موقع أنصار الله | من هدي القرآن الكريم | 

 

((عندما يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا}[البقرة:104]، لماذا لم يأتِ الخطاب لليهود؟ [يا أيها اليهود اسكتوا أو اتركوا استخدام هذه الكلمة]؛ لأن مفتاح أن يضرَّك العدو، أن يهزمك العدو، أن يهينك العدو، هو من عندك أنت))، يعني: العدو يعتمد بشكلٍ أساسيٍ على استغلال الوضعية التي تعيشها الأمة.

ولهذا عمل الأعداء، ويعملون باستمرار، على أن تكون وضعية الأمة وضعية ضعيفة، وضعية مهزوزة، وضعية مأزومة، وضعية مخلولة بالخلل الرهيب جداً؛ حتى تكون بالشكل الذي يسهل عليهم الاستغلال لها بكل أشكال الاستغلال، والاختراق الكبير لها؛ وبالتالي تكون هذه الأمة قابلة للهزيمة، قابلة للانهيار، قابلة للضعف والضعف.

الحالة التي يبنينا عليها هدى الله، هي حالة عظيمة وراقية، لنكون أمةً قويةً، عزيزةً، منيعةً، محصَّنةً من كل أشكال الاختراق، تتحرَّك في مواجهة التحديات والأخطار من واقع القوَّة، والله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" زوَّد أمَّتنا الإسلامية بكل عناصر القوَّة التي تحتاج إليها:

  • على المستوى المعنوي.
  • على مستوى الرؤية الهادية.
  • وعلى مستوى الإمكانات المادية.
  • وعلى مستوى الرقعة الجغرافية.

كلها تمثِّل عناصر قوَّة ضخمة جداً، يمكن أن تكون بها هذه الأمة أمة عظيمة، وقوية للغاية، ولكن الأمة لم تستفد من كل ذلك؛ لأنها منذ البداية أعرضت عن الهدى، عن هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وحينما فقدت الرؤية الصحيحة؛ لم تستفد من بقية الأمور، لم تستفد من بقية عناصر القوَّة، واتَّجهت الاتِّجاهات الخاطئة، التي يستغلها أعداؤها، ويسهل عليهم من خلالها اختراقها، والتأثير عليها؛ فسيطروا على قرارها السياسي، واخترقوها سياسياً إلى أسوأ مستوى، واخترقوها على المستوى الاقتصادي، وتحكَّموا بالسياسات الاقتصادية، حتى أصبحت هذه الأمة، بالرغم من كلِّ مقدراتها، وإمكاناتها الهائلة، إلى أمة مستهلكة دون إنتاج، دون أن تكون أمة منتجة، ولا مكتفية ذاتياً، ولا ذات اقتصاد قائم على أسس صحيحة، واخترقوها على المستوى الثقافي، على المستوى الفكري؛ حتى تحكَّموا بالمسار التعليمي للأمة، وأوصلوه إلى مستوى لا جدوى له، ولا أثر له في واقع الأمة... وهكذا على المستوى الإعلامي، على المستوى الاجتماعي، وضعية مخترقة في كل المجالات، وهذا شيء مؤسف جداً، أوصل الأمة إلى ما وصلت إليه، وأتاح الفرصة للأعداء، ليتمكنوا تحقيق الكثير من مؤامراتهم ومخطَّطاتهم الخطيرة على هذه الأمة.

فالمشكلة الكبيرة لهذه الأمة، هي: انصرافها عن القرآن الكريم، وإعراضها عن هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، أوصلتها إلى ما وصلت إليه، بدلاً من أن تكون في وضعية كالبنيان المرصوص، تحوَّل واقع الأمة- وللأسف الشديد- إلى أن تكون كالعهن المنفوش، في وضعية ضعف كبير جداً، كالصوف المتناثر، المخلخل، الذي ليس منسوجاً بنسيج متماسك، وهذه حالة مؤسفة للغاية، استفاد منها الأعداء، وهم يعملون عليها باستمرار، يعني: لا يكفيهم ما قد وصلت إليه الأمة:

  • حربهم الناعمة، الشيطانية، المضلة، المفسدة، مستمرة بشكلٍ مكثَّف جداً؛ للوصول بهذه الأمة إلى أسوأ مما هي عليه بكثير.
  • عملهم في الاختراق لهذه الأمة من الداخل في كل المجالات، وفي المقدِّمة فيما يتعلَّق بوضعها السياسي، وقرارها السياسي، كذلك عمل مكثَّف جداً ومستمر.

والبيئة مهيَّأة، طالما ليس هناك رؤية صحيحة لمعظم الشعوب، لمعظم الحكومات والأنظمة، وهي تعتمد أساساً على رؤى تأتيها من جهة العدو، وهي رؤى تخدم العدو، تفيدهم، تهيئ الظروف له ليصل إلى ما يريد الوصول إليه من سيطرة تامة على هذه الأمة، رؤى تدجينية، تدجِّن هذه الشعوب أكثر وأكثر للأعداء، وتبعدها عن الاتِّجاهات الصحيحة، والخيارات الحكيمة، التي هدى الله إليها في القرآن الكريم؛ لتجعلها في وضعية يسهل على الأعداء إنجاز مراحل من المخطَّط الصهيوني خطيرة للغاية، وأصبح يتحدَّث عنها بكل وضوح، وفي العلن، بالرغم من أنَّها خطيرة للغاية، ويفترض بها أن تستفزّ المسلمين إلى مستوى كبير.

فهدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" هو بالشكل الذي يبني الأمة، هو بنَّاء؛ لأنه يبني الأمة- مثلاً- على الاعتصام بحبل الله جميعاً، على وحدة الصف، وحدة الكلمة؛ بينما الاتِّجاه الآخر، الذي اخترق الأعداء به هذه الأمة، يعمِّق حالة الفرقة والشتات بين أبناء الأمة تحت كل العناوين، بعثرة مستمرة للأمة، تفكيك لنسيجها الاجتماعي، استهداف لها في مسألة بعثرتها، والتفرقة بين أبنائها تحت العناوين المذهبية، تحت العناوين السياسية... تحت كل العناوين، وصولاً إلى ما تعمل عليه المنظَّمات، التي هي من أذرع الغرب الكافر في الاستهداف لهذه الأمة في نسيجها الاجتماعي، حتى في داخل الأسرة الواحدة، تفريق ما بين الرجل، والمرأة، والطفل، ومحاولة تفكيك النسيج الاجتماعي لهذه الأمة إلى أسوأ مستوى.

فالأعداء هم يعملون في اتِّجاه يضعف الأمة، يزيدها ضعفاً، وهذا من ضمن ما يزيدها ضعفاً: حالة البعثرة، التفرقة، الزيادة في حالة التباينات على كلِّ المستويات، التباينات، الاختلافات في الرؤى، في المواقف، الشتات الرهيب جداً، التتويه: على مستوى الرؤية، على مستوى الأفكار، على مستوى المواقف، على مستوى التوجُّهات العملية، يبعثرونها إلى أنهى حد، ويقدِّمون ذلك أنَّه هو الحُرِّيَّة، وأنَّه هو الذي سيفيد هذه الأمة لتكون أمة حضارية، وأنَّه هو الديمقراطية، هو... تحت كل العناوين التي يقدِّمونها لهذه الأمة، وتلقى آذاناً صاغية، وقلوباً فارغة، تتقبَّل من أعدائها ما يزيدها ذلةً، وهواناً، وخسراناً، ويمكِّن أعداؤها منها بشكلٍ كبير، وهكذا يعمل الأعداء على الإفساد والتمييع لأبناء هذه الأمة، الاختراق بكل أشكاله.

بينما هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" يحصِّن مجتمعنا الإسلامي، ليكون مجتمعاً زاكياً، نظيفاً، ويتَّجه به في البناء على أساس مكارم الأخلاق، والقيم العظيمة، التي تجعلهم منه مجتمعاً قائماً على أساس الأخلاق، الأخلاق الكريمة: على العفة، والطهارة، والصلاح... وهكذا على مستوى الوعي، وهكذا في كل المجالات، الأعداء هم يعملون باتِّجاه مباين لهدى الله؛ لإضعاف الأمة، لأن تكون أمة ضعيفة على كلِّ المستويات، وإفقادها كل عناصر القوَّة، وهذا هو الشيء المؤسف!

 

المحاضرة الثالثة ضمن سلسلة محاضرات (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)

للسيد القائد/ عبد الملك بدر الدين الحوثي "يحفظه الله"

الخميس: 4/12/1447هـ