في مسرح السياسة الدولية -الأمريكية بشكل خاص- لا وجود لصداقات خالدة ولا لمواثيق مقدّسة؛ ثمة مصالح تتبدّل، وولاءات تُشترى وتُباع، وحلفاء يُقدَّمون قرابين على مذابح التكتيك الآني. ومن هذا المنظور يمكن قراءة التحوّل الدراماتيكي في الموقف الأمريكي تجاه الحرب الروسية–الأوكرانية، حيث وجد الرئيس دونالد ترامب في المصالحة مع موسكو مخرجًا أرخص وأيسر من مواجهةٍ مفتوحة مع محورٍ إقليمي أصبح يُشكّل ضغطًا حقيقيًا على واشنطن. فالانكفاء نحو التفاهم مع الكرملين، والتلويح بقطع الدعم الاستخباري والأقمار الاصطناعية عن الطائرات المسيّرة الأوكرانية، بل والتهديد بتبديل الرئيس فولوديمير زيلينسكي نفسه، لم يكن قرارًا استراتيجيًا مدروسًا بقدر ما كان استجابةً لدوافع براغماتية ضيقة، مفادها أن أمريكا -التي عجزت عن كسر إرادة طهران في مضيق هرمز، والتي ارتبطت بفشلٍ مماثل في باب المندب حيث أوقفت ضربات اليمن تصدير النفط السعودي وعطّلت الملاحة الجوية في المملكة- باتت تبحث عن نصرٍ سهلٍ في ملفٍ آخر، ولو كان الثمن حليفًا ضعيفًا اسمه أوكرانيا، خاصة وأن أسعار النفط في تزايد مستمر انعكست تبعاته على الأسواق الأمريكية مع عدم اليقين بتعهدات ترامب في فتح مضيق هرمز، بالتالي فالعودة إلى النفط الروسي أقل كلفة.

الفشل في هرمز وباب المندب: الشرط الخفي للمصالحة مع موسكو

لم يكن التحوّل الأمريكي تجاه روسيا وليد لحظةٍ واحدة، بل جاء تتويجًا لسلسلة إخفاقات متلاحقة في مواجهة أطرافٍ إقليمية أثبتت قدرةً على فرض معادلاتها. ففي مضيق هرمز، ظلّت إيران تُمسك بورقة الخنق الاقتصادي دون أن تجد واشنطن سبيلًا لفكّها، وفي باب المندب، أثبتت القوات المسلحة اليمنية أن بإمكانها ضرب العمق السعودي وتعطيل شرايين الطاقة والطيران، في مشهدٍ أظهر هشاشة الردع الأمريكي أمام خصومٍ لا يُقاسون بميزان القوى التقليدية.
وهنا تتكشّف المعادلة: حين يعجز القطب الأكبر عن فرض إرادته في مسرحين حيويين، يصبح البحث عن مخرجٍ في مسرحٍ ثالثٍ ضرورةً تكتيكية. والمصالحة مع روسيا -في هذا السياق- ليست تنازلًا استراتيجيًا بقدر ما هي صفقة تقاسم نفوذ: واشنطن تُغلق ملف أوكرانيا، وموسكو تتكفّل بضبط إيقاع الصراع في مناطق الضغط الأخرى، وتأمين الطاقة بأسعار مقبولة. أما زيلينسكي، فلم يكن سوى ورقة مساومةٍ في هذه المقايضة، تمامًا كما كان أسلافه من الحلفاء الصغار في مناطق أخرى.

درس زيلينسكي: هل يتّعظ ابن سلمان؟

هنا يبرز السؤال الجوهري: إذا كان هذا هو مصير رئيس دولةٍ أوروبية يحظى بدعمٍ غربي واسع، فما بالُ حلفاء الخليج الذين بنوا رهاناتهم الأمنية على مظلةٍ أمريكية قد تتبدّل في أي لحظة؟
لقد رأى بن سلمان كيف تُرك زيلينسكي وحيدًا يواجه الصواريخ الروسية بعد أن كان نجم الخطابات في الكونغرس، وكيف تحوّل من حليفٍ محوري إلى عقبةٍ يجب تجاوزها. والأمر ذاته ينطبق على الرياض، فمنذ بداية العدوان على اليمن كانت المملكة تتحرّك في فلك المصلحة الأمريكية أكثر مما تتحرك وفق مشروعٍ وطني مستقل، حتى إذا جاءت ضربات اليمن على المنشآت النفطية والملاحة الجوية لم تجد سوى صمتٍ أمريكيٍّ مطبق، وكأنما كان يُقال للرياض: هذه معركتكم وحدكم، ونحن هنا لمصالحنا فقط.

الرياض.. أداة لا صاحب مشروع

ما يعزّز هذا الطرح أن المملكة -منذ تأسيس علاقتها الاستراتيجية مع واشنطن- لم تَبنِ مشروعًا إقليميًا خاصًا بها، بل ظلّت تُوظَّف كأداةٍ لتنفيذ أجنداتٍ خارجية، بعضها أمريكي وبعضها إسرائيلي، فحين تُشترى الأسلحة، وحين تُفتح القواعد، وحين تُخاض الحروب بالوكالة، تكون النتيجة الطبيعية أن تتحوّل الدولة من فاعلٍ إلى مفعول به، ومن شريكٍ إلى تابع. وهكذا، عندما تتبدّل الأولويات الأمريكية يجد الحليف نفسه في مواجهةٍ مباشرة مع خصومه، دون غطاءٍ ولا ضمانات.

دروسٌ من كييف إلى الرياض

ما جرى مع زيلينسكي ليس حادثًا عابرًا، بل قاعدةٌ ثابتة في السياسة الأمريكية، فحين تشتدّ الأزمات يُقدَّم الحلفاء الأضعف قرابينَ للمصالحة مع الخصوم الأقوى. والمملكة السعودية -بموقعها الجيوسياسي وثقلها النفطي- ليست بمنأى عن هذا المصير ما لم تُعِدْ تعريف مشروعها الوطني بعيدًا عن الرهانات على حمايةٍ أمريكية أثبتت الأيام أنها سراب. والأهم من هذا وذاك يجب أن تسارع الرياض لحل الملف  اليمني قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة، فالعاقل من يتّعظ قبل أن يأتي دوره في الفصل التالي.