موقع أنصار الله | القول السديد | 
 

التدبير الإلهي لخلاص المستضعفين، كما شرحنا على ضوء الآيات المباركة في قصة نبي الله موسى، يأتي إلى واقع الناس، وعلى أيديهم، وفي إطار سنَّة الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، في أن يهيِّئ لهم من يكون على يده الخلاص، من أوليائه الهداة، السائرين على هديه، ووفق تعليماته، وبطريقةٍ عملية، يعني: لم تكن الطريقة لإنقاذ المستضعفين من فرعون، أنَّه في ليلةٍ من الليالي نام أولئك المستضعفون، ثم استيقظوا صباحاً وقد هلك فرعون وجنوده ووزراؤه وأعوانه، وانتهت المشكلة! لم تكن المسألة على هذا النحو، بأنهم- مثلاً- دعوا على فرعون، وأعوانه، وجنوده بأن يهلكهم الله وينتهي الأشكال، ويأتي الخلاص والفرج، كانت المسألة مساراً عملياً، وتدبير يأتي إلى الواقع العملي، وهيأ الله من يكون على يده الخلاص؛ وبالتالي وفق تعليمات من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وهداية، ومسار عملي طويل.

ويأتي ذلك أيضاً في إطار المهام المقدَّسة والعظيمة في حمل رسالة الله تعالى، يعني: يتحرك المستضعفون وهم يحملون مشروعاً إلهياً مقدَّساً وعظيماً، لإقامة القسط والعدل، ولإقامة الحق؛ لأن الباطل والطغيان يستند إلى رؤية باطلة، وينتج عنها ممارسات إجرامية؛ ولذلك يقابلها في مقام الصراع: الحق الذي به صلاح الحياة، واستقامة حياة الناس، وفي مقابل ما يمارسه الطغاة من ظلمٍ وإجرام، يقابل ذلك: العدل، فهناك في مقام الصراع ما يسمَّى بـالمعتقدات، والأسس، والثقافات، والأفكار، التي يتحرك عليها كل طرف.

أتى الخلاص للمستضعفين، الذين استضعفهم فرعون بطغيانه، على يد نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، في إطار مهمته الرسالية المقدَّسة، التي كان من أبرز العناوين والمهام فيها: إنقاذهم، وإقامة الحُجَّة على فرعون وقومه، وتقديم الهدى إليهم، يعني: قدَّم الهدى، وعرض طريق الخلاص والصلاح والفلاح حتَّى على فرعون نفسه، ثم العمل على التَّحَرُّك بأولئك المستضعفين كمؤمنين بتلك الرسالة، وما عليهم في ذلك من التزامات عملية، ومسؤوليات مقدَّسة، ليست المسألة مجرَّد صراع ليس له عناوين، ليس له دور، لا يرتبط به قضية، أولئك المستضعفون قدِّمت لهم قضية مقدَّسة، قضية مهمة، قضية عظيمة، يتحرَّكون من خلالها، وفي نفس الوقت يكون بذلك خلاصهم، والفرج لهم، وتلك القضية هي رسالة يحملونها، ومسؤوليات مقدِّسة، وعرض القرآن كيف كان وضعهم، وحتَّى فيما بعد الخلاص، كيف كان مستوى الالتزام بتلك الرسالة، بعد أن أنقذهم الله من حالة الاستضعاف والاضطهاد والظلم، وكيف كانت مسيرتهم كأتباع لتلك الرسالة، وما حظوا به من رعايةٍ إلهية، ثم في حالات الانحراف، ما حلَّ بهم من العقوبات والنقمات، كل ذلك تحدثت عنه الآيات القرآنية في سورٍ متفرقة، مما فيه العبرة والدروس المهمة لأُمَّتنا الإسلامية؛ وبذلك عرض الله لنا- كأمةٍ مسلمة- تجربةً كاملةً طويلةً لأُمَّة في مختلف الوضعيات والمراحل.

 

المحاضرة الرمضانية الخامسة للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي - 05 رمضان 1447هـ | 22 فبراير 2026م