((من أخطر الأشياء على الناس))، هذه جملة مهمة جدًّا، ((من أخطر الأشياء على الناس: تلك القضايا التي تبدو طبيعية، لكنها ذات أهميَّة كبيرة جدًّا))، هذه مسألة مهمة جدًّا؛ لأن هذا مما يكثر التفريط فيه، حينما يتعامل الانسان بمزاجه الشخصي، وتقييمه للأشياء، لا يعطيها نفس الأهميَّة التي أعطاها الله في القرآن الكريم؛ وإنما يحمل هو انطباع عنها، فينظر إليها كقضايا عادية، وهي قضايا ذات أهميَّة كبيرة جدًّا، النظرة إليها كقضية عادية في تقييم الإنسان الشخصي لها، بحسب نظرته القاصرة، ومزاجه الشخصي؛ يسبب إلى التهاون فيها، يدفع الإنسان إلى أن يتهاون بها، ثم يكون للتفريط فيها عواقب خطيرة جدًّا، وكان منشأ هذا التفريط، هو: تلك النظرة القاصرة، إلى أنَّ تلك المسألة مسألة عادية، ليست ذات أهمية كبيرة؛ وبالتالي لم يتوفَّر لدى الإنسان الدافع القوي للالتزام بها.
فربط المسائل بالمزاج الشخصي، والتقييم الشخصي، ثم ما يترتب على ذلك من طريقة التعامل، التي فيها تهاون، وتفريط، وإهمال، أمر خطير جدًّا؛ ولهذا في العلاقة مع هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وفي ترسيخ التسليم لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، فالإنسان يتخلَّص من هذه الحالة، يعني: لا يتعامل مع ما يأتي من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" من توجيهات، من خلال نظرته الشخصية القاصرة، التي تستبسط الأمور، وتتهاون بها بناءً على ذلك، بل يعطي أهمية كاملة لكل ما أتى من الله من تعليمات وتوجيهات، ويدرك أنَّها ذات أهمية، حتى لو لم يستوعب هو مستوى الأهمية، أو لم يستشعر مستوى الأهمية، أو لم يفهم حتى مستوى الأهمية، لا يحتاج إلى ذلك، إجمالاً: يدرك الانسان بأن ما يأتينا من الله من توجيهات وتعليمات ذات أهمية كبيرة، وعلينا أن نسلِّم لأمر الله بالالتزام العملي، هذه تربية مهمة جدًّا، وهي تربية ترتقي بنا إلى مستوى الالتزام، والحذر من التفريط، ومن الوقوع في عواقب التفريط نتيجةً لاستبساط الأمور بالنظرة القاصرة.
هذه الجملة مهمة جدًّا؛ لأنه مثلاً على سبيل المثال وبشكلٍ عام: نرى واقع الأمَّة اليوم في النظرة إلى موضوع الصراع مع اليهود، ومع فريق الشر من أهل الكتاب، كلها دخلت في هذه الإشكالية: استبساط لهذه المسألة، غفلة عنها، تجاهل لها، والكثير إلى الآن- يعني: بالرغم من كل ما قد حدث من أحداث كبيرة جدًّا، أحداث رهيبة- لم يتفاعلوا، إلى الآن لم يتفاعلوا مع المسألة إلى أن ينظروا فيها بجدِّيَّة، أن يلتفتوا إلى دراسة ما ورد عنها في القرآن الكريم، مع ما يحدث في الواقع بجدِّيَّة، ما يزال الكثير مصرِّين على الإعراض عنها، هذه إشكالية كبيرة.
((من أخطر الأشياء على الناس، من أخطر الأشياء على الناس: تلك القضايا التي تبدو طبيعية، لكنها ذات أهمية كبيرة جدًّا، فأن تأتي هذه الآية، التوجيه لقضية هي تبدو طبيعية، قد يكون أي إنسان معرَّضاً لئلا يهتم بها، ويراها توجيهاً في موضوع يبدو وكأنه غير مهمٍ جدًّا، فلا يبالي به، لكن له أهميته الكبيرة، فبعد أن يكون الإنسان قد استعرض الصورة السابقة، وحصل لديه قناعةٌ وإيمانٌ بأن الإنسان لابدَّ أن يلتزم حرفياً بهدي الله، ويسلِّم لله، إذاً سيكون عنده استعداد أن يتقبَّل ولو تلك الأشياء التي قد تكون محط تساؤلٍ لديه، أو قد لا يشعر بأهميتها، وفي الأخير لا يبالي بها)).
إذاً هذه الآية المباركة في إطار سياقها، وموقعها، بعد ذلك العرض القرآني، نستفيد منها: معالجة تربوية لمسألة الاهتمام بما يأتينا من الله، واستيعاب أهميته، وألَّا نخضعه لنظرتنا القاصرة، ومزاجنا الشخصي، أو تقديراتنا الناقصة للأمور، بل أن نحرص على أن نتقبَّل ما يأتينا من توجيهات من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وأن نسعى للالتزام الحرفي بها، مسلِّمين لأمر الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ومستجيبين له بذلك، حتى لو لم نستوعب في داخل أنفسنا أهميَّة بعض الأمور التي قد تبدو طبيعية بالنسبة لنا، هذا يعود إلى نظرتنا القاصرة، إلى نقص وعينا، ما يأتينا من الله مهم جدًّا، ما يأتينا من هدى الله له أهميته حتى في القضايا التي تبدو طبيعية بالنسبة إلينا.
هذا درس مهم جدًّا، من أهم الدروس التربوية، ومن أهمِّ الأسس التي نحتاج إليها في الصراع مع اليهود، في الصراع مع اليهود؛ لأن هناك أموراً كثيرة قد لا يستشعر البعض من الناس مستوى الأهمية لها؛ فيفرطون فيها، فينتج عنها مخاطر كبيرة في الواقع، وهذه نقطة مهمة؛ لأنه سيأتي أيضاً التفصيل ما هو التوجيه الذي أتى في هذه الآية، ثم أتى عليه هذا التأكيد في داخل الآية، بعبارة: {وَاسْمَعُوا}[البقرة:104]، والتحذير في داخل الآية: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[البقرة:104]، مع ما يستفاد من السياق نفسه، من مخاطر التفريط في هدى الله، وعدم الاهتمام بالإصغاء والتفهُّم، وعدم التسليم لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" على مستوى الالتزام العملي تجاه ما يهدي إليه، وهذه مسألة مهمة جدًّا، ترتقي بنا في مستوى الاهتمام، وهذا من متطلبات الصراع: أن نكون على درجة عالية من الاهتمام والتَّقبل لهدى الله، والالتزام العملي فيما نعمل، وفيما نترك، فيما علينا أن نقوم به، في النظرة إلى الأعداء أنفسهم، إلى اليهود، والموقف منهم، والجدِّيَّة في الاهتمام بذلك، هذا درس مهم جدًّا.
المحاضرة الثانية ضمن سلسلة محاضرات (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)
للسيد القائد/ عبد الملك بدر الدين الحوثي "يحفظه الله"
الأربعاء: 3/12/1447هـ