موقع أنصار الله | القول السديد | 
 
ومن عظمة الشهادة في سبيل الله : 
  • الشهادة في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" ليست بديلةً عن ثقافة الحياة:

يعني: أنَّ هناك- مثلاً- من يطرح أنَّ: [الحديث عن الشهادة في سبيل الله يعني دفعٌ للناس للتخلي عن هذه الحياة، وأنَّها ثقافة الموت، وبعيدة عن ثقافة الحياة]، الشهادة في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" هي ثقافة الحياة الحقيقية؛ لأن الإنسان إذا استشهد في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، هو يحظى بحياة أشرف، أسعد، أهنأ، أطيب، أرقى، أسمى، أعلى، أكرم من هذه الحياة، فهي حياة بكل ما تعنيه الكلمة.

ثم إنَّ الأُمَّة التي تتحرَّك وهي تحمل روحية الجهاد في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وروحية الشهادة؛ تعتز، وتدفع عن نفسها المخاطر، تتحرَّك بإرادةٍ قوية، باستبسالٍ عظيم، بثباتٍ كبير، فتبني نفسها حتى بما تقدِّمه من الشهداء في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وهي في إطار تحرُّكٍ فاعلٍ ضد أعدائها، تحقق لنفسها الحياة بعزَّة، حياةً حقيقة، حياةً كريمة، حياةً بكرامةٍ إنسانية، وعزَّةٍ إيمانية، ومَنَعَةٍ في مواجهة الأعداء؛ فهي حياةٌ للأُمَّة، ووقايةٌ لها من الفناء مع الذل، فهي لا تقابل ثقافة الحياة؛ لأنها حياة؛ وإنما تقابل ثقافة التدجين للأُمَّة، لتكون ذليلةً خانعةً لأعدائها، ولا تسلم، ولا تسلم من الموت ولا من القتل؛ ولهذا ضرب الله مثلاً مهماً في القرآن الكريم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ}[البقرة:243]؛ ليجعل من ذلك درساً لغيرهم.

  • هي بديلة عن ثقافة التدجين، التي تجعل الأُمَّة تقتل عبثاً وهدراً في الإبادات الجماعية:

كما حدث كثيراً في تاريخ المسلمين، هناك مراحل كبيرة- على مدى قرون من الزمن- تخلَّت فيها الأُمَّة عن الجهاد في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وأصبحت نظرتها للشهادة وكأنها خسارة، وترسَّخت فيها حالة الوهن، في كراهية الشهادة، وفي التشبث بهذه الحياة بنظرةٍ خاطئة، ومن منطلقاتٍ خاطئة، وبمفهومٍ خاطئ، فماذا كانت النتيجة؟ هل كانت هي سلامة الأُمَّة، حياتها، بقاؤها، بقاء الناس، سلامة المجتمعات؟!

الأمة الإسلامية على مدى تاريخها نكبت نكباتٍ كبرى، وخسرت الملايين، الملايين من أبنائها، الذين قُتِلوا في حالة استسلام، وخنوع، وخضوعٍ تام، بدون قتال، بدون موقف، استباحهم أعداؤهم وفتكوا بهم، وأبادوهم.

اقرأوا تاريخ أمَّتنا الإسلامية وما فعله المغول بها، في بغداد لوحدها، وهي آنذاك عاصمة الدولة الإسلامية بكلها، حينما وصل المغول إليها، قتلوا- بحسب الإحصائيات التاريخية، وما وثَّقته كتب التاريخ- مليون إنسان في بغداد لوحدها، لوحدها، مليون إنسان أبادوهم إبادةً جماعية، بدون أن يكونوا في حال قتال، ولا دفاع، ولا مواجهة؛ وإنما في حالة استسلام تام، وقد قبلوا بالاستسلام، وعرضوا الاستسلام، وقدَّموا الاستسلام، فأبادوهم بهذا المستوى الشنيع جداً من الإبادة، وهَلَك مثل هذا العدد أو أكثر بالطاعون؛ لأن الجثامين بقيت من دون دفن آنذاك، وانتشرت الكثير من الأوبئة، وفي مقدِّمتها: الطاعون، فَهَلك الكثير مِمَّن كانوا مختفين أو مختبئين، بما يقارب هذا العدد أو أكثر منه كما في كتب التاريخ، أبيدت مجتمعات بأكملها، مدن، أبيد فيها كل سكانها، البعض ثلاثمائة ألف، بعض المدن مائتين ألف... وهكذا.

ما فعله الصليبيون في حملاتهم الثمان على هذه الأُمَّة، كم أبادوا! كم قتلوا! كم سبوا من النساء والأطفال من أبناء هذه الأُمَّة، وأخذوهم إلى أوروبا؟ ما حدث فجائع كبرى في تاريخ هذه الأُمَّة.

ثم في الاستعمار الأخير، في مرحلة الاستعمار كلها، منذ الاستعمار البرتغالي، والبريطاني... والأوروبي بشكلٍ عام، وصولاً إلى هذه المرحلة من تاريخ الأُمَّة، هي تقدِّم الكثير والكثير من القتلى في غير قتال، في غير موقف، في غير تحرُّكٍ يدفع عنها شرَّ أعدائها؛ إنما هكذا بالهدر، بالمجان.

الأمريكيون اعترفوا- في هذا العام- بأنهم قتلوا على مدى العشرين عاماً الماضية ما يقارب ثلاثة ملايين، معظمهم من أبناء هذه الأُمَّة، مِمَّن قتلوهم وهم في غير قتال، في غير موقف؛ إنما قتلوهم ضمن اعتداءاتهم المعروفة على هذه الأُمَّة.

ماذا لو كانت هذه التضحية (ثلاثة ملايين شهيد) في إطار جهاد، وموقف، ودفع لخطر الأعداء، ودفع لشرهم، والاستهداف لهم، في مقابل أنهم يستهدفون هذه الأُمَّة، ويعتدون عليها بغير حق، ويظلمونها، ويسعون لاستعبادها من دون الله، ويسعون إلى إذلالها، إلى نهب ثرواتها، إلى احتلال أوطانها، إلى السيطرة عليها، إلى مصادرة كل حقوقها؟ لكانت المعادلة مختلفة.

فالشهادة هي تقابل ثقافة التدجين، الذي نتيجته الفناء لغير ثمرة، لا في الدنيا ولا في الآخرة، لا في الدنيا ولا في الآخرة.

  • وهي أيضاً بدلٌ عن استغلال هذه الأُمَّة لتقديم القرابين والتضحيات في خدمة أعدائها:

الكثير من أبناء هذه الأُمَّة يتجنَّدون، بدفع، باستقطاب، بتشجيع، بتحفيز، بإغراءات مادية، بتضليل رهيب، لتقديم أنفسهم قرابين في خدمة أمريكا وإسرائيل، وفي خدمة الأجندات والمؤامرات والعناوين التي يدفع إليها الأمريكي والإسرائيلي؛ لأنها تخدمه، لأنها تفيده، لأنها تحقِّق أهدافه، فيما يريد أن تصل به هذه الأُمَّة في وضعها الداخلي، لما يهيئها لسيطرته التامة.

ونحن نشاهد ذلك، سواءً في حركات التكفيريين، أو غيرهم من القوى والتشكيلات، التي تنطلق وقد غيَّرت بوصلة عدائها إلى حيث يريد الأمريكي، وحيث يريد الإسرائيلي؛ فتعادي من يريد منها الأمريكي ومنها الإسرائيلي أن تعاديه، وأن توجِّه كل طاقتها، قدراتها، وتضحي الكثير والكثير في سبيل أمريكا وإسرائيل، ونحن نشاهد اليوم في أمتنا تشكيلات عسكرية، أنظمة، فئات كثيرة تتحرَّك على هذا الأساس، لتقدم التضحيات الكبيرة، وليس هناك لا تثبيط، ولا تخذيل، ولا صد، ولا لوم، ولا تشويه تجاه تحرُّك من هذا القبيل، تحرُّك في إطار ما يخدم الأمريكيين والإسرائيليين، والعناوين التي يرسمونها للخداع والتضليل، وما يصحب ذلك أيضاً من إغراءات... وغير ذلك.

 

كلمة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي " يحفظه الله " في الذكرى السنوية للشهيد 1447هـ