تُعدّ مجزرة تنومة التي راح ضحيتها عددٌ كبير من الحجاج اليمنيين في العام 1341 من السنة الهجرية على أيدي عصابات آل سعود واحدة من أكثر الأحداث دموية في التاريخ الحديث المرتبط بالحج.

تمثل الجريمة رمزًا مأساويًّا للصدّ عن المسجد الحرام، ليس فقط؛ باعتبَارها جريمة قتل جماعي راح ضحيتها أكثر من ثلاثة آلاف حاج يمني، وأيضًا لكونها تعبيرًا عن انتهاك صارخ لقدسية شعيرة دينية يفترض أن تكون محمية ومصونة.

لم يكن الدافع وراء هذه الجريمة مقتصرًا على الطمع في ممتلكات الحجاج وما يحملونه من أموال ومتاع، بل تجاوز ذلك ليأخذ بُعدًا أعمق يتمثل في منعهم من أداء فريضة الحج، في مشهد يناقض جوهر الإسلام القائم على المساواة وإتاحة العبادة لجميع المسلمين دون تمييز.

 

امتداد الصد عن المسجد الحرام

وإذا كانت مجزرة تنومة تمثل فصلًا مؤلمًا من الماضي، فإن ما نشهده اليوم من تعقيدات وعراقيل أمام الراغبين في أداء فريضة الحج يثير تساؤلات حول امتداد هذا “الصدّ” بأشكال مختلفة.

فقد تحوّل الحج في السنوات الأخيرة، في نظر كثيرين، من عبادة يسيرة إلى رحلة مُكلفة ومليئة بالإجراءات المعقَّدة؛ ما جعل أداءَ هذه الفريضة بعيد المنال بالنسبة لشرائح واسعة من المسلمين، خَاصَّة من الدول الفقيرة.

 

تحول الحج من شعيرة إسلامية إلى هدف اقتصادي

إن الارتفاع الكبير في تكاليف الحج، وما يرافقه من رسوم وإجراءات تنظيمية صارمة، يعكس تحولًا ملحوظًا في إدارة هذه الشعيرة، حَيثُ أصبحت تُدار بمنطق اقتصادي يضع الاعتبارات المالية في مقدمة الأولويات.

وهذا الواقع يثير جدلًا واسعًا حول مدى التوازن بين متطلبات التنظيم الحديث للحج وبين الحفاظ على روحه الدينية كعبادة مفتوحة لجميع المسلمين دون استثناء.

 

غياب المسؤولية الجماعية للعالم العربي والإسلامي تجاه الحج.

كما أن صمتَ العديد من الدول العربية والإسلامية تجاه هذه التحولات يطرح إشكالية أُخرى تتعلَّقُ بالمسؤولية الجماعية في حماية الشعائر الإسلامية.

فالحج ليس شأنًا محليًّا أَو سياديًّا لدولة بعينها بقدر ما هو ركن من أركان الإسلام يخص الأُمَّــة الإسلامية جمعاء.

ومن هذا المنطلق، فإن أية ممارسات تؤدي إلى تقييد الوصول إليه أَو تحميله أعباء مادية مرهقة تستدعي نقاشًا جادًا ومسؤولًا على مستوى العالم الإسلامي.

وتبقى مجزرة تنومة جرحًا مفتوحًا في الذاكرة التاريخية، وتذكيرًا بضرورة صون حرمة الحجاج وضمان حقهم في أداء مناسكهم بأمان وكرامة.

وبين الماضي والحاضر، تبقى الحاجة ملحة لإعادة النظر في كيفية إدارة هذه الشعيرة العظيمة بما يحقّق العدالة والتيسير، ويحفظ قدسية المكان والعبادة بعيدًا عن أية اعتبارات أُخرى.