لم يكن اشتعالُ النيران اليوم في منطقة "فوز" للصناعات البترولية بالفجيرة، أَو استهداف ناقلات "أدنوك" بمسيّرات دقيقة، مُجَـرّد أحداث أمنية عابرة يمكن احتواؤها ببيانات النفي أَو التهدئة، بقدر ما هو إعلان صارم عن ولوج المنطقة مرحلة "كسر الإرادات" وتهاوي الاستراتيجيات التقليدية.
إن المشهد الراهن يضعنا أمام حقيقة جيوسياسية لا تقبل التأويل: لقد سقط القناعُ عن الوجه الأمريكي الذي حاول نصب فخ "التفاوض تحت النار"، وارتطم الطموحُ الصهيوني بصخرة الردع الإيراني الذي تجاوز كُـلّ الخطوط الحمراء المرسومة، معيدًا صياغة موازين القوى بلهيب الميدان لا بمداد الدبلوماسية المخادعة.
وَهْمُ "الحماية" وفشل المنظومات الوظيفية
راهنت أبوظبي طويلًا على أن الانغماسَ في المشروع الصهيوني، والارتهان لتكنولوجيا "الليزر" والأنظمة الدفاعية الإسرائيلية،
سيمنحها حصانةً تقيها ضرباتِ محور المقاومة وردودَ فعل القوى الإقليمية الرافضة للهيمنة.
إلا أن ما جرى في ميناء صقر وسواحل دبي وُصُـولًا إلى الفجيرة، أثبت أن هذه الحمايةَ ليست سوى "رهانات ورقية" تبخرت عند أول اختبار حقيقي.
إن التكنولوجيا التي عجزت عن تأمين يافا المحتلة المسماة احتلاليًّا "تل أبيب" أَو حماية غلاف غزة، هي بالضرورة أعجزُ عن تأمين من اتخذها ظهيرًا ونصبها حارسًا على ثرواته.
الإمارات اليوم تجد نفسها الطرف الأكثر انكشافًا وغرقًا في حسابات خاطئة، حَيثُ تحولت أراضيها من "واحة للاستثمار" إلى "منطقة اشتباك" مفتوحة، نتيجة لسياسات الارتهان التي تتبعها قيادتها.
المعادلة الأخلاقية: ثروات الأُمَّــة بين التحرّر والتبعية
بكل تجرُّدٍ سياسي وقومي، تحوّلت هذه الأنظمة الوظيفية إلى خناجر في خاصرة الشعوب العربيةلا يمثل أولويةً لنا، ولا ينبغي أن يثير القلق في وجدان الشارع العربي المكلوم.
فالمعادلة اليوم تفرض نفسَها بقوة المنطق، أن ذهاب ثروات النفط وعوائد الطاقة لتعزيز اقتدار قوة إقليمية ترفع لواء المواجهة ضد الغطرسة الأمريكية والصهيونية، هو مسارٌ أقرب للعدالة التاريخية من تبديد تلك الثروات في تمويل حرب الإبادة في غزة، أَو تغذية الميليشيات التدميرية التي عاثت فسادًا وتقطيعًا في الجغرافيا العربية من اليمن إلى سوريا وليبيا.
إن النفط الذي يُحرق اليوم في الموانئ الإماراتية هو ذاته النفط الذي أُهدرت عوائده في التآمر على الأُمَّــة، وما نراه ليس إلا استردادًا لفاعلية المنطقة في وجه سارقي مقدراتها.
بين الفخ الأمريكي واليقظة الاستراتيجية
سعت واشنطن، عبر مناوراتها الدبلوماسية الأخيرة، إلى استدراج طهران لمِنصة تفاوضٍ منزوعة المخالب،
منتظِرةً "الطلقة الأولى" لتبرير عدوانٍ شامل يعيد تشكيلَ المنطقة وفق الهوى الصهيوني.
لكن القيادة في طهران -التي تقرأُ التاريخَ والواقع بعين الحذر واليقظة- قلبت الطاولة بذكاء استراتيجي؛ فاختارت أن يكون الرد في قلب المصالح الحيوية التي تشكل شريان التمويل للمشاريع المعادية، محولةً "الفخ" إلى شرك يطبق على أعناق المحرضين.
المسرحية انتهت الآن، والخيارات باتت ضيقة ومحدّدة: إما تفاوضٌ ندي يحفظ الحقوق السيادية كاملة ويرفع الحصار عن الشعوب، وإما الانزلاق نحو مواجهة شاملة ومريعة لن يخرج منها حلفاء واشنطن إلا بخسارة مطلقة وهزيمة تاريخية.
إذن..
إن سلامة بلادنا العربية وصون دماء شعوبنا هي الغاية الأسمى التي نتمسك بها، وما سواها من مصالح أنظمة التطبيع ليست إلا "تفاصيل" تُكتب بلهيب الميدان.
لقد انتهى زمن الابتزاز، وبدأ زمن الحساب الحقيقي؛ ومن أشعل النار بسياساته الخرقاء وانغماسه في دماء الأبرياء، عليه اليوم أن يواجه لهيبَها وحيدًا.
القادم لن يكون كما قبله، وخارطةُ المنطقة تُرسم اليوم بدخان الانفجارات التي تقول للجميع: "لا أمنَ للمعتدي، ولا بقاءَ للمتآمر".