​في مشهدنا الإقليمي المعاصر، لم يعد الخلاف مُجَـرّد تباين في وجهات النظر السياسية، فقد بات انقسامًا جذريًّا بين فلسفتين وجوديتين تحدّدان مصير الأُمَّــة ومستقبلها.

على ضفة أولى، تتبدَّى جليًّا صورة أنظمة الخليج التي ارتضت لنفسها السير في ركاب الإدارة الأمريكية، محوّلةً بلدانَها إلى بيادق في رقعة الشطرنج الغربية، حَيثُ تُقاس المواقفُ بحسابات المصالح المادية البحتة والتبعية المطلقة لحاملي الأختام في واشنطن.

نهج مقيد بالخوف على العروش، ومنطلق من حسابات براجماتية ضيقة تسعى للاستقرار الوهمي عبر الاندماج في منظومة دولية لا تحترم إلا الأقوياء، ولو كان الثمنُ التفريط في قضايا الأُمَّــة الكبرى وعلى رأسها مظلومية فلسطين.

وعلى الضفة المقابلة المقاومة، يتجلى مشروع فريد تقودُه قامات تحَرّكت وفق هدى التوجيهات الإلهية، مستمدةً قوتَها ويقينها من الخالق وحدَه، فصاغت بدمائها ملحمةً تحرّرية لا تعرفُ المساومةَ أَو الانحناءَ أمام غطرسة الاستكبار العالمي.

هؤلاء القادة لم يكتفوا برسمِ المبادئ على الورق أَو إطلاق الشعارات من الغرف المغلقة، لقد جسدوها واقعًا حيًّا عندما تقدموا الصفوف في ميادين الشرف، واسترخصوا أرواحَهم وأبناءَهم وكل ما يملكون في سبيل الله ودفاعًا عن كرامة المستضعفين.

إن الفارقَ بين الطرفَينِ هو الفارقُ الجوهريُّ بين الأرض والسماء؛ بين من يستجدي أمنَه وبقاءَه من البيت الأبيض، ومن يشتري آخرتَه وكرامةَ أمته بدمه الزاكي في معركة الحق ضد الباطل،

لتبقى التضحية والشهادة مدرسة العظماء، ويبقى الارتهان صك عار يلاحق أصحابه في صفحات التاريخ.