موقع أنصار الله | القول السديد | 

قال الله تعالى في القرآن الكريم:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}[المائدة:54].

صَدَقَ اللهُ العَلِيُّ العَظِيمُ.

الآية المباركة من (سورة المائدة)، تبيِّن عن مستقبل الأمة، حينما تحدَّثت، تحدَّثت عن مستقبل الأمة، عن مسارين في مستقبل الأمة:

  • مسار ارتداد عن مبادئ الدين الإلهي، عن قيمه، عن أخلاقه، عن تعليماته العظيمة والقيِّمة والمباركة.
  • ومسار آخر، هو مسار ثبات، أتى التعبير عنه بهذه المواصفات العظيمة، للقوم الذين وعد الله أن يأتي بهم، وهي مواصفات ذات أهمية كبيرة، في أن نفهم ما هي المميزات والدلالات التي تبيِّن لنا أين هو طريق الثبات والاستقامة في الأمة، وفي المقابل تكشف لنا تلك المواصفات عن طبيعة الارتداد الذي تحدَّثت عنه الآية الكريمة.

فالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" قابل بين الحالتين: (حالة الارتداد، وحالة الثبات)، بأن ميَّز طريق الثبات والاستقامة بتلك المواصفات للثابتين عليها، وبذلك يتجلَّى لنا ما تعنيه الآية المباركة عن مسألة الارتداد، كيف هو هذا الارتداد للبعض من أبناء الأمة، من داخل الأمة.

والسياق نفسه يتعلَّق بسقوط البعض من أبناء الأمة، في خطيئة الولاء لأعداء الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى، الذين يتحرَّكون كما في الآية المباركة: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}[المائدة:51]، ضد هذه الأمة، ضد الإسلام والمسلمين، بل لاستهداف المجتمع البشري بشكلٍ عام، ضمن مخططاتهم ومؤامراتهم الظالمة، والسيئة، والإجرامية، والمتوحِّشة، الناتجة عن حقدهم، وضلالهم، وفسادهم، وأطماعهم.

وحينما نتأمل مسيرة التاريخ وإلى عصرنا هذا، نرى أنَّ هذه المرحلة وهذا الزمن في تاريخ أمَّتنا، هو من أكثر المراحل تجلِّيًا لما تعنيه هذه الآية، لمصاديق هذه الآية المباركة في واقع الأمة نفسها، فلربما لم يشهد واقع الأمة حالةً مثل ما هو في عصرنا وزماننا، في مستوى الولاء لأعداء الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى، ومن الارتباط الكبير بهم، على حساب مبادئ هذا الدين، قيم هذا الدين الإسلامي العظيم، تعاليم الله "جَلَّ شَأنُهُ".

وفعلًا هذا واضحٌ فيما يتعلَّق بالكثير من الأنظمة، والحكومات، والزعماء، والمكونات، التي تتَّجه في ذلك المسار المنحرف: مسار الولاء لأعداء الإسلام، مسار الولاء للصهيونية واليهود، ومن معهم من النصارى، الذين يتحرَّكون {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}[المائدة:51]، ويتحرَّكون في مسار واضح لاستهداف الإسلام والمسلمين، والقيم الإلهية، والتعاليم الإلهية، ويعملون على مسخ الفطرة الإنسانية، ويستهدفون في المقدِّمة: أمتنا الإسلامية، مع أنَّ خطرهم هو على المجتمع البشري بكله، لكنهم يتَّجهون بشكلٍ أساسي بكل عدائهم، بكل مخططاتهم العدوانية الظالمة، لاستهداف أمتنا الإسلامية، والعنوان الكبير الذي يتحركون فيه: [عنوان تغيير الشرق الأوسط، وعنوان إقامة إسرائيل الكبرى]، هو عنوان لكل أنشطتهم، ومؤامراتهم، ومخططاتهم الصهيونية الظالمة، العدوانية، الخطيرة جدًّا، وعنوان يشمل كلَّ تحرُّكاتهم على كل المستويات: على المستوى السياسي، على المستوى العسكري، على المستوى الاقتصادي، على المستوى الأمني... على كل المستويات، في الحرب الناعمة، وفي الحرب الصلبة، التي يستهدفون بها شعوب أمَّتنا الإسلامية.

في هذه المرحلة، نجد أنَّ المسار في هذا الصراع ساخن، التوجُّهات الصهيونية اليهودية، والتحرُّكات الأمريكية الإسرائيلية التي تأتي في هذا السياق، هي بأكثر مما قد مضى في عدوانيتها، وفي المراحل التي تسعى إلى إنجازها من مخططاتها الخطيرة، التي تستهدف بها شعوب أمَّتنا الإسلامية؛ ولذلك يتَّجهون في عدوانهم العسكري في المنطقة، سواءً ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، أو تجاه لبنان، تجاه فلسطين، ما يفعله العدو الإسرائيلي في الضفَّة الغربية، في القدس، تجاه غزَّة، وكذلك ما يستهدفون به شعوب أمَّتنا الأخرى؛ وإنما يسعون وفق أولويات معيَّنة، إلى إزاحة ما يعتبرونه عائقًا من شعوب هذه المنطقة، ومن توجهات أبنائها الأحرار، الذين يقفون عائقًا أمام تنفيذ المخطط الصهيوني.

العدوانية التي نراها على مستوى التصعيد العسكري، والاعتداءات الظالمة المكثَّفة التي لا تكاد تتوقَّف، ومعها كذلك ما يوازيها من الحرب الإعلامية، الحرب الاقتصادية... الحرب على كل المستويات، المسؤولية في مقابلها على أمَّتنا الإسلامية جميعًا واضحة، ومحدَّدة:

  • في القرآن الكريم.
  • وفيما تقتضيه الفطرة الإنسانية.
  • وأيضًا على مستوى حساب المصالح، الحسابات المتعلِّقة بهذه الأمة في ما يتعلَّق بها، في ما يعنيها في واقعها، أن تكون أمةً حُرَّةً، عزيزةً، مستقلةً، كريمةً، تدفع عن نفسها المخاطر، تواجه الأعداء، الذين هم صريحون في عدائهم لها، وواضحون في مخططاتهم العدوانية التي تستهدفها.

العدو الأمريكي واضح في أنَّه عدوٌّ طامع، أتى إلى منطقتنا من آخر الدنيا؛ ليحتل، ليقتل، لينهب، ليسيطر، ليتغلَّب على هذه الشعوب، ليصادر حُرِّيَّتها وكرامتها واستقلالها، ليتحكَّم بهذه الأمة، وأتى كعدو لهذه الأمة، وما فعله على مدى العقود الماضية من الزمن تجاه هذه الأمة في شعوب متعدِّدة وبشكلٍ عام، وسياساته الواضحة والعلنية مكشوفة: هو يتحرَّك في إطار المخطط الصهيوني، وبنزعة استعمارية، وبطغيان، وتوجُّه لنهب الثروات، والسيطرة على هذه المنطقة في موقعها الجغرافي، وكذلك السيطرة على هذه الأمة، والتحكُّم بها، وطمس هويتها الإسلامية، والسعي للسيطرة التامة على كل شيء في هذه المنطقة، ومعه الإسرائيلي، كلاهما وجهان لعملةٍ واحدة، كلاهما يتحرَّك في إطار المخطط الصهيوني.

في الآونة الأخيرة على مدى سنوات، كثر الحديث والتصريحات والتوضيحات من الجانب الأمريكي، ومن الجانب الإسرائيلي كذلك، الحديث بلغة الصهيونية، بعناوينها، بأطماعها، بأهدافها، بما تسعى له بشكلٍ واضح، بدون مواربة، بدون تغطية، وبشكلٍ مكشوفٍ تمامًا، يتحدَّثون بلغة رسمية، من خلال شخصيات فيهم، من كبار مسؤوليهم، من كبار مجرميهم، يتحدَّثون عن أطماعهم في منطقتنا، عن مخطط [إسرائيل الكبرى]، ويكثرون من الحديث عن ذلك، يتكرَّر حديثهم، ومعه حملتهم العدوانية، الواضحة، الظالمة، الإجرامية، ما يفعله العدو الإسرائيلي يوميًا، ومساره في فلسطين مسار تصاعدي:

  • الكثير من الجرائم التي تزداد يومًا بعد يوم، جرائم يستهدف بها الشعب الفلسطيني بالقتل، بالتدمير: التدمير الممنهج والمنظم في الضفَّة الغربية، والتهجير القسري، وكل أشكال الجرائم التي يرتكبها ضد الشعب الفلسطيني.
  • كذلك الاقتحامات المستمرة للمسجد الأقصى، المؤامرات المستمرة على المسجد الأقصى، وهناك تحذير من بعض إخوتنا الفلسطينيين، فيما يسعى له العدو الإسرائيلي تجاه المسجد الأقصى، ومؤشرات خطيرة تكشف عن أنَّ العدو الإسرائيلي يحضِّر بالفعل لعملية تدمير لجزءٍ من المسجد الأقصى، بأسلوب غير مباشر، من خلال حفريات، وأعمال خطيرة جدًّا، تؤدِّي إلى هذه النتيجة، التي يسعى من خلالها إلى أن تكون نتيجة يتفادى بها الكثير من سخط الأمة، مع حملات التضليل التي تعاني منها الأمة، ومع التبريرات التي تأتي من هنا وهناك من قِبَل حكوماتها وأنظمتها، لتبسيط وتوهين ما يرتكبه العدو الإسرائيلي من جرائم، ومن أعمال عدوانية ضد الإسلام والمسلمين.
  • التدمير للمساجد، والإحراق للمصاحف، مما يزداد العدو الإسرائيلي في ممارسته، وتزداد وتيرته في جرائمه يومًا بعد يوم.
  • الاعتداءات المستمرة على الشعب الفلسطيني في قطاع غزَّة، وتقديم ما يسمُّونه بـ [الخط الأصفر] ليشمل أحياء جديدة، وحينما يشملها يقوم العدو الإسرائيلي بنسفها بشكلٍ كامل، وتدمير كلِّ مقومات الحياة، والبقايا المتبقية من بعد عدوانه في التصعيد على مدى عامين.
  • والاستمرار في الحصار، والتضييق على الشعب الفلسطيني، ومنع الإعمار.
  • والاستهداف المستمر بالقتل يوميًا في قطاع غزَّة، وجرائم القتل بلغت أكثر من (ألف شهيد)، وأكثر من (ثلاثة آلاف جريح)، خلال هذه الفترة، التي هي في إطار الاتِّفاق الذي عليه ضمناء، والعدو الإسرائيلي لا يلتزم به، ويتجاوزه بكل وقاحة وعدوانية وإجرام، وبكل استهتار، ويستمر في إجرامه، وعدوانه، وجرائمه المتنوعة ضد الشعب الفلسطيني.

هذه الوحشية الصهيونية، وهذه العدوانية الواضحة من جهة الأمريكي والإسرائيلي ضد أمَّتنا الإسلامية، والاستهداف المكثَّف ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، كما قلنا: يفترض أن تقابلها هذه الأمَّة كأمَّة، تعي هذا المخطط الصهيوني الواضح، المكشوف، العلني، الصريح، الذي يستهدفها جميعًا، أن تتحرَّك من منطلق مبادئها، قيمها، أخلاقها، تعاليم الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" لها، وهي التعاليم الحكيمة، من أحكم الحاكمين، والتي تحظى الأمة إذا تحرَّكت على أساسها بتأييد الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ومعونته، ونصره، وتأييده.

ولكن الشيء المؤسف هو: أن الاتِّجاه لكثير من الأنظمة، وبتأثيرها على شعوبها المغلوبة على أمرها، وكذلك البعض من المكونات والقوى التي تتَّجه في الاتِّجاه المنحرف، هو اتِّجاه يخدم أعداء هذه الأمة: يخدم الأمريكي، يخدم الإسرائيلي، يخدم المخطط الصهيوني، الذي هو- بلا شك- خطر على كلِّ الأمة، لا يستثني أحدًا أبدًا، ليس فيه أي استثناءات، حتَّى لمن يخدم أمريكا، مثلًا: لا يتضمَّن المخطط الصهيوني، ولا بخلفيته: الخلفية الفكرية والثقافية، استثناءات للذين يتَّجهون بالولاء للصهيونية، لليهود، لأمريكا وإسرائيل، ليس له هناك أي استثناءات؛ بل النظرة إليهم، الحديث عنهم حتَّى في الخلفية الثقافية والفكرية الصهيونية، هو بالازدراء، بالاستخفاف، بأنهم مجرَّد أدوات يستغلها الأعداء حتَّى يستغنوا عنها، وحين الاستغناء عنها يتم القضاء عليها.

بل حتَّى على مستوى التعبير السياسي والإعلامي، كله ازدراء، واستخفاف، واحتقار، وامتهان، ويكشف عمَّا وراءه في نهاية المطاف، حينما يقول الأمريكي، حينما يقول [ترامب] بنفسه عن السعودي، بأنه: [بقرةٌ حلوب يحلبونها حتَّى يجف ضرعها، ثم يذبحونها بعد ذلك]، حديث واضح، وتشبيه بليغ، يعني: مع أنَّه عادةً ليس بليغًا، وهو كثير في كلامه، الذي هو كلام أجوف، ليس له دلالة صحيحة، ومتخبِّط في منطقه، ولكنه فيما يتعلَّق بهذا الوصف، الوصف كان دقيقًا، وأصاب بدقَّة هذا التوصيف، وللأسف للأسف الشديد يعني.

على كلٍّ، المسار المنحرف في واقع الأمة بالولاء لأعدائها، هو يأتي على حساب هذا الدين الإسلامي العظيم في مبادئه العظيمة، التي بدايتها: التخليص لهذه الأمة، والإنقاذ لها من التبعية لأعدائها، ولتكون أمةً حُرَّةً، مستقلةً، كريمةً، عزيزةً بعزَّة إيمانها، تتَّجه الاتِّجاه الصحيح وفق رسالتها؛ لأنها أمة لها رسالة، لها مسؤولية، ومسؤولية عظيمة، ومشرِّفة، وكبيرة، ولها دورها الذي رسمه الله لها في القرآن الكريم، إذ اتَّجهت على أساس هذه المبادئ الإلهية.

فحالة التبعية للأعداء، هي حالة ارتداد؛ لأن معناها: الطاعة لهم، والخضوع لهم، والتحرُّك معهم وفق مؤامراتهم ومخططاتهم الشيطانية، الظالمة، السيئة، المفسدة؛ لأن هذا هو ما لديهم، ما لدى الأمريكي، ما لدى الإسرائيلي، ما لدى اليهود، ما لدى الصهيونية، هو: الإفساد في الأرض، الضلال، الباطل، هم ظلاميون، مجرمون، طغاة، مفسدون، لا يتحرَّكون في إطار مصالح اقتصادية مجرَّدة، ولا يتحرَّكون في نطاق- مثلًا- سياسي محدود، في إطار علاقات دولية لها ضوابطها، لها حدودها، تحترم البلدان الأخرى، والشعوب الأخرى، وحقوق هذه الشعوب، وتقتصر في معاملاتها معها على أساس المصالح المشتركة... وما شابه، الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين بكله، قام على أساس الاغتصاب، والظلم، والقتل، والإجرام، والنهب، من يومه الأول، منذ الاحتلال لفلسطين بدايةً وإلى اليوم، وهو يسعى إلى التوسع، والسيطرة على المزيد من البلدان في أمَّتنا الإسلامية.

 

كلمة السيد القائد/ عبد الملك بدر الدين الحوثي "يحفظه الله" حول آخر التطورات والمستجدات

الخميس: 16/2/1448هـ الموافق: 30/7/2026م