هنا نجد كيف بدأ التنفيذ للإرادة الإلهية، يقول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}[القصص:7]، سنَّة الله في الفرج لعباده: أن تكون على يد أوليائه، الذين يعملون وفق تعليماته وهديه، فالفرج مرتبطٌ بهذه السنة، الفرج للناس، الإنقاذ لهم من الوضعية السيئة التي هم فيها، يأتي من خلال هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ومن يتحرك في إطار هدى الله وتعليماته جلَّ شأنه؛ ولهذا نجد كيف اتَّجهت إرادة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في الاصطفاء لنبيه موسى لمهمة الفرج والخلاص لأولئك المستضعفين، حينما أراد الله أن ينقذهم، ماذا عمل لهم؟ خلق إنساناً، شخصاً؛ ليجعل على يده مهمة الفرج والخلاص لهم، واصطفاه لهذه المهمة، هيأه لها، وأعده لها، وخلقه لها، لهذه المهمة، ولهذا الدور المهم جداً، مثلما قال في الآية المباركة: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}[طه:41]، فالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" خلقه، وهيأه، وأعدَّه، واختاره، واصطفاه لهذه المهمة: في مقارعة طغيان فرعون، وفي العمل لإنقاذ أولئك المستضعفين.
الوعي بهذه السنة أيضاً من الأمور المهمة جداً، أن نعي سنن الله، كيف ينقذ الله عباده؟ كيف يخلِّصهم من الوضعية السيئة التي هم فيها؟ هو يهيِّئ لهم "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" من يجعل على يده هذا الدور، يُعِدُّه لذلك، يهيِّئه لذلك؛ باعتبار هذه مسؤولية كبيرة جداً، وتحتاج إلى مؤهلات عالية، وإعداد مخصص من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، يعني: خارج عن مستوى قدرات البشر في الإعداد لمستوى هذا الدور، لمثل هذه المهمة.
وفعلاً، من يتأمل كيف كانت الظروف آنذاك، كيف كانت الوضعية؛ يدرك- فعلاً- أنها مهمة في غاية الصعوبة، وبالغة التعقيد، وتحيط بها الكثير من العوائق الكبيرة جداً، فالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" اتَّجهت إرادته في أن يخلق من يُجْري على يده الفرج والخلاصة لأولئك المستضعفين، بالرغم من أنَّ الظروف بالغة التعقيد، فرعون كان قد اتَّخذ إجراءً احترازياً هو وجنوده ووزيره هامان، بالأمر بذبح كل الأطفال الذكور؛ لأنه يخاف من ذلك، بعدما أخبره المنجمون والكُهَّان ومن معهم بهذا الخطر مسبقاً، ولكن كيف كانت إرادة الله ومشيئته؟
ولهذا ينبغي أن يكون لدينا وعي عن دور القادة الربَّانيين، الذين يعملون على خلاص المستضعفين بهدايةٍ من الله، وفق تعليمات الله، وفق هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ لأن التفاعل معهم في إطار هذه المهمة المقدَّسة، أمرٌ مهم؛ حتى يتحقق الخلاص.
ثم أن نعي أن سنن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" وتدبيره يأتي إلى واقع البشر، وعلى أيديهم، هناك سنَّة من سنن الله تتعلق بالأسباب، يجب أن نعيها؛ لأن البعض مثلاً قد يتصوَّر كيف يأتي الخلاص والفرج بطريقة أخرى، طريقة بعيدة عن تحرك، عن نهوض بمسؤولية، عن أخذ بأسباب، عن عمل، عن سعي، عن تحرك في إطار تعليمات الله وتوجيهات الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وتقديم للتضحيات في إطار ذلك.
البعض- مثلاً- قد يتصور أنَّ المسألة ممكن أن تأتي بمجرَّد دعاء بهلاك الأعداء، وأن يقضي الله عليهم في لحظةٍ واحدة، من دون أن يكون هناك أي تحرك، أي نهوض بمسؤولية، أي أخذ بأسباب عملية.
هنا من هذه القصة نستوعب هذه السنة المهمة من سنن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، فنجد كيف أنَّ مهمة الفرج لبني إسرائيل كمستضعفين، اختار الله لها شخصاً صنعه، أعدَّه، هيأه لهذه المهمة؛ ليجري على يديه الفرج والخلاص لهم، وليسْقِط على يده طغيان فرعون.
المحاضرة الرمضانية الرابعة للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي - 04 رمضان 1447هـ | 21 فبراير 2026م