لقد وصلنا اليوم إلى مرحلة حرجة في تاريخ الأُمَّــة العربية والإسلامية، حَيثُ تتجلى هشاشةُ المواقف الرسمية لبعض الدول العربية، وخُصُوصًا دول الخليج، في دعمها المُستمرّ للمشروع الصهيوني الإمبريالي على حساب شعوبها ومصالح الأُمَّــة.
فالتماهي والتمازج والاندماج المطلق لهذه الأنظمة مع السياسات الأمريكية والإسرائيلية لم يعد مُجَـرّد خيار سياسي، بل أصبح ممارسة عملية لتسليم القرار العربي لمصالح القوى الاستعمارية والصهيونية، فيما الشعوب تتحمل نتائج هذا الولاء الأعمى.
ما يضاعف خطورة الوضع هو حقيقة العدوان الإسرائيلي والأمريكي المُستمرّ على الأُمَّــة، وما يرافقه من صمت وتخاذل من بعض الدول العربية والإسلامية.
فهذه الدول التي ترفع شعارات العروبة والإسلام، كانت أولى بتقديم الدعم للعدو، بل سمحت باستخدام أراضيها وقواعدها لضرب الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في واحدة من أكثر التصرفات المخزية التي تكشف عن خيانة واضحة لمبادئ الأُمَّــة.
والآن، وهم يتباكون على أي تهديد محتمل لأراضيهم من إيران، يبدو تناقض موقفهم صارخًا وواضحًا للجميع؛ إذ يعلنون الخوف على سيادتهم بينما ساهموا بأنفسهم في تهديد أمن المنطقة من خلال الانخراط في مشاريع العدوان الاستكباري.
تظهر الحقيقة أن هذه الأنظمة ليست مُجَـرّد أدوات سياسية ضعيفة، بل أصبحت خط الدفاع الأول عن المشروع الصهيوني، وكبش فداء يُحرق على مذبح طموحات الاحتلال والغطرسة الأمريكية.
كُـلّ محاولاتهم لتبرير التطبيع والتقارب مع الاحتلال الإسرائيلي تحت شعارات الرخاء والازدهار، فشلت فشلًا ذريعًا، فالمعطيات الواقعية تشير إلى أن هذا التطبيع لم يأت إلا بمزيد من المخاطر والانكشاف السياسي، وأن الشعوب التي اعتقدت أنها ستستفيد من الرفاهية أصبحت الآن رهينة لمقامرات سياسية تقودها إلى الانهيار والخزي والخسران المبين.
لقد بلغ الأمر حدًّا لا يمكن تجاهله، حَيثُ باعت هذه الأنظمة نفسها بارتهانها، ولم تعد قادرة على التراجع أَو حماية شعوبها من تبعات هذا الولاء الأعمى.
وفي المقابل، يبقى السؤال الأكبر موجهًا إلى شعوب الخليج: هل ستظل مكتوفة الأيدي، متفرجة على ما يحدث، أم ستتخذ موقفًا عمليًّا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يساقوا بها إلى مذبح الغطرسة الصهيونية والإمبريالية؟
إن تحليل الواقع السياسي الراهن يكشف أن التطبيع، الذي يُسوَّق على أنه جسر نحو السلام أَو الازدهار، هو في الحقيقة أدَاة لتثبيت الهيمنة الصهيونية على الأرض العربية، وضمان استمرار العدوان الإسرائيلي والأمريكي على الأُمَّــة.
وما لم تتحَرّك الشعوب بسرعة ووعي، فإن الثمن لن يكون باهظًا فقط على مستوى السيادة الوطنية، بل على مستوى الهُوية العربية والإسلامية التي تتعرض لمحاولات طمس ممنهجة ومتعمدة.
المشروع الصهيوني لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى للسيطرة على العقول، وتوجيه مسار الأُمَّــة وفق مصالحه الخَاصَّة.
وفي هذا السياق، يتحمل المسلمون مسؤولية أخلاقية وتاريخية بالوقوف ضد أي موقف وظيفي يخدم هذا المشروع، مهما كانت المبرّرات الرسمية أَو الحملات الإعلامية المصاحبة.
فالخيانة والتخاذل لن يوقفا المشروع، ولن يضمنوا الأمن أَو الرفاهية، بينما التفاعل الواعي والتحَرّك الشعبي يمكن أن يكون أدَاة لردع المشروع الاستكباري، واستعادة زمام المبادرة قبل أن يتحول كُـلّ شيء إلى كبش فداء على مذبح طموحات الاحتلال.
الواقع يؤكّـد أن الشعوب العربية والإسلامية، وأولها شعوب الخليج، أمام مفترق طرق تاريخي، بين الاستمرار في موقف المتفرج والانصياع للسياسات الاستعمارية والصهيونية الأمريكية، أَو اتِّخاذ موقف وطني حقيقي يحمي كرامتها وهُويتها ومستقبلها، ويوقف الانحدار نحو مزيد من التبعية والخضوع لمصالح الاحتلال.
وإن كان هناك درس مُستمرّ من التاريخ، فهو أن الأمن الحقيقي لا يُؤتى من المتفرجين أَو الأنظمة الوظيفية، بل من شعوب واعية، تدرك خطورة الموقف وتتحَرّك قبل فوات الأوان.