موقع أنصار الله – متابعات – 20 ربيع الآخر 1448هـ                                                                        

شيّعت جماهير غفيرة وعائلات 105 شهداء من ضحايا مجزرة مربع برج التاج في شارع اليرموك بمدينة غزة، اليوم الخميس، ما تبقى من جثامين أحبّتها إلى مثواها الأخير، بعد نحو ثلاثة أعوام قضوها تحت أنقاض منازلهم التي دمرها العدو الصهيوني، في واحدة من أكثر مشاهد الفقد قسوة على عائلات غزة.

وتعود مجزرة برج التاج إلى 25 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين قصفت طائرات العدو الصهيوني برج التاج ومحيطه في منطقة اليرموك بمدينة غزة، في واحدة من أعنف الغارات التي طالت مربعًا سكنيًا مكتظًا بالسكان.

 وأفادت تقارير ميدانية آنذاك بأن القصف استهدف برج التاج، وأشارت مصادر أخرى إلى إطلاق نحو 20 صاروخًا على البرج والمنازل المحيطة به، ما أدى إلى تدمير المبنى وتسوية عدد من المنازل بالأرض، وسقوط عشرات الشهداء والجرحى، معظمهم من النساء والأطفال.

وتنطلق مراسم التشييع عند الساعة العاشرة صباحًا من مربع التاج باتجاه مقبرة الشيخ رضوان، بحضور ذوي الشهداء وممثلين عن الجهات المنظمة، فيما يتخلل مراسم التشييع مؤتمر صحفي للحديث عن عمليات البحث والانتشال التي أفضت إلى إخراج رفات الشهداء من تحت الركام. ومن بين المشيعين، يقف الصحفي الفلسطيني محمود هنية أمام رفات زوجته الصحفية دعاء شرف وابنه عبيدة، الطفل الذي لم يتجاوز عمره عامًا وشهرين، بعدما ظل الاثنان تحت أنقاض منزل العائلة منذ وقوع المجزرة.

وبكلمات يختلط فيها وجع الأب بفقد الزوجة، يستعيد هنية صورة المكان الذي كان يومًا حيًا مكتظًا بالعائلات والأطفال، قبل أن تحوله الغارات الصهيونية إلى ركام، قائلًا إن المجزرة لم تستهدف مباني فحسب، وإنما طالت حياة عائلات بأكملها. ويقول هنية إن مربع التاج كان يضم عشرات الوحدات السكنية، وكان من أجمل الأحياء في المنطقة، قبل أن تختفي معالمه بفعل القصف، مضيفًا: «أنا بتكلم عن أطفال، عن حياة، عن ناس كانوا عايشين.. هذا كان أجمل حي في المنطقة، وهذا هو الذي تبقى».

ويشير إلى أن نحو 15 عائلة مُسحت بالكامل في المجزرة، فلم يبقَ منها أب أو أم أو أبناء، بينما طالت الخسائر معظم العائلات الأخرى، ولم تنجُ سوى عائلة أو اثنتين تقريبًا من الفقد الكامل.

 ويستعيد هنية مشهد انتشال ابنه عبيدة، الذي لم يتجاوز عامًا وشهرين، من تحت الأنقاض، في واحدة من أكثر اللحظات قسوة التي عاشها منذ وقوع المجزرة، مؤكدًا أن ما جرى في مربع التاج لا يمكن اختزاله في أرقام الضحايا أو حجم الدمار.

ويقول: «أنا بحكي عن أطفال، عن عائلات، عن ناس كانت إلها حياة.. اليوم ما في عيلة.. عائلة كاملة اختفت».

ويؤكد الصحفي أن حجم الدمار الذي خلّفه القصف الصهيوني لم يترك للمكان سوى الركام، بعدما ألقت قوات العدو كميات ضخمة من المتفجرات على المنطقة، لتتحول المنازل التي كانت تحتضن العائلات والأطفال إلى أنقاض، وتبقى جثامين الضحايا مدفونة تحتها لسنوات.

في حين شيع جثمان الصحفية تسنيم بخيت، مراسلة مجلة "السعادة"، و التي ارتقت مع عدد من أفراد عائلتها في ذات المجزرة، حيث طوى القصف العائلة من السجل المدني بالكامل دفعة واحدة.

كما شيّع الصحفي يوسف شرف جثامين زوجته إسلام وأطفاله الأربعة: ملك ومالك وياسمين ونور، إلى جانب والده ووالدته وعدد من أشقائه وأفراد عائلته. وبعد قرابة ثلاثة أعوام على المجزرة، في مشهد يلخّص حجم الفاجعة  التي خلّفها القصف بحق عائلات بأكملها.

ويحمل تشييع شهداء التاج اليوم معنى مختلفًا لعائلاتهم الشهداء؛ فهو ليس مجرد مراسم لدفن جثامين انتُشلت من تحت الركام، بل نهاية انتظار استمر قرابة ثلاثة أعوام، انتظرت خلالها العائلات معرفة مصير أحبّتها، قبل أن تستعيد جثامينهم وتمنحهم حق الدفن.

 وتأتي مراسم التشييع فيما لا تزال آلاف الجثامين مفقودة تحت أنقاض المباني المدمرة في قطاع غزة؛ إذ أكد المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل أن أكثر من ثمانية آلاف جثمان ما تزال تحت الركام، في ظل نقص المعدات والآليات الثقيلة والوقود اللازم لعمليات البحث والانتشال.