- والشهادة في سبيل الله هي استثمارٌ للرحيل المحتوم في واقع البشر:
والذي هو حالة يومية في الحوادث والوفيات، يعني: في كل يوم هناك الكثير من البشر يرحلون من هذه الحياة، ما بين من يلقى حادثاً يسبب لوفاته، والحوادث كثيرة، لو لم يكن منها إلَّا حوادث السير، والتي محصلتها في كل العالم بشكل يومي بالآلاف، بالآلاف يرحلون من هذه الدنيا، وهناك الكثير من الناس [إن لم يمت بالسيف مات بغيره، تعددت الأسباب والموت واحد].
فإذاً الشهادة هي البديل عن كل ذلك، فهي استثمار عظيم فتحه الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" لعباده المؤمنين، والرحيل من هذه الحياة هو محتوم، لكن عندما يكون الرحيل بشهادة في سبيل الله، فهو أرقى وأسمى رحيل من هذه الحياة، وباستثمار عظيم لهذا الرحيل المحتوم، هكذا يجب أن تكون نظرتنا للشهادة في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
- والشهادة- كما قلنا- هي مرتبطة بقضية، وبموقف:
الشهيد في سبيل الله له قضية تحرَّك على أساسها، وانطلق من أجلها، هو انطلق من أجل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، والله غنيٌ عن عباده، غنيٌ عن جهادهم، كما قال: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}[العنكبوت:6]؛ ولذلك فالشهداء في سبيل الله هم تحرَّكوا من أجل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وفق الطريق والتعليمات التي رسمها لهم، ووجَّههم بها، للتحرُّك في إطار الحق، والقضايا العادلة، وإرساء الحق والخير والقيم العظيمة، التي من أجلها أمرنا الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" بالجهاد في سبيل الله، وثمرتها هي:
- الحماية للمستضعفين.
- الحماية للناس.
- الدفع للشرِّ عنهم.
- التصدي للطغيان.
- المواجهة للإجرام والمجرمين،
فعندما نتحرك في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" لنجاهد في سبيل الله، من هو خصمنا؟ من هو عدونا الذي نواجهه؟ هم أهل الباطل، هم الظالمون، الطغاة، المجرمون، المستكبرون، هم أهل الشر، الذين يشكِّلون خطراً على الناس، على حياتهم، على أمنهم، على استقرارهم، على استقرار حياتهم، على ممتلكاتهم، على أعراضهم، وهذه حقيقةٌ واضحة.
ولذلك نرى اليوم- بما نشاهده نحن في عصرنا وزمننا- أنَّ أولئك الطغاة المجرمين، الذين هم أعداء للمجاهدين في سبيل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، يتحرَّكون بأهداف شيطانية، وغايات باطلة، وممارسات إجرامية، ويعاملون الناس بالظلم، والحيف، والجور، والإجرام الرهيب جداً، بمثل ما تفعله أمريكا، وما تفعله إسرائيل، وما يفعله كل المرتبطين بهم، كيف يتعاملون مع المجتمعات، مع المدنيين، مع العزَّل من السِّلاح، مع الأسرى، مع المجتمعات بشكلٍ عام؟ معاملة قائمة على الإجرام، على الظلم، على الحيف، على الغطرسة، أهدافهم كذلك هي أهداف ترمي لاستعباد الناس من دون الله، لنهب ثروات الأوطان، لاحتلالها، للإخضاع للمجتمعات، لاستغلال بني البشر في ما يخدم أهداف أولئك، التي هي أهداف شيطانية وإجرامية.
فالشهداء هم أصحاب قضية حق، وموقف حق، وقضية عادلة، والشهداء ارتقى عطاؤهم بالشهادة في سبيل الله، وعظم إسهامهم؛ لأنهم بدايةً تحركوا بروحية الشهادة في سبيل الله، وتحرَّروا من كل القيود التي تكبِّل غيرهم.
كثير من الناس قد لا ينطلق في كثير من المواقف؛ لاحتمال أن يستشهد في سبيل الله، فخوفاً من الشهادة يكبِّل نفسه عن كثير من الأعمال، عن كثير من المواقف، عن كثير من الأمور المهمة؛ ولذلك إسهامه محدود، وسقفه هابطٌ جداً؛ لأنه يحسب حساب المخاوف من الشهادة في كل شيء.
بينما أولئك الذين حملوا روحية الشهادة كانوا هم الأكثر إسهاماً، الأعظم عطاءً، الذين تحركوا في المواقف المهمة، والحساسة، والمصيرية، الذين حضروا في الميدان الحضور الفاعل، الذي يجسِّد القيم الإسلامية والإيمانية على أرقى مستوى من التجسيد، فهم فخرٌ لأمتهم، وهم نماذج ملهمة، وقدوة راقية، ومدرسة خالدة، ووصاياهم، وسيرهم، ومواقفهم، دروس لهذه الأُمَّة، للأجيال من بعدهم، دروسٌ عظيمة في القيم العظيمة، وفي الثبات، وفي الوفاء، إضافةً إلى ما تحقق بشكلٍ مباشر من انتصارات، من عز لأمتهم، بعطائهم، وجهودهم، وتضحيتهم، وما كتبه الله لهم ولأمتهم بناءً على ذلك.
الأمم التي تحرَّكت، والمجتمعات، وقد تحررت وقدَّمت الشهداء في إطار الموقف الحق، والأهداف الصحيحة، هي أممٌ ومجتمعاتٌ حُرَّةٌ وعزيزة، روحها المعنوية عالية، إرادتها فولاذية وحديدية، لا تنكسر من المخاوف.
بينما المجتمعات الخائفة، الخانعة، الذليلة، المتهيِّبة من تقديم الشهداء، والمتهيِّبة من الشهادة، هي أُمَّةٌ تخنع لأعدائها، تستسلم لهم، تنكسر إرادتها بكل بساطة، لا تتحرَّك لمواجهة التحديات والمخاطر الكبرى، تعيش حالة الذل، والإرجاف، والتهويل، والخوف الشديد؛ فتكبِّل نفسها، وتقيِّد نفسها لأعدائها، ولا تسلم بذلك، بل تعرِّض نفسها للمخاطر الأكبر، والتاريخ يثبت هذا، وشاهدٌ على هذا: أنَّ كثيراً من المجتمعات دفعت الثمن الباهظ في ذلِّها، واستسلامها، وخنوعها؛ لمَّا تهيَّبت من الشهادة، لمَّا تهيَّبت من التَّحَرُّك الجاد ضد أعدائها، لما يحميها من شرهم، وطغيانهم، وإجرامهم؛ فدفعت الثمن الباهظ: قتلى وجرحى، وخسرت حياتها، لم تعش حياةً بكرامة، فقدت الكرامة في حياتها بشكلٍ نهائي.
كلمة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي " يحفظه الله " في الذكرى السنوية للشهيد 1447هـ