ليست قصص الأنبياء في القرآن حكاياتٍ للتسلية، ولا سردًا تاريخيًّا يُقرأ في زمنٍ ويُغلق عليه الغبار، بل هي خرائط نصرٍ للمستضعفين، وإنذارات هلاكٍ للمستكبرين.

ومن بين هذه الخرائط تتقدّم سيرة النبي موسى عليه السلام بوصفها النموذج الأوضح لكيفية إسقاط الطغيان، لا عبر القوة العمياء، بل عبر السنن الإلهية الحاكمة للتاريخ.

هنا، يطمئن المستضعف أن الله معه، ويرتعد المستكبر لأنه يكتشف أن نهايته تُصنع من داخل قصره.

في محاضراته الرمضانية، يعيد السيد القائد يحفظه الله، الاعتبار إلى جوهر الرسالة والنبوة، فيصحّح المفاهيم المشوَّهة حول الوحي، ويؤكّـد أن الرعاية الإلهية ليست لاحقة للمواجهة، بل سابقة لها.

هكذا كان موسى عليه السلام: نبيًّا محاطًا بالعناية الإلهية منذ اللحظة الأولى، قبل أن يحمل عصاه، وقبل أن يواجه فرعون.

لقد ظنّ فرعون أنه أحكم السيطرة حين ذبح الأطفال، وضيّق على المستضعفين، وأحاط ملكه بالجنود والاحترازات.

لكن ما لم يدركه أن الله كان في الوقت ذاته يُربّي عدوه في قلب قصره.

الطفل الذي أُلقي في اليمّ لم يكن مشروع نجاة فردية، بل كان مشروع سقوط حضاري للطغيان.

هنا تكمن الرهبة: أن الطاغية، وهو في ذروة جبروته، يكون في الحقيقة قد دخل مرحلة العدّ التنازلي دون أن يشعر.

إن أخطر ما في قصة موسى ليس المعجزة في شقّ البحر، بل المعجزة التي سبقتها:

أن يتحوّل قصر الطاغية إلى حضانة للنبي، وأن تتحوّل أموال الظالم إلى وقودٍ لهلاكه، وأن تُسخَّر العاطفة، والمحبة، والنساء، والقرارات الصغيرة، لصناعة نهاية كبرى.

وهذا هو عين ما يحدث اليوم: مقاومة تُصنع في البيوت، وقرارات تتخذها أم خائفة على رضيعها، وإيمان يكبر تحت وطأة القصف.

 إنها ذات المعادلة، يُكتب النصر فيها بأنامل من تظنهم الدنيا ضعفاء.

هذه هي السنّة التي تُرعب المستكبرين اليوم:

أن كُـلّ سياسات القتل، والاستضعاف، والتجويع، ليست دليل قوة، بل إشارات هلع.

فحين يكثر الظلم، تقترب النهاية.

وحين يُستهدف الأطفال، يكون السقوط قد كُتب، ولو بعد حين.

أما للمستضعفين، فخطاب موسى ليس وعدًا غيبيًّا بلا ثمن، بل دعوة إلى الوعي والتحَرّك.

 فالله لا يُسقط الطغاة صدفة، بل يُعدّ من بين المظلومين من يحمل راية التغيير، ويزرع فيهم اليقين، ويعلّمهم الصبر، ثم يفتح لهم لحظة المواجهة الحاسمة.

 

الخاتمة:

النبي موسى عليه السلام، ليس ذكرى، بل معادلة:

طغيانٌ + ظلمٌ + غرور = سقوطٌ محتوم.

فليستكثر الطغاة اليوم من الدماء، فهي الحبر الذي يُكتب به سقوطهم.

وليتشبثوا بكراسيهم، فكلما اشتد تمسكهم، اقترب موعد رحيلهم.

وثباتُ مستضعفين + يقينٌ بالله + حركةٌ واعية = نصرٌ لا يُردّ.

هكذا تُقرأ المحاضرة، وهكذا يُفهم التاريخ:

الله غالبٌ على أمره.. ولكن أكثر المستكبرين لا يشعرون.