موقع أنصار الله | من هدي القرآن الكريم | 

{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (البقرة:117) مبتدعهما، أي هو لم يخلقهما على مخطط قدم له من جهة أخرى، أو عملهما على مثال عملته جهة أخرى، هو من ابتدعهما، هو من أوجدهما من حالة العدم على غير مثال احتذاه.
{أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (الأنعام:101) فأولئك الذين أدعو له ولداً, أو جعلوا أنفسهم أبناء له, اليهود والنصارى، اليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، الله كفّرهم بأقوالهم هذه, وسخر منهم: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} كيف يمكن أن يكون له ولد {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} ليس له زوجة، هو ليس بحاجة إلى ولد، هو بديع السموات والأرض، هو من لا يمكن أن يلد أو أن يكون مولوداً, لا يمكن إطلاقاً، لا يمكن أبداً أن يكون مولوداً، ولا يمكن أبداً أن يلد, أن ينجب؛ لأن هذا هو شأن المخلوقات، شأن المحدثات، تعالى الله سبحانه وتعالى عن ذلك. 

فكان من يقولون بأن لله ولداً كاليهود والنصارى الله كَفّرهم, ولعنهم بقولهم بأن لـه ولداً. وما نزال نسمع من إذاعات المبشرين, التبشير بالنصرانية يتحدثون عن المسيح أنه ابن الله، يتحدثون عنه بأنه ابن الله ويقولون: أنه مع أمه ومع الله إله واحد، واحد في ثلاثة! هذا كفر وجهل بالله سبحانه وتعالى. 
كثير من الناس حول هذه المسألة لا يتعقل ما فيها من سوء حتى يرى بأن عليه أن ينزه الله منها، فنحن متى ما نزهنا الله ينزهه الكثير من منطلق إيماني: بأنه هكذا نزه نفسه، فنحن ننزه نفسه. لهذا متى ما سمع كثير من العوام إذا ما قلت لهم: فلان يقول: أن الله يُرَى! بعضهم لا يستنكر، لا تثيره هذه القضية، إلا إذا كان قد تعلم وعرف معرفة لا بأس.

الله سبحانه وتعالى عندما ينزه نفسه عن مشابهة خلقه، عندما ينزه نفسه عن أن يكون لـه ولد، أو يكون مولوداً، أو يكون لـه صاحبة، ينزه نفسه؛ لأنه لو كان على هذا النحو لكانت فيه دلائل الحدوث، ولو كانت فيه دلائل الحدوث لكان ذلك يعني: أن هناك طرفاً ثانياً أحدثه على هذه الكيفية التي هو عليها، فيكون ناقصاً محتاجاً، ويكون غيره أكمل منه.

كما هو الحال بالنسبة لنا، أليست فينا دلائل الحدوث؟ مِن تركيبنا على كيفية معينة، ووجودنا بعد حالة عدم، وكوننا مولودين من بطون أمهاتنا. أليس ذلك يدل على أننا محتاجون، أن هناك طرفاً ثانياً عمل هذا بنا؟ فنحن ناقصون بالنسبة له، نحن محتاجون إليه.. إذاً هو أكمل منا.. أليس كذلك؟. 
فإذا كان يلزم من هذا من أن يكون له ولد، أو يكون مولوداً، أو تكون له صاحبة أن يكون مُحْدَثاً، وأن يكون محتاجاً، ويكون ناقصاً، فهذا يعني: أن هناك غيره من هو أكمل منه هو من أولده من آخر، أو مَن جعله على كيفية معينة قابلة لأن يلد فينجب فيكون ناقصاً. 

ونحن نقول - كما تكرر في القرآن الكريم في آيات كثيرة - : إن من أعظم ما يؤكد عليه القرآن الكريم ويعمل على ترسيخه في النفوس هو: الشعور بكمال الله المطلق, أي هو من لا يحتاج أبداً إلى غيره، هو الكامل، فعندما نصفه ونسميه كما سمى نفسه ((عليم)) فهو العليم الذي لا يجهل شيئاً, هو الذي أحاط علمه بكل شيء, هو عالم الغيب والشهادة. 

ومتى ما سمعناه يسمي نفسه بأنه قدير فإنه يقول: {إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(فصلت: من الآية39) لا يعجزه شيء، والقرآن الكريم عمل على ترسيخ مبدأ الكمال، كمال الله سبحانه وتعالى, وهو المبدأ الذي استطاع أن ينسف الشرك من نفوس العرب, عندما جاء ليقول لهم: إن الإله يجب أن يكون كاملاً، الإله الذي يستحق العبادة يجب أن يكون كاملاً كمالاً مطلقاً، أما إذا كان ناقصاً محتاجاً فغيره أكمل منه، إذاً فغيره أولى بالعبادة له منه، فتحدث عن أصنامهم بأنها لا تنفع ولا تضر، لا تسمع, لا تبصر.. ألم يتحدث في القرآن الكريم عن هذا كثيراً؟.

نبي الله إبراهيم عندما حطم تلك الأصنام؛ ليثير في نفوس قومه أن هذه الأصنام التي تعبدونها ناقصة قاصرة، لا تستطيع أن تنفع ولا تضر، لا تستطيع أن تدفع عن نفسها فكيف يمكن أن تدفع عنكم, فلماذا تعبدونها؟! إن من يجب أن تعبدوه هو الله سبحانه وتعالى الكامل, ذي الكمال المطلق، الذي لا أحد يستطيع أن يقهره، الذي إذا التجأت إليه نفعك، إذا خرجت عن نهجه وتجبرت عليه ضربك، ويستطيع أن يضربك، ويقول لك: بأن كل من في السموات والأرض جنود لـه: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}(الفتح: من الآية4) {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} (الأنبياء:64) عرفوا أنه فعلاً أصنام تتحطم هي ناقصة، فكيف نعبدها، ماذا يمكن أن تعمل هذه الأصنام؟ من أي وجه تستحق العبادة؟ أيّ كمال لها تستحق به أن نعبدها، ونُخْضِع أنفسنا لها، ونثنيَ عليها.
 وهكذا استطاع القرآن الكريم أن ينسف الشرك من نفوس العرب إلى الآن. هل هناك صنم في البلاد العربية ركزوه من جديد ليعبدوه؟ انتهى الموضوع؛ لأن كل واحد يتساءل لماذا أنصب صخرة, أو خشبة, أو تمثالاً فأعبده وأؤلهه, ماذا يمكن أن يعمل؟ لماذا أعبده؟ بأي وجه يستحق العبادة؟ أي كمال فيه يستحق أن أعبده، واثني عليه، وأمجده، وأعظمه وأقدسه؟ إنتهت. 

دروس من هدي القرآن الكريم 
معرفة الله عظمة الله - الدرس الثامن
ألقاها السيد/ حسين بدر الدين الحوثي 
بتاريخ: 26/1/2002م
اليمن - صعدة