ثم حينما نعود إلى القرآن الكريم، ونحسم خيارنا ألَّا نترك أنفسنا تضيع، ومستقبلنا وواقعنا يضيع في إطار حالة الاضطراب القائمة في واقع الأمَّة، المسيطرة على واقع الأمَّة، الاضطراب، والفوضى، والرؤى المتباينة، والأفكار الناقصة، والتقديرات الخاطئة، والاستنتاجات والتصورات المغلوطة، ونترك كل ذلك، نترك للفلاسفة، والمفكرين، والعباقرة، والسياسيين، والأكاديميين، كل ما لديهم من هذه الاضطرابات، ونتَّجه نيمِّم وجهتنا نحو القرآن، نحو الله، نحو هدى الله، نحو نور الله، النور الذي يخرجنا من الظلمات؛ لنتفهَّم، لنصغي، لنتأمل، ولنحسم الخيارات، لنسير ونحن على ثقة بقيمة هدى الله، بعظمة هدى الله، بأهمية هدى الله؛ سيكون لذلك أثره في أنفسنا، في أعمالنا، في مواقفنا، في مسيرة حياتنا.
ثمرة الاهتداء بالقرآن الكريم هي ثمرة عظيمة، ستغير واقعنا بكل تأكيد، وتنقلنا نقلةً عظيمة من الحالة: حالة الضعة، حالة الهوان، حالة الضياع، حالة الشتات، حالة الانحطاط النفسي، الذي يقبل بهيمنة وسيطرة اليهود، والعبودية لهم، ينقلنا عن ذلك إلى مستوى عظيم.
ثمرة الاهتداء بالقرآن الكريم، ثمرة الاهتداء بهدى الله، نعمة الهداية، هي تتجلَّى في نفسيات الناس، يعني: حتى على المستوى النفسي، ينقلك القرآن الكريم لتكون ضمن أولئك المؤمنين في تلك المواصفات الراقية، تكون من أولئك القوم الذين قال عنهم: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ}[المائدة:54]، تكون من ضمن الأمَّة التي تتحرَّك في هذه الحياة تدعو إلى الخير، ليست تتنصَّل عن المسؤوليات، وتهرب مما فيه الشرف، والفضل، والخير في الدنيا والآخرة، بل تتَّجه تدعو إلى الخير، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، تتَّجه وفق المواصفات الإيمانية الراقية لعباد الله المؤمنين في (سورة التوبة) وغيرها.
نعمة الهداية تتجلَّى في نفسيات الناس، تزكِّي النفوس، تهيِّئها وتؤهِّلها لتؤدِّي دوراً عظيماً في هذه الحياة، وهي متخلِّصة من كلِّ الشوائب السيئة، التي تهبط بنفسية الإنسان، شوائب الأنانية، شوائب، كل الجوانب التي تمثل خللاً في الحالة النفسية لدى الإنسان؛ لأن القرآن يزكي النفوس، حتى تتحوَّل إلى نفوس زاكية، صافية، نقية، طاهرة، تتَّجه بزكائها، وبقيمها، وأخلاقها، نحو الأعمال العظيمة، والمسؤوليات المقدَّسة، والمسارات الصحيحة، والمواقف الكبيرة بكل عشق، بكل رغبة، بكل محبة، ويكون لذلك أهميته ونتيجته.
تتجلَّى نعمة الهداية في نفسيات الناس، تصيغ نفسك صياغة إيمانية قرآنية راقية، زاكية، وهذا من أهم ما نحتاج إليه في التغيير، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}[الرعد:11].
وكذلك في سلوكهم: التصرفات، الأعمال، المواقف، التعامل مع الناس، التعامل فيما بينهم، تحكمه تلك التعاليم القرآنية، يتخلَّص الإنسان من الحالة المزاجية، أو من الحالة التي تتأثر بما فقده من التربية القرآنية والإيمانية، الصياغة الأخرى، الصياغة الشيطانية، التي تجعل نفسية الإنسان نفسيةً سيئة، ملوثة، ملوثة بما يؤثِّر عليها من تأثيرات سيئة؛ فتبعدها عن التفاعل مع هدى الله، التَّقبل لهدى الله، الانطباع بالقيم الراقية، والأخلاق الكريمة.
السلوك، الرؤى، بدلاً من أن يكون لدى الإنسان رؤى مغلوطة من هنا أو من هناك، استنتجها هو بنظرة قاصرة، أو تلقَّفها من الآخرين، يحمل الهدى، يحمل النور، يحمل الحقائق التي قدَّمها الله في القرآن الكريم، ويحمل أرقى رؤية، الأشياء الصحيحة.
وكذلك في المواقف، يتَّجهون في المواقف الصحيحة، المواقف الحكيمة، التي دلَّ عليها أحكم الحاكمين، ربنا "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، في تصرفاتهم تكون حكيمة، وفي بيئتهم الاجتماعية بشكلٍ عام، كمجتمعٍ حكيمٍ وقوي، يتحرَّكون حينما يتحرَّكون كأمَّة، يتميزون بهذا: أن يكونوا مجتمعاً قوياً، وحكيماً، تتجلَّى هذه الحكمة في مواقفهم، في تحرُّكاتهم الصحيحة، ونموذج يتجلَّى في كل مواقفه وتصرفاته هدى الله، هذا معيار مهم، معيار حتى للانتماء؛ لأن الإنسان- مثلاً- قد ينتمي، قد ينتمي إلى النهج القرآني، إلى المسيرة القرآنية، ولكن المعيار الذي يجلِّي واقعه، هو بالثمرة، هل تتحقَّق هذه الثمرة في واقعه؟ هل هذه النتيجة ملموسة في نفسيته، في تصرفاته، في أعماله، أم هي غائبة عن ذلك؟
هذه النصوص مستفادة من شهيد القرآن "رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ"، في دروسه القيِّمة، دروس من هدي القرآن الكريم: ((من يسيرون على القرآن يجب أن يقدِّموا أنفسهم نموذجاً لأمة منضبطة تماماً))، يعني: أول ما يستفيدون منه هو الانضباط، الالتزام وفق هدى الله، الخروج عن حالة المزاجية، عن الحالات الخاطئة، عن الاضطراب في الرؤى من هنا وهناك؛ لأنهم يرتبطون هذا الارتباط بالقرآن الكريم، الرؤية قرآنية، التصرفات مضبوطة بضوابط القرآن، المواقف مضبوطة بضوابط القرآن، التوجُّهات كذلك، وهذا يخرجهم من حالة الفوضى والاضطراب؛ ولهذا- مثلاً- حينما يستجد أي شيء، لا تأتي المسألة أن يتحوَّل الحال بينهم إلى اختلافات، واضطرابات، وتقديرات، وكلٌّ يقدِّم تحليلاً خاطئاً، وهذا ينتج من رأسه فكرة، وهذا... تجاه موقف قد حسمه القرآن، بل يعودون رأساً إلى الرؤية القرآنية، إلى هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وهذا ما ينبغي أن نعيه حتى كمنتمين إلى هذه المسيرة القرآنية المباركة.
المحاضرة الأولى ضمن سلسلة محاضرات (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)
للسيد القائد/ عبد الملك بدر الدين الحوثي "يحفظه الله"
الثلاثاء: 1/12/1447هـ