موقع أنصار الله | من هدي القرآن  الكريم | 

 

 

ولهذا جاء في الآية الأخرى: {قُلْ} قل يا محمد للناس, لأولئك الذين يسخرون من المؤمنين ويعدونهم خاسرين عندما ينالهم شيء وهم ينطلقون في سبيل الله ليست هذه خسارة: {إِنَّ الْخَاسِرِينَ - الحقيقيين هم - الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} يوم القيامة وليس هنا في الدنيا {أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} الخسران الحقيقي والواضح {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ}.

هكذا يقول الله لنا سبحانه وتعالى؛ ليعلمنا كيف تكون مشاعرنا, وما هي المشاعر التي نحملها ونحن في أي مرحلة صعبة، وأنت في مواجهة أي خطر ينالك أو يحدق بك، لا تعد شيئا في هذه الدنيا ينالك في سبيل الله خسارة، وهذه هي قاعدة عامة وثابتة، وسنة من سنن الله سبحانه وتعالى: أن من يعمل لدينه وفي سبيله، وينطلق في رضاه، ليس هناك أمامه أي خسارة على الإطلاق، لا خسارة مادية، ولا خسارة معنوية أبدا.

لاحظوا، عندما يدعو الله الناس للإنفاق في سبيله ألم يعدهم بأنه سيخلف عليهم ما أنفقوا؟ ليفهمنا أن العمل في دينه ليس فيه خسارة أبداً، والنظرة المغلوطة لدينا هي هذه: أن كل من يفكر أن ينطلق في الأعمال في سبيل الله بنفسه وماله يخيل إليه أنه سيقع في الكثير من الخسارة، سيحتاج أن يعطي كذا، سيحتاج أن ناله كذا فيرى نفسه يتعرض للخسارة!. إن الله في القرآن الكريم أوضح لنا بأنه ليس في العمل في سبيله أي خسارة أبدا.

فأنت إن أنفقت يخلف عليك أضعاف ما أنفقت، وأنت عندما تكون تعمل في سبيله فينالك شيء من الألم كله سيكتب لك عملا صالحا، ذلك الألم الذي قد ينالك على أيدي أعدائك الذين لم تعمل في سبيل ضربهم قد ينالك الكثير من الألم ثم لا يكتب لك شيء. أما إذا كنت في سبيل الله فإن كل حركة من حركاتك, وأي مصيبة تنالك, وأي مشقة مهما كانت بسيطة كلها تكتب لك عمل صالح، وأن يكتب لك عمل صالح مضاعف الأجر حينها ستجد بأن كل ما ينالك ليس وراءه خسارة.

إن الخسارة هي أن يكسر عظام الإنسان على أيدي اليهود وهو بعد لم يعمل ضدهم شيئا، هذه هي الخسارة. إن الخسارة هي أن يدمر بيتك على أيدي أعداء الله وأنت ممن كنت لا تعمل ضدهم شيئا, هذه هي الخسارة. حينها سيكون كل ما نالك عقوبة، والعقوبة لا أجر عليها, لا أجر معها. أليست هذه هي الخسارة الحقيقية؟ لكن ليحصل مثل هذا، أو أكثر منه، أو أقل منه في سبيل الله لن يكون خسارة؛ لأنه يكتب لك عمل صالح، مضاعف الأجر عند الله ثم وبناء على هذه القاعدة الإلهية أنه لو وصل الأمر إلى أن تضحي بنفسك ألم تنفق نفسك حينئذ في سبيل الله؟ يقول لك: لن تخسر أبدا حتى روحك وستعود حيا, ألم يقض بهذا للشهداء؟ {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} (البقرة:154)، {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} (آل عمران:169).

لأنك من بذلت نفسك في سبيله, وعلى أنه لا خسارة في التعامل معه سيعيد لك روحك، وتعيش حيا ترزق بكامل مشاعرك، وتفرح، وتستبشر بما أنت عليه، وبمسيرة الآخرين ممن يسيرون على نهجك، أنهم يسيرون على طريق حق، وعلى صراط مستقيم، وأن من سيلحق بعدك من إخوانك سينال ما نلته أنت من التعظيم، ومن الحياة في ذلك العالم، حياة مليئة بالفرح والسرور، هل هناك خسارة؟.

بل أليس الناس يموتون؟ هذه هي الخسارة أن تموت ثم لا يكون في موتك إيجابية بالنسبة لك, ليس في موتك أي استثمار لك, وهذه هي الخسارة الحقيقية. هكذا يعلمنا الله: بأن كل من ينطلق في سبيله لن يخسر أبدا، وأن الخسارة هي خسارة أولئك الذين قد يكون واقعهم يؤدي بهم إلى أن يخسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. ومن يهربون من الموت في الدنيا، هم من يموتون حقيقة، هم من يضيعون في التربة حقيقة، أما الشهداء فإنهم لا يموتون. أوليس كذلك؟.

فكل من يخاف من الموت هو الخاسر، هو الذي يريد أن يموت، هو من سيكون موته لا قيمة له، إذا كنت تكره الموت فحاول أن تجاهد في سبيل الله، وأن تقتل شهيدا في سبيله. 

دروس من هدي القرآن الكريم 
معرفة الله وعده ووعيده - الدرس الخامس عشر 
ألقاها السيد حسين بدر الدين الحوثي " رضوان الله عليه "
بتاريخ: 8/2/2002م  - اليمن - صعدة