع، فيما تنظر المؤسسات البحثية إلى تغير السيطرة الجغرافية والبحرية.
وفي النهاية، تتجمع هذه المسارات في معادلة واحدة: كلما ارتفع مستوى الخطر حول المنشآت النفطية والموانئ وخطوط الأنابيب في السعودية، ارتفعت كلفة الحماية والتأمين والنقل، وكلما اتسع نطاق التهديد الجغرافي، ازدادت الحاجة لدى السعودية إلى موارد عسكرية أكبر لتأمين مساحة أوسع. وفي المقابل، يؤدي استمرار التهديد إلى إعادة حسابات الشركات والدول التي تعمل في المنطقة، وقد يدفعها إلى تغيير المسارات أو تقليص الانتشار أو رفع كلفة الخدمات. وكلها تضغط على القرار السعودي للرضوخ للشروط اليمنية باعتبارها أقل كلفة من التصعيد.
الأثر الأبعد يتمثل في انتقال الصراع من ساحته العسكرية المباشرة إلى المجال الاقتصادي والاستراتيجي، فالنفط يدخل في المعادلة، والتأمين يدخل فيها، والموانئ والمضائق وخطوط الأنابيب والقواعد الأجنبية تدخل فيها أيضاً، وهكذا تصبح العملية العسكرية اليمنية ذات نتائج تتجاوز لحظة إطلاق الصاروخ أو الطائرة المسيرة، لأنها تترك وراءها سلسلة من القرارات الاقتصادية والأمنية والسياسية التي قد تستمر لفترة أطول من الحدث العسكري نفسه. ومن منظور الرياض، تفرض هذه التطورات مراجعة لحسابات حماية منشآتها الحيوية وتأمين طرق تصدير الطاقة وعلاقاتها الأمنية الدولية. ومن منظور واشنطن والعواصم الأوروبية، تفرض التطورات مراجعة كلفة الوجود العسكري في منطقة تتعرض منشآتها وقواعدها لخطر متزايد. ومن منظور شركات الطاقة والنقل والتأمين، تصبح المنطقة مساحة ذات علاوة مخاطر أعلى وتكاليف تشغيل أكبر.
أما بالنسبة إلى مسار الحرب والسلام، فإن ارتفاع الكلفة الاقتصادية والعسكرية يخلق ضغطاً على السعودية باتجاه البحث عن ترتيبات لحلحلة الملف اليمني ومعالجة ما خلفته الحرب.
وهنا تكمن الدلالة الأبرز للتطورات الحالية: الحرب لا تجري في الجغرافيا اليمنية وحدها، فآثارها تنتقل إلى البحر، ثم إلى التأمين، ثم إلى النفط، ثم إلى التجارة، ثم إلى الحسابات العسكرية، وصولاً إلى العلاقات الدولية. وكل حلقة من هذه السلسلة ترفع كلفة استمرار التصعيد، وتدفع الأطراف المعنية إلى إعادة تقييم خياراتها على أساس واقع ميداني واقتصادي أكثر تعقيداً من الحسابات التي سبقت المرحلة الراهنة.