الجنة هي النعيم العظيم، النعيم الذي وصفه الرسول (صلوات الله وسلامه عليه) بعبارة موجزة: ((فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)) كيف نؤمن بهما؟ وما هو الأثر الذي يتركه الإيمان بهما؟ وكيف نؤمن باليوم الآخر بتفصيلاته تلك المهولة، بتلك الأهوال التي تأتي في ذلك اليوم؟ ما علاقته بمعرفة الله؟ الإيمان باليوم الآخر،الإيمان بالجنة، الإيمان بالنار، يجب أن يكون إيماناً بالشكل الذي يترك أثره في نفوسنا, إيماناً يشدنا إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن الجنة بيده والنار بيده، وهو من يبعث عباده ويحشرهم ويحاسبهم وهو من يصنع كل تلك الأهوال في ذلك اليوم.
أوليس من أسمائه الحسنى سبحانه وتعالى: الجبار، شديد العقاب، ألم يصف نفسه سبحانه وتعالى بأنه شديد العقاب؟ أن نؤمن بأنه جبار، جبار على من يتمردون عليه، على من لا يهتدون بهديه، على من يعاندون ما أنزله على أنبيائه من الهدى، من الآيات البينات؟ شديد العقاب لا أحد غيره يمكن أن تصل عقوبته إلى معشار، معشار العقوبة من الله سبحانه وتعالى، هذا نفسه سيربطنا بالله سبحانه وتعالى، بالجبار بشديد العقاب، يربطنا به فنعرفه بهذا سبحانه وتعالى بأنه جبار وشديد العقاب، فيدفعنا ذلك إلى أن نخشاه، إلى أن نخاف على أنفسنا من مخالفة ما هدانا إليه وأرشدنا إليه.
الإيمان السائد بالله سبحانه وتعالى هو إيمان: [الله غفور رحيم] أليس كذلك؟! {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} (الحجر:50) {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ} (غافر: من الآية3) أليس يريد أن نؤمن بالأمرين معاً؟: أنه غفور رحيم، وأن عذابه هو العذاب الأليم، أنه غفور رحيم، وأنه شديد العقاب، أنه {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ}.
أعمالنا في هذه الدنيا أليست تسير على شق واحد؟ هو شق: ((الله غفور رحيم))؟ أليس هذا الذي يحصل؟! أي إيماننا ناقص بالنسبة لله سبحانه وتعالى؛ لأن الإيمان به ليس فقط إيمان بمجرد وجوده، الإيمان به مرتبط بالإيمان برسوله، بكتبه، باليوم الآخر.
أن تكون مؤمناً بالله ثم لا تكون مؤمناً باليوم الآخر، أو تكون غافلاً عن اليوم الآخر، أو ناسياً لليوم الآخر، سيبدو إيمانك بالله سبحانه وتعالى ذاته ناقصاً؛ لأنك فقط آمنت بأنه هو الغفور الرحيم، وهو في نفس الوقت - كما وصف نفسه، وكما سمى نفسه - : الملك، القدوس، السلام، المؤمن، العزيز، الجبار، المتكبر، هو غافر الذنب، هو شديد العقاب، كما قال: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} قل لهم أنا هكذا، ليؤمنوا بي هكذا إيماناً كاملاً، لأن القضية مهمة؛ الإيمان بالله سبحانه وتعالى على هذا النحو الكامل هو ما يدفعني إلى أن أرغب إليه وأرهب منه إلى أن أتقيه.
والتقوى - لاحظـوا - كيف التقوى في القرآن الكريم؟ تأتي بعبارة: {وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}(البقرة: من الآية197) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ}(التوبة: من الآية119) {اتقوا الله} تتكرر كثيراً.
أين يتجه الأمر بالتقوى؟ أين يتجه؟ إلى غفور رحيم!؟ أو الإتقاء لأنه سبحانه وتعالى شديد العقاب؟! فلا تتحقق التقوى لدي إذا لم أؤمن بالله سبحانه وتعالى على هذا النحو.
أين موضع شدة عقابه؟ أين موضع جبروته وبطشه؟ هنا في الدنيا وفي الآخرة على أعلى مستوى، وأشد ما يمكن أن يكون، جهنم.
إذاً فالإيمان بجهنم، الإيمان باليوم الآخر على هذا النحو الذي يجعلني خائفاً، هو نفسه الإيمان بأن الله شديد العقاب، الإيمان بأن عذابه هو العذاب الأليم، ومن هذا الطريق تأتي إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وليترسخ في نفسي الخوف من جهنم؛ ولهذا جاء في القرآن الكريم الآيات الكثيرة التي تتحدث عن تفاصيل جهنم بشكل رهيب.
دروس من هدي القرآن الكريم
معرفة الله وعده ووعيده - الدرس التاسع
ألقاها السيد/ حسين بدر الدين الحوثي
بتاريخ: 28/1/2002م
اليمن - صعدة