شعبنا اليمني هو من الشعوب التي تتميَّز بمدى إقبالها واهتمامها بشهر رمضان المبارك، ولو أن ما طرأ من إمكانات وتقنيات، وبالذات في المجال الإعلامي على المستوى العالمي، فيما يتعلَّق بالإنترنت، والقنوات الفضائية، وما يُقَدَّم فيها من المسلسلات... وغير ذلك، قد فعل فعله في معظم الشعوب الإسلامية، في الحد من مستوى الإقبال الكبير في شهر رمضان المبارك، على ما ينبغي الاهتمام به والإقبال عليه، وما ينبغي إعطاءه الأولوية من التركيز عليه: هدى الله، القرآن الكريم، العبادة، الذكر، الاهتمام بالأعمال الصالحة في نطاقها الواسع... وغير ذلك، لكن لا يزال- مع كل ذلك- شعبنا اليمني من الشعوب الأكثر محافظةً، واهتماماً، وإقبالاً في شهر رمضان المبارك، على المساجد على العبادات، على الذكر، على القرآن الكريم بشكلٍ متميِّز... وغير ذلك من الأعمال الصالحة، والمميزات التي امتاز بها شهر رمضان المبارك.
هذا من نعمة الله ومن توفيقه "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ لأن الجو العام عندما يكون جوّاً يسود فيه الإقبال على القرآن الكريم، الالتزام بالصيام، الاهتمام بالذكر والدعاء، الإحياء للمساجد، هذا الجو العام يساعد على أن يكون الحال في واقع الناس هو التعاون على البر والتقوى، وأن يتشجَّع الكثير، ويتحفَّز الكثير، على الاهتمام، على الإقبال؛ تأثُّراً حتى بالجو العام نفسه، وهذه مسألة إيجابية في واقع الحال، وكما قلنا: هي من مظاهر: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}[المائدة:2].
ولذلك يركِّز الأعداء في حربهم الشيطانية، المفسدة، المضلَّة، المميِّعة، الناعمة، في الاستهداف الأمة بشكلٍ عام، على تقليص ظاهرة الصلاح والإيمان، والاهتمام العام بفرائض الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، والأعمال الصالحة، والقرب المقرِّبة إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، والسعي لتقليص الفئات المتفاعلة مع ذلك، فهم يركِّزون على الاستهداف الواسع النطاق لفئة الشباب؛ بهدف صدِّهم عن الإقبال على ذلك، ولكثيرٍ من فئات المجتمع، وأثَّروا إلى حدٍ ما في بعض البلدان العربية وغيرها من العالم الإسلامي، ولكن في بعض الشعوب لا يزال التفاعل والإقبال بشكلٍ جيِّد.
السمة العامة في العالم الإسلامي بكله هي:
- الاعتراف بقدسية شهر رمضان المبارك، والتفاعل الإيجابي مع ذلك.
- وكذلك المعرفة العامة إجمالاً بعظيم فضله، وأنه يمثِّل فرصةً عظيمة في الأعمال الصالحة، ومضاعفة الأجر، والالتزام الإيماني، والارتقاء الإيماني والأخلاقي، وكذلك فيما يتعلَّق بليلة القدر، فيما يتعلَّق بالدعاء، فيما يتعلَّق بالتَّضرُّع إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"... وغير ذلك.
هذا شيءٌ معروف بشكلٍ عام في العالم الإسلامي عموماً، ولكن هناك تفاوت كبير في مستوى الاستفادة من شهر رمضان.
الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" فتح أبواب رحمته على نحوٍ عظيمٍ وواسع في شهر رمضان، جعل الفرصة كبيرةً جدًّا، العروض التي يعرضها الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" من الخير العظيم، من رفيع الدرجات، من مضاعفة الأجر، من العطاء التربوي والإيماني... من كل أبواب الخير، التي أتاحها الله لعباده، هو عظيمٌ جدًّا.
والشيء المؤسف في واقع الناس، وفي المقدِّمة الأمة الإسلامية، هي: ضعف الاستيعاب لهذا العرض الإلهي العظيم، المغري المهم، الذي نحتاج إليه حاجةً ماسَّة، ليس بنا غنىً عنه، فيما نحن نلهث بكل جهد، بكل اهتمام وراء الكثير من الأمور البسيطة، التافهة، في مقابل عظيم ما يقدِّمه الله لنا ويعرضه لنا من خير الدنيا والآخرة.
وفعلاً الكثير من الناس تغريهم الأمور التافهة، ممَّا يلهثون وراءه بحسب شهواتهم ورغباتهم، ولا يلتفتون إلى عظيم ما يعرضه الله عليهم، وعظيم ما يمكن أن يحظى به الإنسان إذا استجاب لله، إذا أقبل إلى ما يعرضه الله عليه من الخير العظيم، وفي نفس الوقت كم هي الخسارة الكبيرة جدًّا، الناتجة عن الإعراض عن الله وعمَّا يقدِّمه ويعرضه لنا من الخير العظيم، ما فتحه من أبواب الرحمة الواسعة.
فضل الله واسع، ورحمته عظيمةٌ وواسعة، وهو يعرض الخير لعباده دائماً، أبواب رحمته مفتوحةٌ على الدوام، لكن هناك مواسم فيها المزيد والمزيد والمزيد من عطاء الله وفضله ورحمته، وتتهيأ فيها فرصٌ كبيرةٌ جدًّا، ومن الحسرة على الإنسان ومن الغبن العظيم أن يفوِّت مثل هذه الفرص، ومنها: فرصة شهر رمضان المبارك.
ولهذا ينبغي أن يلتفت الإنسان بجدِّيَّة إلى نفسه، إلى واقعه، وأن يُذَكِّر نفسه بهذه الحقائق المهمة: أنه لا ينبغي أن يفوِّت هذه الفرصة، التي هو في أمسِّ الحاجة إليها، نحن جميعاً بحاجة إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في كل شيء، في أمور الدنيا وأمور الآخرة، لأمور حياتنا هذه، وفي أمورنا لمستقبلنا الدائم والأبدي العظيم والمهم، وتجاهل الإنسان، أو ضياعه؛ نتيجة التشويش الذهني وضغط الأشياء من حوله، ليس فيه أي فائدةٍ له؛ إنما يخسر، ثم يندم بعد فوات الأوان.
المحاضرة الرمضانية الأولى للسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي 01 رمضان 1447هـ 18 فبراير 2026م