من العناوين التي سعى الإمام زيدٌ "عَلَيْهِ السَّلَامُ" لإحيائها: مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه من المبادئ التي يعمل الطغاة والمستكبرون على تحريف معانيها من جهة ومضامينها، وعلى إضاعتها من واقع الأُمَّة من جهةٍ أخرى، وهو من العناوين المهمة في القرآن الكريم؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المهام الكبرى للأُمَّة الإسلامية، ومما أكَّد الله عليه في القرآن الكريم كثيراً، بل ارتبطت خيرية هذه الأُمَّة بها، وهي ميزةٌ كبرى في خيرية أخيار هذه الأُمَّة، وهداة هذه الأُمَّة؛ ولهـذا قال الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَاَلَى" في القرآن الكريم: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}[آل عمران:110]، فأخيار هذه الأُمَّة وهداتها، بدءاً برسول الله "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ"، كان من أعظم ما تميَّزوا به، وما كانوا به أخياراً، هو هذه المواصفات العظيمة:
- الأمر بالمعروف.
- والنهي عن المنكر.
- والإيمان بالله تعالى.
ومسؤولية الأُمَّة أن تسير بسيرتهم، وأن تحذو حذوهم، في النهوض بهذه المسؤولية الكبرى، والمقدَّسة، والعظيمة؛ لكي تكون الأُمَّة في ارتباطها بالمعروف، ارتباط الالتزام من جهة، وارتباط الأمر به والتَّحَرُّك به كمسؤولية من جهةٍ أخرى، تكون علاقتها أيضاً في إطار هذا العنوان، وهذه المسؤولية الكبرى، فيما يتعلَّق بالنهي عن المنكر: الانتهاء عن المنكر، ومحاربة المنكر، وتطهير ساحتها من المنكر، والنهي عن المنكر كمسؤولية، تحاربه، تسعى لإزالته، تسعى للتَّصَدِّي له، لا تتقبَّله أبداً، تدرك أن هذا من أهم مسؤولياتها المقدَّسة، من أهم دلائل إيمانها بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَاَلَى"، تتحرَّك في إطار كل هذه المسؤولية من منطلقٍ إيمانيٍ: {وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}[آل عمران:110]، كما قال تعالى أيضاً في القرآن الكريم: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[آل عمران:104].
لأن الأُمَّة إذا أضاعت هذه المسؤولية، اتَّجهت الأمور بشكلٍ معاكس؛ فيكون المعروف محارباً حتى في أوساطها، فهي تُمنع من المعروف، وينهاها منافقوها، والكافرون أيضاً من أعدائها، ينهونها عن المعروف بكل ما يدخل ويندرج تحت عنوان المعروف، من معالم الإسلام، وشرائع الإسلام، وتفاصيل الحق في واقع الحياة وشؤون الحياة، ثم تتحوَّل الأُمَّة إلى أُمَّة تؤمر بالمنكر، يأمرها المنافقون، الذين قال الله عنهم في القرآن الكريم: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ}[التوبة:67]، وكذلك أعداؤها، في المقدِّمة: اليهود، وأعوانهم وأولياءهم من النصارى ومن غيرهم، الذين مسيرتهم في الحياة هي في هذا الاتِّجاه السيء: الصادّ عن سبيل الله، المحارب للحق، والعدل، والخير، والقيم الإنسانية الفطرية، التي هي من الله فطرها في نفوس عباده، فهم يتَّجهون للأمر بالمنكر، بكل المفاسد، بكل المظالم، تبرز في مسيرتهم العملية، في سياساتهم، في توجُّهاتهم، في مواقفهم في ما يفرضونه على الناس في كل المجالات: في المجال السياسي، والمجال الاقتصادي، والمجال الاجتماعي؛ فيتحوَّل المنكر ليكون هو السائد والمسيطر والمهيمن في الساحة، ويعملون على أن يتحوَّل المعروف إلى غريبٍ في واقع الأُمَّة، مستهجن وغير مقبول، يواجه بالسخرية والازدراء، وبالمحاربة والمنع.
فالإمام زيدٌ "عَلَيْهِ السَّلَامُ" سعى من جديد إلى إحياء مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن نقص هذا المبدأ العظيم، وشطبه من التزامات الأُمَّة الإيمانية والدينية، يغيِّر واقع الحياة إلى واقعٍ مظلم، مليءٍ بالمفاسد، والجرائم، والمظالم، والمنكرات، وهذا نقصٌ رهيبٌ جدًّا، يحوِّل الإسلام إلى حالة شكلية، فيه القليل من الطقوس والشعائر في واقع الأُمَّة؛ فتكون هذه الأُمَّة أُمَّة إسلامية، تنتمي للإسلام، ولكن واقعها مليء بالظلم، والفساد، والمنكرات، والجرائم، والفظائع، وهذا بعيد عن ثمرة الإسلام، التي هي ثمرة مختلفة تماماً، هي الحق، هي الخير، هي العدل، هي مكارم الأخلاق، هي كل ما يعبِّر عن الخير في امتداداته في واقع الحياة.
الإمام زيدٌ "عَلَيْهِ السَّلَامُ" عندما رفرف لواء الحق في قيامه "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، قال: ((الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْمَلَ لِي دِينِي، أَمَا وَاللهِ لَقَد كُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَقْدِمَ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ" يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَمْ آمُر فِي أُمَّتِهِ بِمَعْرُوف، وَلَمْ أَنْهَ عَنْ مُنْكَر))، كان فعلاً يدرك أهمية إحياء هذه الفريضة المقدَّسة والعظيمة، وخطورة نقصها في الدين نفسه، حينما يصبح دين الأُمَّة ديناً ناقصاً، فتغيب ثمرته عن واقع حياتها.
في هذا السياق نفسه، كان يكرِّر مقولته في مقامات متعدِّدة، عن أهمية الشعور بالمسؤولية، والتَّحَرُّك لإصلاح واقع الأُمَّة، ومواجهة الفساد، والظلم، والجور، والطغيان، بقوله "عَلَيْهِ السَّلَامُ": ((وَاللَّهِ مَا يَدَعُنِي كِتَابُ اللَّهِ أَنْ أَسكُت، كَيفَ أَسكُت وَقَد خُولِفَ كِتَابُ اللَّهِ، وَتُحُوكِمَ إِلَى الجِبْتِ وَالطَاغُوتِ))، كان يقول: ((وَاللَّهِ مَا يَدَعُنِي كِتَابُ رَبِّي أَنْ أَكُفَّ يَدِي))... وهكذا كان يذكِّر الأُمَّة بهذه المسؤولية، وهو يسعى إلى تحريرها، وإنقاذها من حالة العبودية للطاغوت، وإنقاذها من حالة الذُّلّ، التي استحكمت في واقع الأُمَّة؛ فقيَّدت الأُمَّة، وكبَّلتها، وأخضعتها للطاغوت، وأفقدتها الثقة بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَاَلَى"، كان يقول "عَلَيْهِ السَّلَامُ": ((وَاللَّهِ مَا كَرِهَ قَومٌ قَطُّ حَرَّ السُّيُوف إِلَّا ذَلُّوا)).
حينما تفقد الأُمَّة تربية القرآن الكريم، وروحية القرآن الكريم، تصل إلى ذلك المستوى المتدنِّي من: الهبوط في روحها المعنوية، وفقدان الثقة بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَاَلَى"، والنقص الكبير في الشعور بمسؤوليتها؛ حينها تصل إلى حالة التَّهَيُّب والتَّخَوُّف من مواجهة الباطل والضلال، تشعر بالضعف واليأس، تفقد الثقة بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَاَلَى"، وتفقد الدافع الإيماني، والعِزَّة الإيمانية؛ فتقبل بالإذلال، وتقبل بالهوان؛ تَهَيُّباً وخوفاً من المواجهة للطاغوت وللظالمين، ((مَا كَرِهَ قَومٌ قَطُّ حَرَّ السُّيُوف إِلَّا ذَلُّوا))، كان يقول أيضاً: ((مَنِ اسْتَشْعَر حُبَّ البَقَاءِ، اسْتَدثَر الذُّلّ إِلَى الفَنَاءِ))، حينما يصبح هَمُّ الإنسان فقط أن يبقى في هذه الحياة على أي وضعيةٍ كان، في وضعية الذُّلّ، والخنوع، والباطل، والاستسلام للطغاة والمجرمين والمفسدين؛ تتحوَّل الحالة إلى حالة سيئة، يتهيَّب من أن يتحرَّك في سبيل الله؛ مخافة أن يُستَشهد.
كلمة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي " يحفظه الله " في ذكرى استشهاد الإمام زيد عليه السلام 1447هـ