موقع أنصار الله . تحليل| أنس القاضي 

نفّذ العدو الصهيوني عدواناً غاشماً على العاصمة صنعاء ومحافظة الجوف، مستخدماً أكثر من عشر مقاتلات في محاولةٍ فاشلة لإظهار قدراته العسكرية، وعلى الرغم من ضخامة الحملة الدعائية التي رافقت الغارات، فقد تمكنت الدفاعات الجوية اليمنية من تقويض العملية وإجبار جزء من السرب على مغادرة الأجواء، لتفشل "إسرائيل" في تحقيق أهدافها. الخطاب العبري حاول تسويق العدوان كإنجاز عسكري عبر لغة الأرقام والمبالغة، بينما الحقيقة أنه استهدف منشآت مدنية وصحافيين ومارة في الشوارع. في المقابل سارت قناة "الحدث" السعودية على خطى الإعلام الصهيوني، فكانت بوقاً عربياً مكمّلاً لبث دعايته وتبرير جرائمه.

تمهيد:

شن كيان الاحتلال، غارات بعيدة المدى على صنعاء ومحافظة الجوف، مع حديثٍ عبري عن مشاركة "أكثر من 10 مقاتلات” وضرب 15 هدفاً بنحو "30 ذخيرة"، واستهداف بنى وُصفت بأنها "معسكرات، ومقر الدعاية والعلاقات العامة العسكرية، ومخازن وقود".

وقد استطاعت الدفاعات الجوية اليمنية من تقويض العملية المخططة لها، من حيث تهديد بعض طائرات السرب، وإجبارها على مغادرة الأجواء اليمنية، وبالتالي فما وصل من طائرات العدو أقل مما كان مخطط له.

يأتي هذا العدوان في ظل التصعيد الصهيوني المستمر رداً على العمليات اليمنية الأخيرة المستمرة في ثلاثة أيام متتابعة والتي استهدف مطار "رامون" و"بن قوريون" وأماكن حساسة في القدس المحتلة و"ديمونا".

وكان من المُلاحظ طوال الأيام الماضية، تصاعد الخطاب العدواني الصهيوني الذي يلمح ويُصرح إلى عملية عدوانية ضد اليمن، للضغط على صنعاء من أجل وقف جبهة الإسناد.

 

تحليل مضمون الخطاب الإعلامي العبري

ركز الإعلام الصهيوني على الانجاز العسكري المزعوم، بحديثه عن المسافة والطلعة التي وصفها بالأطول منذ السابع من أكتوبر 2023م، وعدد الطائرات والذخائر، وذلك بغرض ترسيخ صورة تفوق لوجستي وتقني لسلاح الجو الإسرائيلي.

تكرر توصيف الأهداف بأنها عسكرية بحتة: "معسكرات، منصّات إطلاق، مقر الدعاية/العلاقات العامة العسكرية، وخزانات وقود "تُستخدم لأغراض عسكرية"؛ وهي صياغة تهدف إلى تسجيل ما جرى كإنجازات عسكرية وتبرير للعدوان.

فيما في حقيقة الأمر لم يتم استهداف مواقع عسكرية وبالتالي تأثير على الإسناد اليمني، بل تم استهداف مواقع مدنية الطابع مثل صحيفتي 26 سبتمبر واليمن، والمارة في الشوارع.

بعض المنابر الصهيونية ذهبت بعيداً إلى ربط اليمن بملفات "تهديد وجودي كيماوي" في إعادة تكرار دعاية المواقع الأمريكية ووزير إعلام الحكومة العميلة التي زعمت انتاج اليمن أسلحة كيماوية وبيولوجية، في ظل اتجاه لإعادة رفع شعار أسلحة الدمار الشامل التي استخدمت ذريعة في غزو الكويت، وكذلك رفع شعار "الأسلحة الكيماوية" التي استخدمت ذريعة للضغط على النظام الوطني السوري سابقاً.

اللغة والصورة:

عكس الخطاب الصهيوني لغة التباهي التقني (أرقام، مسافات، ذخائر) مقابل التغطية على الخسائر المدنية وجعل كل مدني اُستهدف ذو "استخدامات عسكرية" ولو كان محطة وقود يتزود منها المواطنون يومياً.

كان هناك إخراج بصري مُحكم من قبل وسائل الإعلام المعادية من حيث: صور أعمدة الدخان والحرائق التي تستثمر لإظهار "دقة" الضربات، مع الإيحاء بأن الاستهداف طال نقاطاً حساسة للقدرة اليمنية باستهداف (الدفاع/التموين/الإعلام العسكري) حد تعبيرهم.

الرسائل الصهيونية:

كان للكيان الصهيوني رسائل داخلية وخارجية من خلف هذه العملية العدوانية، فداخلياً استعادة صورة الردع، وخارجياً وإقليمياً التباهي  بـ"اليد الطويلة" القادرة على ضرب "خصوم إسرائيل أينما وجدوا"، بما يشمل العمق اليمني، وربط ذلك بضربات الدوحة، وقبلها في تونس.

تحليل الخطاب العسكري الإسرائيلي

أضفى الخطاب العسكري الصهيوني هالة على العملية تتجاوز حقيقة أثرها، من حيث إبراز أن "رئيس أركان" العدو قاد العملية من "الكرياه مجلس لواء "تل أبيب"، ومُعَسْكَرُ رَابِين " ما يبرز اهتمام القيادة العسكرية العليا لجيش العدو، في صناعة حدث ردعي وتسويقه إعلامياً وسياسياً في المنطقة.

الخطاب العسكري أفرط في ذكر تفاصيل العملية، تعداد "15 هدفاً،30 ذخيرة،10 مقاتلات" وتحديد فئات الأهداف (معسكرات، منصات، إعلام عسكري، وقود) لتظهير "الدقة" ولتخفيف أثر التقارير اليمنية عن خسائر مدنية واستهداف العدو للأعيان المدنية.

يطرح العسكريون الصهاينة في خطابهم سردية تفوّقٍ جوّي – استخباراتي، التلويح بالقدرة على اختراق العمق البعيد وتحديد مقار قيادية في صنعاء، لبعث رسالة مفادها "لدينا بنك أهداف ممتد وقابل للتجديد". وطوال الأيام الماضية كان حديث الصهاينة يتمحور حول مدى تقدمهم استخباراتيا في الجبهة اليمنية.

ورغم هذه اللغة، فإن تجارب الشهور الماضية تُظهر محدودية أثر الضربات على القدرة اليمنية على مواصلة إطلاق الصواريخ المسيّرات، وهذه الحملة العدوانية الراهنة ليس لها أثر مباشر على الإسناد اليمني.

تحليل الخطاب السياسي الإسرائيلي

أظهر المجرم "نتنياهو" لغة متعالية، وتصعيدية، فهو يسعى إلى مزيد من التصعيد وقد حاول اغتيال وفد حماس المفاوض في الدوحة ليقطع المفاوضات ويُعيدها إلى نقطة الصفر.

في العدوان على اليمن اليوم، أراد إظهار معادلة ردع :"من يهاجمنا نصل إليه"، في إطار حربٍ "متعددة الجبهات" تربط اليمن بغزة وإيران ولبنان، وتستثمر الضربة لإظهار ثبات قدرته القيادة رغم الاحتجاجات الداخلية ضد شخص نتنياهو وحكومته.

وزير الحرب الصهيوني (يسرائيل كاتس) هو الآخر، يحاول تكريس شعار "اليد الطويلة".

كيف تُكمل قناة الحدث السردية الإسرائيلية؟

من الملاحظ تماهي الخطاب السعودي والصهيوني خصوصاً خطاب قناة الحدث، إذ كان ظاهرا التماهي من حيث الأخبار والمصطلحات والتصنيف، وعملت قناة الحدث على إبراز العدوان لحظة لحظة مع خطاب حرب نفسية تصاعدي، في العواجل التي تتحدث عن التحليق، والقصف، وذكر أسماء المواقع الحكومية المقصوفة، ومواقع لم تقصف أصلا مثل وكالة سبأ للأنباء. وكل الخطاب جرى بثه بصياغات تقارب ما بثته وسائل عبرية وبيانات جيش الاحتلال.

قنة الحدث سواء على وسائل التواصل الاجتماعي أو الشاشة، نشرت منشورات فيديوهات تُحدّد: ما وصفته "باستهداف وزارة الدفاع ووزارة المالية ومجمع الدفاع في العرضي، بلقطات متتابعة على الهواء"؛ وهو ما يحوّلها إلى ناقلٍ عربي مباشر للرواية العسكرية الصهيونية الإسرائيلية لحظة بلحظة.

أما في الجانب الإنساني، فكانت تركز على أعداد الشهداء والجرحى، ليس من قبيل فضح جريمة إنما إبراز قوة "جيش" العدو وقدرته على التدمير والقتل، بما يجعل محتوى قناة الحدث في نهاية المطاف ناشراً ومُكمِّلاً لصورة "الإنجاز" الإسرائيلية.

الختام

الرسالة الصهيونية من قصف العاصمة صنعاء: هي استعادة الردع بالعرض التقني-اللوجستي وإظهار "اليد الطويلة" المزعومة في الجبهة اليمنية، مع خطاب واحد إعلامي وسياسي وعسكري يحاول إضفاء شرعية على العدوان والإجرام. ويحتاج الكيان الصهيوني بعد الضربات اليمنية الأخيرة التي استهدفت مطارات العدو وأهدافا حساسة في القدس وديمونا إلى التأكيد أنه برغم الاستنزاف الحاصل له من مختلف الجبهات قادر على الهجوم وتثبيت معادلات ردع جديدة، والجبهة اليمنية المستمرة تكذب هذه الرواية.

في نهاية المطاف يؤكد هذا العدوان أن كيان الاحتلال بات عاجزاً عن كسر معادلة الردع اليمنية، وأن ما يلجأ إليه ليس سوى دعاية جوفاء لتغطية فشله أمام الضربات اليمنية النوعية التي وصلت مطاراته ومنشآته الحساسة في عمق فلسطين المحتلة. وبقدر ما أراد أن يروّج لصورة "اليد الطويلة"، فإن صنعاء أثبتت أن يدها أطول وأقدر، وأنها حاضرة في ميادين العزّة دفاعاً عن فلسطين واليمن معاً. ومع استمرار الجبهة اليمنية، تتهاوى دعايات العدو، وتتكشف حقيقة مأزقه في حربٍ متعددة الجبهات يعجز فيها عن تحقيق أي نصر حقيقي.