ولذلك يعتبر التنكُّر لهذه النعمة: نعمة الهداية، التي هي أرقى هداية، أحسن وأفضل طريقة يمكن أن يسير عليها الإنسان في هذه الحياة، وتستقيم بها هذه الحياة التنكُّر لها، والمباينة لها، والابتعاد عنها، ليس له أي مبرر، لماذا لا تقبل أن يقدِّم الله، وقد قدَّم الله لك الأهدى للتي هي أقوم في كل شؤون حياتك، فلا تقبل بذلك، ماذا تريد؟ تتَّجه إلى الآخرين، إلى رؤاهم الناقصة، القاصرة، المغلوطة، التي فيها الكثير من الأخطاء والأباطيل، والتي لا يصحبها أي شيء مما يقدِّمه الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، فتقبل بها، أو أنت بنفسك تعتمد على نظرتك القاصرة، فهمك المغلوط، تقديراتك الخاطئة، بديلاً عن الاهتداء بما هو أقوم.
ولهذا ما الذي يقابل التنكُّر لهذه النعمة الكبرى، حينما لا تقبل بأهدى وأقوم طريقة تسير عليها في هذه الحياة، وتتنكُّر لها؟ يقابل ذلك أشد عقوبة، أشد عقوبة، وهي جهنم والعياذ بالله، البديل عن ذلك؛ لأن الرؤى الأخرى، والاتِّجاهات الأخرى، هي كارثية في هذه الحياة، ينتج عنها: تمكين الظلم، التمكين للطغاة، التمكين للجور، التمكين للطغيان، التمكين للفساد؛ فالنتيجة كارثية، والعقوبة عليها هي جهنم والعياذ بالله.
يقول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أيضاً: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}[الأعراف:52]، وهذا أيضاً احتجاج من الله على عباده، حتى في يوم القيامة، حينما يستوعب من ابتعدوا عن هدى الله، واتجهوا الاتِّجاهات المخالفة لهدى الله، ولاسيَّما أنَّ الكثير من الأمور التي يجعلها الناس في نظرهم وتقديراتهم الخاطئة أموراً عادية، ويصنِّفونها بتصنيفات بسيطة؛ فيتعاطون معها ويتعاملون معها بشكلٍ خاطئ، وبكل استبساط لذلك، يعني: يعتبرون المسألة عادية جدًّا، يتعاملون معها وفق مزاجهم بكل بساطة، وهي أمور كبيرة، لها تأثيراتها الكبرى السلبية للغاية على حياتهم، على دينهم، على واقعهم، على علاقتهم بالله، على مستقبلهم في الآخرة، لكنهم هم كان خطؤهم الأول: الابتعاد عن القرآن حتى في تصنيف مستوى أهمية القضية، وكيف ينبغي التعامل معها.
مثلما هو حاصل الآن، الكثير من الناس- يعني- مع أنَّ الصراع مع اليهود من أخطر الأمور والقضايا التي لها تأثيرها الكبير جدًّا على واقع الأمَّة في دينها ودنياها، لا يزال الكثير من أبناء هذه الأمَّة يتعامل معه وكأنه من أبسط القضايا، التي يكفي فيها التعامل وفق المزاج الشخصي، وفق أي فكرة يسمعها الإنسان من أي شخص، أو من أي تلفاز، من أي قناة، أو من أي إذاعة، أو يسمعوا بها في أي مكان، في مقيل، أو سوق... أو غير ذلك، هذه كارثة.
هذه الحالة لدى الإنسان التي يتعامل معها بدون مسؤولية، وبدون هدى، وبدون بصيرة مع قضايا كبرى، فيستبسط المسألة غاية الاستبساط، يؤدِّي به إلى الخسران، يوم القيامة يرى الناس أنفسهم، الكثير منهم يرى نفسه خاسراً؛ فيندم، والله قد أقام الحجَّة على عباده، هذا كتابه موجود بين هذه الأمَّة، لماذا لا تعود هذه الأمَّة إليه؟ الله يحتج بأنه أقام الحجَّة على عباده، {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ}[الأعراف:52]، هذا القرآن أتانا، موجود في واقعنا، لا يستطيع أحد يوم القيامة أن يقول: [لم يكن هناك قرآن، لم يكن هناك كتاب لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" فيه الهداية إلى ما ينبغي أن نعمل، ما هي المواقف التي نتحرَّك فيها...إلخ.].
{وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ}[الأعراف:52]، يعني: يتناول كل قضية بالتفصيل؛ لأنه يقدِّم الهداية الكاملة، وليس الهداية الناقصة والقاصرة، حتى يتعلل الإنسان بأنها لم تكتمل لديه الرؤية الصحيحة، ولم يعرف ما هو المقصود، وكان التقديم القرآني قاصراً، ناقصاً، في أن يوضِّح لنا أهمية المسألة، ومستوى الموقف الصحيح... وغير ذلك من التفاصيل، سواءً في ما يتعلَّق بالصراع مع الأعداء، أو في بقية مجالات الحياة، الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" قدَّم لنا الهداية الكاملة الكافية، وله الحجَّة البالغة التامة على عباده، في كتابه.
{فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ}[الأعراف:52]، فهو يتناول كل قضية بالتفصيل، وعلى علم، يعني: ليست مجرَّد تقديرات خاطئة، تحليلات، مثل ما هو الحال بالنسبة للإنسان الصحفي والإعلامي، قد يخطئ، قد يصيب، قد يبالغ، قد يقصِّر؛ أمَّا الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" فهو يقدِّم ما يقدِّمه لنا على علم، علم بنا، علم بالإنسان، علم بالحياة، علم بما سيصل إليه الإنسان في المستقبل، وأنه إذا لم يسر على هدى الله؛ فسيكون مصيره سيئاً، علم بكل ما يتناوله في مختلف المواضيع والمجالات، مفصلٌ على علمٍ ممن يحيط بكل شيءٍ علماً، ممن يعلم الغيب والشهادة، ممن يعلم السِّر في السماوات والأرض، ممن قال عن أعدائنا: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا}[النساء:45].
المحاضرة الأولى ضمن سلسلة محاضرات (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)
للسيد القائد/ عبد الملك بدر الدين الحوثي "يحفظه الله"
الثلاثاء: 1/12/1447هـ