الإنسان- كما قلنا في بداية الحديث- قد يتصوَّر نفسه واعياً، وفاهماً، ولكن يمكن للإنسان أن يقيس مستوى استفادته، ومستوى وعيه- كما قلنا- بثمرة الاهتداء في نفسيته، في تصرفاته، في مواقفه، في أعماله، في توجهاته، ووفق ما ذكرناه من نصوص مهمة ومفيدة عن ثمرة الاهتداء بهدى الله، كيف نكون كأمَّة، والإنسان بحاجة دائمة إلى ترسيخ هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" بما فيه من مفاهيم وثوابت في وعيه، في فكره، في نفسه؛ حتى تكون راسخةً بالشكل المطلوب، هذه مسألة مهمة جدًّا.
الإنسان إذا لم يهتدِ بالقرآن، ويستوعب رؤية القرآن؛ تتكوَّن لديه تصورات خاطئة، أو يتقبَّل من الآخرين رؤى خاطئة، يكون فاضي، جاهز للتأثُّر بما يسمع من هنا أو هناك، والموضوع في مجال الصراع مع اليهود ليس عادياً، بل تكون نتائج المفاهيم الخاطئة، والمواقف الخاطئة كارثية على الناس في الدنيا والآخرة؛ ولهذا نحن بحاجة إلى القرآن الكريم.
ميزة القرآن الكريم، ميزة هدى الله: أنَّه عظيمٌ في عمقه، وسعته، وشموله، إلى حدٍ عجيب يندهش الإنسان، بل فوق مستوى ما نتخيَّل، يعني هو: ((بَحْرٌ لَا يُدْرَكُ قَعْرُه)) كما قال أمير المؤمنين عليٌّ "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، ((بَحْرٌ لَا يُدْرَكُ قَعْرُه))، بحر عميق في مستوى شموله، عمقه، سعته.
ولهذا مهما كانت عبقرية الإنسان، مهما كان مستوى قدرته الذهنية في الاستيعاب، والحفظ، والفهم، والقدرة على التفكير، والقدرة على الاستيعاب، فهو لن يحيط علماً بما في القرآن الكريم، يبقى القرآن أعظم، أرقى، أكبر من مستوى فهمه، لكن الإنسان يستفيد ما يحتاج إليه، وما ينتفع به، وما فيه النجاة له، فيه الخير له.
لكن لا يتصور الإنسان أنَّ قدرته الذهنية، وإدراكه فوق مستوى القرآن؛ وبالتالي سيستنزف كل ما في القرآن، ويستنفد كل ما فيه، ويكمِّل، وأصبح هناك قد كمَّل ما في القرآن من هدى، وأحاط به بكل تفاصيله، بكل ما فيه من النور.
القرآن كتاب عظيم جدًّا، يستوعب هذه الحياة وأكبر منها؛ ولكن تستفيد من القرآن بقدر دَلْوِكَ الذي تستفيد منه، كما لو ذهبت إلى بحر لتأخذ بدَلْوْكَ شيئاً من الماء، بما يملأ دَلْوَك، بمستوى ما تستفيده في قدراتك الذهنية، وما يمنحك الله، الإنسان بحاجة إلى هدى إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، في الاهتداء بهدى الله.
وفي نفس الوقت القرآن الكريم يقدِّم ثوابت عامة، معروفة وواضحة يسهل فهمها حتى للعامة من الناس، يعني: القرآن الكريم يقدِّم للإنسان مهما كانت قدرته الفكرية والذهنية، ومستواه الثقافي والمعرفي، يقدِّم له ما يشبع نفسيته، يقدِّم له الهداية الواسعة، بعمق عظيم، وفي نفس الوقت يقدِّم معارف وثوابت واضحة، يمكن حتى لأي عاميٍّ من الناس أن يفهمها، إذا أصغى لها، يعني: يتطلب الأمر إصغاء، استماع، {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[الأعراف:204]، أن يصغي الإنسان، أن يركِّز؛ وسيستفيد، يعني: يستفيد ثوابت، هذه الثوابت تبنى عليها الكثير من التفاصيل، وتنقل حتى العامي البسيط من الناس، والأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، إلى أن يكون على درجة عالية من الوعي؛ لأنه يفهم تلك الثوابت التي يقدِّمها له الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في كتابه الكريم بشكلٍ مبسَّط، يسهل عليه فهمها والاستيعاب لها؛ وبالتالي يستنير بها، يصبح على نور، على بصيرة، على وعي، فهذه من المميزات العظيمة للقرآن الكريم، ولهدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
من مميزات هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وما يهدي إليه: أنَّه يقدِّم لنا رؤيةً بنَّاءة، يعني: تبني واقعنا، ليست استنزافية، وليست بالشكل الذي يستنفد ما لدينا، يعني: مثلاً تستنفد مداركك، معارفك، إمكاناتك، طاقاتك... غير ذلك، وتحوِّلك إلى صفر في هذه الحياة، لا، هي بالشكل الذي يبنيك:
- يبنيك في معارفك، في فهمك، في ثقافتك.
- يبنيك في واقع حياتك.
- يبنينا كأمَّة في واقعنا بشكلٍ عام.
وهدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" من مميزاته العظيمة: أنه مبارك، {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}[الأنعام:155]، في أربع آيات في القرآن يصفه بالبركة، هذه البركة لا تبقى هناك في المصحف، ولا نستفيد منها، هي بركة لنا نحن يعني، بركة القرآن الكريم التي أكَّد الله عليها في أربع آيات في القرآن الكريم، هي بركة تأتي إلينا:
- بركة في العلم، في الفهم، في المعرفة.
- بركة في الحياة.
- بركة في الجهود ونتائجها.
- بركة في الواقع.
بركة شاملة، بركة عظيمة، وليس لدى أي رؤى أخرى من رؤى الناس وأفكارهم بركة، فيمكن أن نقول: [أنَّها مباركة، ويأتي منها البركات]؛ لأن البركات مصدرها الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، يبارك الجهود فتكون نتائجها عظيمة، ثمرتها كبيرة.
لهذا من المهم أن نحرص على الاستيعاب للمفاهيم والثوابت، والاستحضار لها في مقام العمل، هذا سيفيدنا في مسألة الإجراءات العملية، الإرشادات العملية، التفاصيل العملية؛ لأن الإنسان إذا لم يستوعب هذه الثوابت، وهذه المفاهيم القرآنية؛ لا يتقبَّل، ولا يستوعب الكثير من الإرشادات العملية التفصيلية، التي هي من متطلبات الموقف، من متطلبات المرحلة، من متطلبات المسؤولية، مما نحتاجه في إطار الصراع ما بيننا وبين الأعداء.
المحاضرة الأولى ضمن سلسلة محاضرات (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)
للسيد القائد/ عبد الملك بدر الدين الحوثي "يحفظه الله"
الثلاثاء: 1/12/1447هـ