الشيء المؤسف جداً: أنَّ المسلمين لا يستفيدون من تاريخهم، مرَّت الأمة بمراحل تاريخية فيها الكثير من الدروس والعبر، وعندما كانت تأتي أحياناً هجمة- مثل: الهجمة المغولية، أو الهجمة الصليبية- على بلدٍ مسلم، تفعل فيه بمثل ما يفعله الصهاينة اليوم في فلسطين، مع اختلاف في وسائل القتل والدمار، آنذاك يستخدمون السيوف، والرماح، والإحراق للمدن، والإحراق للناس، والتدمير بوسائلهم المتاحة والمتوفرة لهم آنذاك، لكن حجم الإجرام من حيث عدد ما يقتلون، وما يفعلون، والانتهاك للحرمات والأعراض، كان كبيراً، كانت بقية الشعوب تبقى متفرِّجة، وكأنَّ ما يحدث هناك لا يعنيها، وكأنَّ ما يحصل سيبقى محصوراً في نطاق ذلك البلد، وتبقى الشعوب متفرِّجة، ولكن بعد مرحلة معينة يمتد ذلك الشر على بقية الشعوب، وامتد، مثلما حصل في الهجمة المغولية، امتد على شعبٍ تلو آخر، وكل شعب يتفرَّج على ما يحدث تجاه الشعب الآخر، آنذاك لم يكن هناك وسائل إعلامية، لكن كانت تصل الأخبار إلى الناس، تصل إليهم التفاصيل، وإن لم يكن هناك مثل هذا العصر المشاهد الحية عبر التلفاز، لكن كانت تصل الأخبار إلى الناس، يعرفون في الهجمة المغولية أنَّه قُتل ثلاثمائة ألف إنسان في يومٍ واحد في مدينة واحدة، ثلاثمائة ألف إنسان! وأنها انتهكت الأعراض، واغتصبت النساء، ونهبت الممتلكات، ودمِّرت المنازل، ثم كانوا يسكتون، ولا يتحركون، ولا يدركون الخطر، ولا يستشعرون المسؤولية، ثم ينتقل الخطر إلى بلدٍ آخر، وهكذا في الهجمات الصليبية.
ثم ما بعد ذلك إلى اليوم، الحالة هي نفسها: ليس هناك إدراك للمخاطر الكبرى للتخاذل، وفقدان الروحية الجهادية، وما يترتب عليها من العقوبات الإلهية، وأنَّ الأمة تخسر فيها حتى التأييد الإلهي، يطمع فيها الأعداء أكثر، ويتسلَّطون عليها أشد، بجرأة واطمئنان، لم يعد هناك ردع، لم يعد هناك ما يردع الأعداء، وفي نفس الوقت لا تحظى الأمة برعاية من الله، ولا معونة من الله، ولا تأييد من الله، وهي في حالة تخاذل، في حالة مؤاخذة، مؤاخذة، وغضب من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
فالمخاطر كبيرة جداً، وَإِذا فَقدتِ الأمة الروحيةَ الجهادية، ولم يعد لديها تحرك للنهوض بمسؤولياتها الكبرى، في الجهاد في سبيل الله، وحمل رسالة الله، والسعي لإقامة القسط في الأرض؛ هي تهبط على مستوى كل المجالات، لم يعد لديها حافز للبناء، ولا دافع لإعداد القوة... ولا شيء، يصبح الضعف ثقافة سائدة، يصبح الاستسلام والخنوع سلوكاً عاماً، تصبح مسألة الخضوع للأعداء، والتبعية لهم، والاسترضاء لهم هي السياسة العامة، فتفقد الأمة كل مقومات وعناصر البناء، التي تبنيها كأمة قوية، حاضرة في هذه الساحة العالمية، لتكون في موقف مستقل ومتميز، على حسب انتمائها لإسلامها.
وهذه حالة تشمل كثيراً من البلدان، يصبح التوجه عندهم هو: [كيف يعملون على استرضاء العدو، وتقديم التنازلات له، ودفع الجزية له، والسعي لأن تحظى بعض الأنظمة بحمايته]، في مقابل أن تقدم له كل شيء، وأن تتعاون معه في كل شيءٍ ضد أمتها، وضد شعوبها، وبجهل، يجهلون أنَّ العدو في المرحلة التي يستغني عنهم فيها؛ لن يقدِّر لهم ما فعلوه، ولو كان كيفما كان، لو كان حجم تعاونهم وخدمتهم للأعداء، وما قدَّموه للأعداء كبيراً جداً، فلا قيمة له عند العدو، في اللحظة التي يستغني عنهم فيها؛ يبيدهم، ليس لهم أي قيمة، ولا كرامة، ولا اعتبار، ولا احترام؛ لأن نظرة العدو إليهم ليست حتى في مرتبة أنهم بشر، هو يعتبرهم مجرد حيوانات يستغلهم.
- ومخاطر أخرى في ظل هذا الخطر نفسه: مخاطر التطويع للأمة في خدمة أعدائها، وفي مصلحتهم:
يتحول واقع الكثير من الأمة خدمةً للأعداء في كل شيء، وما أسوأ أن يتحول واقع شعب من الشعوب، أو بلد من البلدان، إلى أن تُسخَّر فيه الجهود، والطاقات، والإمكانات، والقدرات، والثروة... وكل شيء، لخدمة عدوٍ مجرمٍ، ظالمٍ مفسد! هذا خسرانٌ للدنيا والآخرة، ذلٌ وهوانٌ، استعباد بكل ما تعنيه الكلمة، وضياع، مثل هذا يُضِيْع الناس، يُضِيْعُهُم، لا يبقى لهم قيمة لا في الدنيا ولا في الآخرة.
أو أيضاً يحرفون بوصلة العداء في ظل ما يخدم العدو، مثلما هو الحال في التكفيريين، كيف هو موقفهم تجاه ما يحصل على الشعب الفلسطيني؟ من أكبر الفضائح تجاه ما يحصل في فلسطين، هي: الفضيحة الكبرى للتكفيريين. أين هو عنوان الجهاد، الذي لا يفعِّلونه إلَّا لتدمير الأمة من الداخل، ولإثارة الفتن بين أبناء الأمة، تحت العناوين المذهبية والطائفية، لخدمة أمريكا وإسرائيل؟! ولا طلقة واحدة، ولا موقف واحد، ولا عملية واحدة، ولا شيء لمناصرة الشعب الفلسطيني، مع إمكانياتهم الضخمة والهائلة، وانتشارهم الواسع، وما يحظون به من دعمٍ بتوجيهٍ أمريكي من أنظمة عربية متمكِّنة، تدفع لهم المليارات من الدولارات، في سبيل دورهم التخريبي الهدَّام المدمر في داخل الأمة الإسلامية، الناشر للفتن، المفرِّق للمسلمين تحت العناوين المذهبية والطائفية، فضيحة كبرى، أين هو الجهاد؟! وأين هو الاستشهاد؟! وأين هم الانتحاريون لينتحروا في وجه الصهاينة اليهود؟! تلاشى كل شيء، وانتهى كل شيء، لكن لا يزال نشاطهم باتجاه محاولة جرِّ الأمة من جديد إلى صراعات فتنوية، فتنوية لخدمة أمريكا وإسرائيل، ولصرف نظر الأمة عن عدوها الحقيقي، العدو الحقيقي بنص القرآن، وبشهادة الواقع، وشهادة الأحداث؛ ولذلك الحالة واضحة في واقع الأمة، يعني: هذا جزءٌ أيضاً من حالة الانحراف، الذي يطوِّع البعض من أبناء الأمة لصالح أعدائها وخدمتهم.
ولذلك نجد أهمية الاستنهاض للأمة، وإحياء الروحية الجهادية فيها، ببصيرةٍ ووعي، من خلال القرآن الكريم، وسيرة رسول الله "صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم"، ونجد كيف أنَّ إحياء الروحية الجهادية يترافق معها: إحياءً للأمة كاملاً؛ لأنه لابدَّ مع إحياء الروحية الجهادية، من إحياء الأخلاق، إحياء الوعي، إحياء الإيمان في كل جوانبه، بل حتى الإحياء الحضاري، هو يترافق مع إحياء الروحية الجهادية، لتستعيد الأمة مجدها، وعزها، وحقوقها، ولتتخلص من التبعية لأعدائها، ولا يوجد سبيلٌ آخر والواقع يشهد.
السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي
من كلمة تدشين أنشطة ذكرى المولد النبوي الشريف 2-3-1446ه 5-9-2024م