موقع أنصار الله | من هدي القرآن الكريم | 

العلم بهذه الحقيقة: بـ {أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}[القصص:13]، وأنَّه سيتحقَّق، يدخل في مسائل إيمانية كبيرة، في مقدِّمتها: المعرفة بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، معرفتنا بالله بما عرَّفنا به: أنَّه العزيز، الحكيم، الجبار، الملك، القدوس... وغير ذلك من أسمائه الحسنى، أنَّه الغالب على أمره، القوي العزيز، كم من أسماء الله الحسنى، التي إذا عرفنا الله بها، وآمنا به على أساس ذلك؛ نتيقن أنَّ وعده حق، أنَّه لن يترك عباده هملاً، أنه لم يخلق هذه الأرض لتكون عبثاً للطغاة، العابثين، المجرمين، المستكبرين، المستهترين بحياة الناس، لكنه رسم السنن التي تحكم هذه الحياة في الأسباب والنتائج، والمشكلة عند المستضعفين أحياناً تعود إليهم هم في إعراضهم عن تلك السنن المهمة، التي رسمها الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وقاعدة الأخذ بالأسباب بناءً على ذلك.

فالجهل بهذه الحقيقة، يترتب عليه الكثير من الأخطاء في واقع الناس، وفي مواقفهم؛ لأن حالة الجهل تؤدِّي إلى حالة اليأس، فالبعض بناءً على ذلك:

  • إمَّا يذهب في الولاء للمستكبرين، الذين هم منحرفون عن نهج الله، عن خط الله، ومستكبرون عن ذلك، وطغاة، جبابرة، ظالمون.
  • وإمَّا في أن يبقى في وضعيته في حالة استسلامٍ كامل، وخضوع لهم، ولو لم يكن موالياً لهم، لكن من دون أي تحرُّك أو اتِّجاه نحو الأخذ بالأسباب، للخلاص من طغيانهم، وظلمهم، وجبروتهم.

ولهذا عندما نتأمَّل في واقع أُمَّتنا الإسلامية وشعوبها، بالذات الشعوب، قد تكون في حالة استضعاف أوقعت نفسها فيها، ولو أنَّها تمتلك من الطاقات، والقدرات، وأسباب القوَّة، التي لو أخذت بها، واستفادت منها، وفعَّلتها؛ لتغيَّر واقعها تماماً، يعني: من المؤسف أن تقول عن أُمَّة (ملياري مسلم) تصفهم بالاستضعاف، ولديهم ما لديهم من إمكانات، من قدرات، من وسائل، من أسباب، لكن لم يتَّجهوا للاستفادة من شيء؛ لأن الحالة حالة تيه، وهذا شيءٌ مؤسفٌ جدًّا! حالة تيه، وغفلة، وضياع.

لكن في مقدِّمة ما يفيد الناس، هو: أن يعالجوا جهلهم بهذه الحقيقة، وأن يرسِّخوا إيمانهم بوعد الله الحق، وبهذا يتعاملون مع وعود الله الصريحة الواضحة لهذه الأُمَّة المسلمة، في كتابه الكريم، الذي هو وحي من الله، أوحاه على عبده ورسوله خاتم النبيين، وسيِّد المرسلين، محمد "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم"، فهو أوحاه إليه وأوحى فيه تلك الوعود، الوعود الصريحة، الواضحة، المهمة.

مثلاً: فيما يتعلَّق بالصراع مع العدو الإسرائيلي، العدو اليهودي، الصهيوني، الإسرائيلي، المستكبر، الذي بلغ في عُلُوِّه، وَعُتُوِّه، واستكباره، وطغيانه، وإجرامه، مستويات رهيبة في هذا العصر، ولربما وبالتأكيد بحسب ما يذكره التاريخ، وذكره القرآن، نجد أنهم قد فاقوا فرعون، الله قال عن فرعون: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ}[القصص:4]، يعني: طغى وتكبر، وبلغ مبلغاً سيئا جدًّا في ذلك؛ لكنَّه قال عنهم: {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا}[الإسراء:4]، يعني: التعبير القرآني يفيد أنَّ علوهم أكبر حتَّى من علو فرعون، العلو هو بنفسه طغيان كبير، واستكبار كبير، ولكن وصفه أيضاً بأنه: {عُلُوًّا كَبِيرًا}[الإسراء:4]، قال عنه: {عُلُوًّا كَبِيرًا}[الإسراء:4].

ولهذا الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" حينما تحدث عن عُلُوِّهم، وطغيانهم، وإفسادهم في الأرض، واستكبارهم، ماذا قال مع ذلك؟ ذكر نهايةً لهذا العُلُو والعُتُو:

  • في مرَّته الأولى، وقال عنها: {وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا}[الإسراء:5]، قد حصل عُلُوّهم وعُتُوّهم؛ لأنَّه قال: {مَرَّتَيْنِ}[الإسراء:4]، وبعث عليهم عباداً أولي بأس شديد، ودمَّروهم تدميراً هائلاً جدًّا، وأكثر المؤرخين وأصحاب السِّير يعتبرون تلك المرَّة التي سلَّط الله فيها عليهم بابل، الدولة البابلية، التي سحقتهم، ودمَّرتهم، وأوصلتهم إلى ما وصلوا إليه. والله أعلم!
  • لكن يقول عن المرَّة الآخرة، يعني: المرَّة الآخرة من المرَّتين: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا}[الإسراء:7].
  • ويقول كسنةٍ ثابتة لأيِّ مرَّةٍ أخرى، لأيِّ كَرَّةٍ أخرى، لأيِّ عودةٍ أخرى، إلى ذلك الطغيان، إلى ذلك العتو، إلى ذلك الإفساد، إلى ذلك الإجرام: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا}[الإسراء:8].

وعود صريحة، وحقائق مؤكَّدة في كتاب الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، صريحة وبيِّنة؛ لأن هذا فعلاً مرتبطٌ بعدل الله، بحكمة الله، بِعِزَّة الله، هو العزيز، من عِزَّته أنه لن يترك المجال لهم إلى ما لا نهاية، في حالة عتو وإجرام رهيب جدًّا، الحالة التي وصلوا إليها نتيجة تفريط من هذه الأُمَّة بمسؤولياتها العظيمة والمقدَّسة، تفريط رهيب جدًّا، وخلل فظيع للغاية، في التزامات هذه الأُمَّة على المستوى الإيماني والديني؛ نتج عنه: أن تمكَّنوا من أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه، وكان هذا من الحبال التي حصلوا عليها، {بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ}[آل عمران:112]، ولكن حقائق القرآن واضحة، بيِّنة، صريحة، وعود الله ووعيده كذلك، آياته الصريحة تتحدث في كتابه الكريم بما أوحاه إلى نبيه، ما الذي ينقصنا تجاه ذلك؟ هو الإيمان بهذه الحقيقة، الوعي بها وعياً راسخاً، العلم بها، أن نكون على علم بذلك، ثقة تامَّة، متأكدين، متيقنين، لا تكون مجرَّد احتمالات، أو ظنون، أو خارجاً حتَّى عن ذلك، حالة جهل بهذه الحقيقة.

 

 

المحاضرة الرمضانية الثامنة للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي 08 رمضان 1447هـ 25 فبراير 2026م