في زمن الصمت المطبق، والقلوب غارقة في القلق، والأمة تحت وطأة الترهيب تُساق إلى حتفها بلا رمق، انطلقت الصرخـة.

من جبال مران الشامخة، بصدق الإيمان والروح الطامحة، صرخ الحسين بالحق في وجه الطغيان، ليعيد للأُمَّـة كرامة الإنسان.

لم تكن مُجَـرّد كلماتٍ تُقال، كانت زلزالًا يهدُّ عروش الضلال، وفجرًا يشقُّ ركام اليأس بمداد اليقين؛ فلا الصمت بعد اليوم عبادة، ولا الخنوع في قاموس الأحرار سيادة.

لقد كانت المنطقة تعيش حالة الاستسلام الكامل، والكل يرقب سقوط العواصم تحت استباحة المحتلّ لها، وأولها اليمن.

فجاء الشعار كالمصل الذي أحيا الأمل، وكالمطر الذي أنبت في القلوب العمل والأمل.

سألوا الشهيد القائد، السيد حسين بدر الدين الحوثي، (رضوان الله عليه) عن جدوى الكلمة في وجه المدافع، وعن أثر الهتاف أمام الأساطيل والبارجات، فكان رده الذي ما زال ينبض في عروقنا كالدماء:

أتظنون أن هذه الصرخة مُجَـرّد كلام؟ إنها موقف، إنها سلاح، إنها تحطيمٌ لحاجز الخوف الذي بناه العدوّ في وجدانكم.

وقد صدق في ذلك..

لقد كان يثق بوعي الناس وبتحَرّكهم الصادق حين قال بعبارته الخالدة قبل أكثر من أربعة وعشرين عامًا.

"اصرخوا، وستجدون من يصرخ معكم".

وهي العبارة التي كانت بمثابة حجر الأَسَاس، فاليوم لم نعد وحدنا، بل صارت الصرخة صدىً عالميًّا يتردّد في كُـلّ الساحات الحرة.

لقد أراد لنا أن نخرج من دائرة الضحية التي تنتظر الذبح ببرود، إلى دائرة الأُمَّــة التي تصنع النصر وتكسر القيود.

الصرخـة هي المجس الذي كشف عورات المنافقين، والبوصلة التي دلت التائهين إلى صراط العزة والتمكين.

لم تكن صرخـة مذهبية تُفرق، بل كانت صرخة قرآنية تُوحد وتُشرق، خرجت لتعلن للعالم أن أمريكا ليست ربًا يُعبد، وأن كيان الاحتلال الإسرائيلي غدة سرطانية يجب أن تُطرد.

واليوم، تأملوا بربكم هذا الواقع، وانظروا إلى البحر الأحمر وهو يزمجر في وجه الصنائع.

واسألوا المندب عن أسرار السيادة، وعن بأس رجالٍ لا يعرفون الإبادة.

أليست هذه المواقف العظيمة، وهذه القوة الضاربة، هي الثمار اليانعة لتلك الصرخة؟

يقول السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي: (يحفظه الله) الصرخة نقلت الأُمَّــة من حالة التلقي والانتظار، إلى حالة الهجوم والمبادرة.

لم نعد نتلقى الصفعات ونحن صامتون، بل نحن اليوم من يصفعُ وجه الغزاة ويؤدبُ المعتدين، وأصبحنا نحن من يحدّد القواعد، ونضع الشروط، ونرسم الحدود.

اليوم، المجنون ترامب وأذنابه يحسبون لصنعاء ألف حساب، لأنهم أدركوا أن الشعار صار صواريخًا تخترق القباب، ومسيراتٍ تذيق العدوّ وبال العذاب.

فمن اعتصم بالشعار، لا يخشى الحصار، ولا يرهبه انكسار.

الصرخــة زاد المجاهدين في الجبهات، وصوت المستضعفين في الساحات، وسهم الله الذي لا يخطئ صدور الأبالس والطواغيت.

لم تكن يومًا مُجَـرّد عبارات تنطق، كانت وما زالت حصنًا تربويًّا، وسياجًا يحمي الأجيال من التولي للصهاينة والأمريكان.

إنها الثقافة التي جعلت من اليمني الرقم الصعب في معادلة المنطقة، وجعلت من سلاحه بسيط التركيب، عظيم التأثير.

إن أثرها اليوم يتجلى في ثبات شعبنا أمام أعتى عدوان، وفي وقوفنا الصادق مع غـزة ولبنان وإيران ومظلومية كُـلّ إنسان.

فما نراه اليوم من انتصارات، ليس إلا تجسيدًا لتلك الكلمات التي أطلقها الشهيد القائد (رضوان الله عليه) في زمن "اللا موقف"، لتصبح اليوم مدرسةً في التحرّر والكرامة لكل من يبحث عن الكرامة والشرف.

يا رجال القوة والبأس الشديد، إن ذكرى الصرخـة اليوم ليست مُجَـرّد احتفال بالماضي، هي تجديدٌ للعهد في الحاضر والآتي.

عهدٌ بأن تظل الأصابع على الزناد، والقلوب متصلةً برب العباد.

انظروا كيف يرتجف العالم اليوم من صرخـة ترتفع من اليمن، وكيف يضيق الخناق على قوى الاستكبار في كُـلّ ممرٍ وفن.

ذلك لأنها صرخـة خرجت من حناجر لا تعرف الانكسار، وتغذت من معين القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

فقولوها ملء الفم، وردّدوها في كُـلّ واد: إن سلاح الموقف أقوى من قنابلكم، وإن إيماننا أصلب من حديدكم، والوعد الصادق يوشك أن يحين، والنصر حليف المؤمنين المستضعفين.

نحن اليمانيين صرخنا حين صمت الجميع خوفًا، ووقفنا حين ركع الكثير ذلًّا، فحق لنا اليوم أن نفخر بأننا أُمَّـة لا تُقاد، وشعب لا يُباد، وقوة لا تلين أمام كيد الأعادي مهما اشتد السواد.

الصرخة هي الحصن والدرع، وهي الطريق الوحيد لنعيد للأُمَّـة مجدًا ضاع في دهاليز التبعية العمياء لقوى الاستكبار.

إنها الصرخـة التي جعلت قوى الاستكبار تدرك أن في اليمن رجالًا "صدقوا ما عاهدوا الله عليه"، وأن مياهنا لا تقبل الغزاة، وسماءنا لا تقبل الطغاة، ومن أراد النجاة فليحترم سيادتنا، ومن أراد الهلاك فليجرب بأسنا.

فالصرخة هي البداية، وللتمكين مسك النهاية، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.