يتساءل الكثيرون عن السر الكامن وراء تمديد ترامب للهُدنة، وخَاصَّة في هذا التوقيت بالذات: هل هي مناورة سياسية أم اعتراف ضمني بالهزيمة؟

بينما تملأ الأساطيل الأمريكية الأفق ضجيجًا، وترتفع نبرة الوعيد في أمريكا، تكشف لنا الغرف المغلقة حقيقة مرعبة: المخازن خاوية، والترسانة التي أرهبت العالم تنزف حتى الموت.

فهل يخضع ترامب ويمد غصن الزيتون حبًا في السلام، أم أنه يشتري الوقت لترميم خردة عسكرية لم تعد قادرة على حماية نفسها، فضلًا عن خوض مواجهة خاسرة مع طهران؟

تكشف لغة الأرقام عن حقيقة المأزق الأمريكي الذي لم يعد مُجَـرّد تكهنات سياسية، بل أصبح حقيقة عسكرية واقتصادية فرضت نفسها على مكاتب القرار في البنتاغون.

حين يتحدث مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) عن استنزاف مخيف في ترسانة الصواريخ الذكية والمنظومات الدفاعية، فنحن أمام إقرار بالفشل الذريع، وسقوط مدوٍ لأُسطورة السيادة المطلقة التي طالما تبجحت بها الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

إن الأرقام التي كشفت استهلاك أكثر من 850 صاروخ توماهوك، ونزيفًا يتجاوز 50 % من صواريخ الباتريوت، ليست مُجَـرّد إحصائيات عابرة؛ بل هي صرخة استغاثة لمؤسّسة عسكرية أدركت أن مخازنها أصبحت "قاعًا صفصفًا" تحتاج إلى عقود من الزمن لتعويض ما دمّـرته مغامرات ترامب الفاشلة ورهاناته الخاسرة.

وهنا يظهر سر قرار تمديد الهدنة؛ فهو لم يكن نابعًا من رغبة في التهدئة، بل هو تمديد العاجـز الذي قرأ كشوفات المستودعات وأدرك أن مخزونه من صواريخ "ثاد" و"إس أم 3" قد تبخر في سماء المنطقة دون أن يحقّق نصرًا واحدًا، وأن التعويض يحتاج لسنوات طوال تصل إلى 64 شهرًا لبعض المنظومات، في حين أن اشتعال الجبهات وتصاعد بأس المحور لا ينتظر أحدًا.

لقد توهمت أمريكا أن ترهيب إيران ومحور المقاومة سيكون نزهة قصيرة تنتهي باستسلام شامل، لكنها اصطدمت بحقيقة صلبة مفادها أن طهران وحلفاءها يملكون "النفس الطويل" وإرادَة لا تنكسر، بينما تعيش الحربية الأمريكية حالة من الارتباك الصناعي والوهن والتخبط الذي لم تشهده منذ الحرب العالمية الثانية.

إن الرضوخ الأمريكي المتمثل في البحث عن تمديد الهدنة هو ترجمة حقيقية لواقع أن الذراع الطويلة التي كانت تلوح بها أمريكا قد قُطعت، ولم يتبقَ لها إلا الانصياع الكامل لشروط طهران؛ فالمعادلة قد تغيرت جذريًّا، ومن كان يظن أن القوة النارية ستخضع الجمهورية الإسلامية، هو اليوم يتوسل التمديد تلو التمديد بحثًا عن مخرج دبلوماسي يستر عورة الهزيمة العسكري ويحفظ ما تبقى من ماء وجه العاجز.

على أمريكا أن تفهم، وهي التي تعيش في أوهام العظمة الزائفة، أن زمن الاستقواء بالبارجات قد ولى إلى غير رجعة، وأن أي محاولة جديدة للعدوان على إيران وحلفائها ليست سوى انتحار بكل ما تعنيه الكلمة.

فكيف لجيش يحتاج لسنوات طوال لتعويض صواريخ دفاع جوي سقطت في ليلة واحدة أن يواجه محورًا يمتلك مدنًا تحت الأرض مليئة بالصواريخ والمسيرات؟

إن الحقيقة التي يحاول ترامب مداراتها خلف الستار هي أنه لم يعد أمام أمريكا إلا خيار واحد لا ثانيَ له: وقف العدوان فورًا، ورفع الحصار الشامل، والرضوخ التام للشروط التي وضعتها طهران من مركز القوة.

إن هذا التمديد هو اعتراف ضمني بأن المخازن خاوية، وأن الإرادَة الأمريكية مهزوزة ومشتتة، وأن الغلبة في نهاية المطاف هي لأصحاب الحق والأرض.

وما عجزت عنه الصواريخ الذكية والمنظومات المليارية لن تحقّقه الوعود السياسية الكاذبة.

اليوم، طهران تفرض واقعًا جديدًا بقوة السلاح وحكمة الموقف، وعلى أمريكا أن تتعود كيف تُصغي وتنفذ وهي صاغرة، والصرخة اليمانية والموقف الإيراني الثابت قد أعادا صياغة جغرافيا القوة، وما بين كشوفات (CSIS) الصادمة وتمديد ترامب، يسقط قناع الزيف الأمريكي إلى الأبد وتنكشف حقيقة القوة التي أرهبت العالم وباتت اليوم تستجدي الوقت والهدوء..

﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.