في غمرة تسارع الأحداث العالمية، نغفلُ أحيانًا عن قضايا اقتصادنا المحلي وتحليل اختلالاته.. وَإذَا كان إنشاء مؤسّسات تدعم الاقتصاد أمرًا حيويًّا، إلا أن الأهم هو كيفية إدارة هذه الموارد لضمان "الاستخدام الأمثل" لا الهدر الممنهج.
أولًا: نقدُ "العقليةِ الموازية" في المؤسّسات
قرأتُ مؤخّرًا إعلانًا عن مناقصة لإنشاء "مركز للبحوث الزراعية" تابع لجامعة صنعاء.
ورغم نُبل الأهداف المعلَنة، إلا أن المنطقَ الاقتصادي يفرض علينا التوقف عند فكرة "استحداث مؤسّسات موازية"، والتي تؤدي في الغالب إلى:
تبديد الموارد: إنفاق ميزانيات ضخمة على إنشاءات يمكن استبدالُها بتفعيل القائم.
تشتيت الجهود: خلق تداخُل في الصلاحيات والمهام بين جهات مختلفة.
الأعباء المالية: زيادة الإنفاق الجاري في ظل ظروف اقتصادية تستوجب التقشف والذكاء.
ثانيًا: لماذا نبني ما هو موجودٌ بالفعل؟
تمتلك اليمن بالفعل "الهيئة العامة للبحوث الزراعية"، وهي مؤسّسة عريقة مزودة بمراكز ومحطات إقليمية في كافة أنحاء البلاد، وتضم:
بنى تحتية متقدمة ومختبرات حديثة.
مزارع بحثية مرفَقة بكل محطة إقليمية.
كادرًا بشريًّا تراكمت لديه الخبرة عبر عقود.
إذًا، ما المبرّر لإنشاء مركز جديد؟ وهل ضَعف كفاءة بعض الباحثين (إن وُجد) يستوجبُ بناءَ منشآت جديدة، أم يستوجب تقييم وتأهيل الكادر الحالي؟
ثالثًا: الحلُّ في "التفعيل" لا في "الاستحداث"
بدلًا عن الاستثمار في جدران جديدة تستهلك الموارد، يجب أن تتوجّـهَ الاستراتيجية نحو:
تأهيل الكفاءات: إدخَال دماء جديدة أَو تدريب الكوادر الموجودة في الهيئة العامة للبحوث.
الاستثمار في البحث لا المباني: توجيه أموال المناقصة لدعم المشاريع البحثية الميدانية في المحطات الإقليمية القائمة.
التكامل المؤسّسي: خلق شراكة بين جامعة صنعاء والهيئة العامة للبحوث لاستخدام المختبرات والمزارع المتوفرة، بدلًا من التنافس على الموارد المحدودة.
الخلاصة: في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، يجب أن نكون أذكياء في إدارة مواردنا.
إن "النهضة الزراعية" لا تبدأ من مناقصات البناء، بل من حُسن استثمار الإمْكَانات المتاحة وتوجيه الموارد نحو الإنتاج الحقيقي.